تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 518-532

﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250] الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ فَجَحَدُوكَ إِلَهًا وعَبَدُوا غَيْرَكَ وَاتَّخِذُوا الْأَوْثَانَ أَرْبَابًا

صفحات 518-532
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لِمَنِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: 252] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 252] هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي اقْتَصَّ اللَّهُ فِيهَا أَمْرَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَأَمْرَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى الَّذِينَ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ

يَبْعَثَ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 231] حُجَجُهُ وَأَعْلَامُهُ وَأَدِلَّتُهُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَهَذِهِ الْحُجَجُ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ بِهَا يَا مُحَمَّدُ، وَأَعْلَمْتُكَ

مِنْ قُدْرَتِي عَلَى إِمَاتَةِ مَنْ هَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُمْ أُلُوفٌ، وَإِحْيَائِي إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَمْلِيكِي طَالُوتَ أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ إِذْ كَانَ سَقَّاءً، أَوْ دَبَّاغًا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَيْتِ الْمُمَلَّكَةِ، وَسَلْبِي ذَلِكَ إِيَّاهُ بِمَعْصِيَتِهِ أَمْرِي، وَصَرْفِي مُلْكَهُ إِلَى دَاوُدَ لِطَاعَتِهِ إِيَّايَ، وَنُصْرَتِي أَصْحَابَ طَالُوتَ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وَضَعْفِ شَوْكَتِهِمْ عَلَى جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَشِدَّةِ بَطْشِهِمْ؛ حُجَجٌ عَلَى مَنْ جَحَدَ نِعْمَتِي، وَخَالَفَ أَمْرِي، وَكَفَرَ بِرَسُولِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ، الْعَالَمِينَ بِمَا اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَنْبَاءِ الْخَفِيَّةِ، الَّتِي يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِي لَمْ تَتَخَرَّصْهَا وَلَمْ تَتَقَوَّلْهَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، لِأَنَّكَ أُمِّيُّ، وَلَسْتَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ، فَيَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أَمْرُكَ، وَيَدَّعُوا أَنَّكَ قَرَأْتَ ذَلِكَ فَعَلِمْتَهُ مِنْ بَعْضِ أَسْفَارِهِمْ، وَلَكِنَّهَا حُجَجِي عَلَيْهِمْ أَتْلُوهَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْحَقِّ الْيَقِينِ كَمَا كَانَ، لَا زِيَادَةَ فِيهِ، وَلَا تَحْرِيفَ، وَلَا تَغْيِيرَ شَيْءٍ مِنْهُ عَمَّا كَانَ.
﴿وَإِنَّكَ﴾ [البقرة: 252] يَا مُحَمَّدُ ﴿لِمَنِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: 252] يَقُولُ: إِنَّكَ لَمُرْسَلٌ مُتَّبَعٌ فِي طَاعَتِي، وَإِيثَارِ مَرْضَاتِي عَلَى هَوَاكَ، فَسَالِكٌ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكَ سَبِيلَ مَنْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِي الَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى أَمْرِي، وَآثَرُوا رِضَايَ عَلَى هَوَاهُمْ، وَلَمْ تُغَيِّرْهمُ الْأَهْوَاءُ، وَمَطَامِعُ الدُّنْيَا كَمَا غَيَّرَ طَالُوتَ هَوَاهُ، وَإِيثَارُهُ مُلْكَهُ، عَلَى مَا عِنْدِي لِأَهْلِ وِلَايَتِي، وَلَكِنَّكَ مُؤْثِرٌ أَمْرِي كَمَا آثَرَهُ الْمُرْسَلُونَ الَّذِينَ قَبْلَكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: 253] الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كَمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

وَشَمْوِيلَ وَدَاوُدَ، وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرَ نَبَأَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ رُسُلِي فَضَّلْتُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَلَّمْتُ بَعْضَهُمْ وَالَّذِي كَلَّمْتُهُ مِنْهُمْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعْتُ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ بِالْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253] قَالَ: " يَقُولُ: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ يَقُولُ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وَأَرْسَلَ مُحَمَّدًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَقِيلَ لِي: سَلْ تُعْطَهْ، فَاخْتَبَأْتُهَا شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، فَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: 87] وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنْ إِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مَعَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ

إِلَيْهِ، فَبَيَّنْتُ فِيهِ مَا فَرَضْتُ عَلَيْهِ وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ [البقرة: 87] وَقَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87] يَعْنِي بِرُوحِ اللَّهِ وَهُوَ جِبْرِيلُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى رَوْحِ الْقُدُسِ وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: 253] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، يَعْنِي مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَبَعْدَ

عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ لِمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: 213] يَعْنِي مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ

آيَاتِ اللَّهِ مَا أَبَانَ لَهُمُ الْحَقَّ، وَأَوْضَحَ لَهُمُ السَّبِيلَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدَهِمْ﴾ [البقرة: 253] مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَعِيسَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدَهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: 253] يَقُولُ: «مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَعِيسَى»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدَهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: 253] يَقُولُ: «مِنْ بَعْدِ مُوسَى وَعِيسَى»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلَكِنِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ لَمَّا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنْهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ لَا يَقْتَتِلُوا، فَاقْتَتَلُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ

مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيمِ الِاقْتِتَالِ وَالِاخْتِلَافِ، وَبَعْدَ ثُبُوتِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَرِسَالَةِ رُسُلِهِ وَوَحْيِ كِتَابِهِ، فَكَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ بَعْضُهُمْ، وَآمَنَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ

أَنَّهُمْ أَتَوْا مَا أَتَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَأٍ تَعَمُّدًا مِنْهُمْ لِلْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ , ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: 253] يَقُولُ: وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْجِزَهُمْ بِعِصْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَلَا يَقْتَتِلُوا مَا اقْتَتَلُوا وَلَا اخْتَلَفُوا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253] بِأَنْ يُوَفِّقَ هَذَا لِطَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ فَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُطِيعَهُ وَيَخْذُلَ هَذَا فَيَكْفُرَ بِهِ وَيَعْصِيَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا مِنْهَا، وَآتُوا مِنْهَا

الْحُقُوقَ الَّتِي فَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ.
وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 254] قَالَ: " مِنَ الزَّكَاةِ وَالتَّطَوُّعِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254] يَقُولُ: ادَّخِرُوا لِأَنْفُسِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ فِي دُنْيَاكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ بِالنَّفَقَةِ مِنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَالْحَاجَةِ، وَإِيتَاءِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِيهَا، وَابْتَاعُوا بِهَا مَا عِنْدَهُ مِمَّا أَعَدَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ لِأَنْفُسِكُمْ مَا دَامَ لَكُمُ السَّبِيلُ إِلَى ابْتِيَاعِهِ بِمَا نَدَبْتُكُمْ إِلَيْهِ، وَأَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ النَّفَقَةِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: 254]

يَعْنِي مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ يَوْمٍ لَا بَيْعٌ فِيهِ، يَقُولُ: لَا تَقْدُرُونَ فِيهِ عَلَى ابْتِيَاعِ مَا كُنْتُمْ عَلَى ابْتِيَاعِهِ بِالنَّفَقَةِ مِنْ أَمْوَالِكُمُ الَّتِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، أَوْ نَدَبْتُكُمْ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرِينَ، لِأَنَّهُ يَوْمُ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَعِقَابٍ، لَا يَوْمُ عَمَلٍ وَاكْتِسَابٍ وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، فَيَكُونُ لَكُمْ إِلَى ابْتِيَاعِ مَنَازِلِ أَهْلِ الْكَرَامَةِ بِالنَّفَقَةِ حِينَئِذٍ، أَوْ بِالْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَعَ ارْتِفَاعِ الْعَمَلِ الَّذِي يَنَالُ بِهِ رِضًا اللَّهِ، أَوِ الْوُصُولُ إِلَى كَرَامَتِهِ بِالنَّفَقَةِ مِنَ الْأَمْوَالِ، إِذْ كَانَ لَا مَالَ هُنَالِكَ يُمْكِنُ إِدْرَاكُ ذَلِكَ بِهِ يَوْمٌ لَا مُخَالَّةٌ فِيهِ نَافِعَةٌ كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ خَلِيلَ الرَّجُلِ فِي الدُّنْيَا قَدْ كَانَ يَنْفَعُهُ فِيهَا بِالنُّصْرَةِ لَهُ عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِمَكْرُوهٍ وَأَرَادَهُ بِسُوءٍ، وَالْمُظَاهَرَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَآيَسَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْصُرُ أَحَدًا مِنَ اللَّهِ، بَلِ الْأَخِلَّاءُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ مَعَ فَقْدِهِمُ السَّبِيلَ إِلَى ابْتِيَاعِ مَا كَانَ لَهُمْ إِلَى ابْتِيَاعِهِ سَبِيلٌ فِي الدُّنْيَا بِالنَّفَقَةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَالْعَمَلِ بِأَبْدَانِهِمْ، وَعُدْمِهِمُ النُّصَرَاءَ مِنَ الْخِلَّانِ، وَالظُّهَرَاءَ مِنَ الْإِخْوَانِ، لَا شَافِعَ لَهُمْ يَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَشْفَعُ فِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ بِالْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ وَالْخُلَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَبَطُلَ ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَئِذٍ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيلِ أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ فِي الْآخِرَةِ إِذَا صَارُوا فِيهَا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 101] " وَهَذِهِ الْآيَةُ مَخْرَجُهَا فِي الشَّفَاعَةِ عَامٌ وَالْمُرَادُ بِهَا خَاصٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ وِلَايَةِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ

يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّةَ ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا

حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254] «قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ نَاسًا يَتَحَابُّونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَشْفَعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَأَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا خُلَّةَ إِلَّا خُلَّةَ الْمُتَّقِينَ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالْجَاحِدُونَ لِلَّهِ الْمُكَذِّبُونَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَقُولُ: هُمُ الْوَاضِعُونَ جُحُودَهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْفَاعِلُونَ غَيْرَ مَا لَهُمْ فِعْلُهُ وَالْقَائِلُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ قَوْلُهُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الظُّلْمِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا

أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254] إِنَّمَا هُوَ مُرَادٌ بِهِ أَهْلُ الْكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ أَتْبَعَ قَوْلَهُ ذَلِكَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: حَرَمْنَا الْكُفَّارَ النُّصْرَةَ مِنَ الْأَخِلَّاءِ، وَالشَّفَاعَةَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَقْرِبَاءِ، وَلَمْ نَكُنْ لَهُمْ فِي فِعْلِنَا ذَلِكَ بِهِمْ ظَالِمِينَ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ جَزَاءً مِنَّا لِمَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، بَلِ الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا أَتَوْا مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبُوا لَهَا الْعُقُوبَةَ مِنْ رَبِّهِمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ صُرِفَ الْوَعِيدُ إِلَى الْكُفَّارِ وَالْآيَةُ مُبْتَدَأَةٌ بِذِكْرِ أَهْلِ

الْإِيمَانِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْآيَةَ قَدْ تَقَدَّمَهَا ذِكْرُ صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ: أَحَدُهُمَا أَهْلُ كُفْرٍ، وَالْآخَرُ أَهْلُ إِيمَانٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 253] ثُمَّ عَقَّبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الصَّنْفَيْنِ بِمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ، فَحَضَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ فِي طَاعَتِهِ وَفِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْيَوْمِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ وَأَخْبَرَ فِيهِ عَنْ حَالِ أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، إِذْ كَانَ قِتَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ فِي مَعْصِيَتِهِ وَنَفَقَتُهُمْ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ [البقرة: 254] أَنْتُمْ ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 254] فِي طَاعَتِي، إِذْ كَانَ أَهْلُ الْكُفْرِ بِي يُنْفِقُونَ فِي مَعْصِيَتِي ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: 254] فَيُدْرِكُ أَهْلُ الْكُفْرِ فِيهِ ابْتِيَاعَ مَا فَرَّطُوا فِي ابْتِيَاعِهِ فِي دُنْيَاهُمْ، ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: 254] لَهُمْ يَوْمَئِذٍ تَنْصُرُهُمْ مِنِّي، وَلَا شَافِعٌ لَهُمْ يَشْفَعُ عِنْدِي فَتُنَجِّيهِمْ شَفَاعَتُهُ لَهُمْ مِنْ عِقَابِي؛ وَهَذَا يَوْمَئِذٍ فِعْلِي بِهِمْ؛ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونِي؛ لِأَنِّي غَيْرُ ظَلَّامٍ لِعَبِيدِي

وَقَدْ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: ثني عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] وَلَمْ يَقُلِ: الظَّالِمُونَ هُمُ الْكَافِرُونَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَالْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾

قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: «اللَّهُ» وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: النَّهْي عَنْ أَنْ يُعْبَدَ شَيْءٌ غَيْرُ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
يَقُولُ: ﴿اللَّهُ﴾ [الفاتحة: 1] الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] لَا إِلَهَ سِوَاهُ، لَا مَعْبُودَ سِوَاهُ، يَعْنِي: وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَهٌ وَلَا نَوْمٌ، وَالَّذِي صِفَتُهُ مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ الْآيَةُ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَقْوَالُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَاقْتَتَلُوا فِيهِ كُفْرًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِيمَانًا بِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وَوَفَّقَنَا لِلْإِقَرَارِ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: 255] فَإِنَّهُ يَعْنِي: الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ وَالْبَقَاءُ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ يُحَدُّ، وَلَا آخِرُ لَهُ يُؤْمَدُ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَلِحَيَاتِهِ أَوَّلٌ مَحْدُودٌ وَآخِرٌ مَمْدُودٌ، يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ أَمَدِهَا وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ غَايَتِهَا.
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿الْحَيُّ﴾ [البقرة: 255] «حَيٌّ لَا يَمُوتُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ حَيًّا لِصَرْفِهِ الْأُمُورَ مَصَارِفَهَا وَتَقْدِيرِهِ الْأَشْيَاءَ مَقَادِيرَهَا، فَهُوَ حَيُّ بِالتَّدْبِيرِ لَا بِحَيَاةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ حَيُّ بِحَيَاةٍ هِيَ لَهُ صِفَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ اسْمٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ تَسَمَّى بِهِ، فَقُلْنَاهُ تَسْلِيمًا لَأَمْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] فَإِنَّهُ «الْفَيْعُولُ» مِنَ الْقِيَامِ، وَأَصْلُهُ «الْقَيْوُومُ» سَبَقَ عَيْنَ الْفِعْلِ وَهِيَ وَاوٌ يَاءٌ سَاكِنَةٌ فَأُدْغِمَتَا فَصَارَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً؛ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ وَاو كَانَتْ لِلْفِعْلِ عَيْنًا سَبَقَتْهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] الْقَائِمُ بِرِزْقِ مَا خَلَقَ وَحِفْظِهِ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ: [البحر الرجز] لَمْ يُخْلَقِ السَّمَاءُ وَالنُّجُومُ ... وَالشَّمْسُ مَعْهَا قَمَرٌ يَقُومُ

قَدَّرَهُ الْمُهَيْمِنُ الْقَيُّومُ ... وَالْحَشْرُ وَالْجَنَّةُ وَالْجَحِيمُ إِلَّا لِأَمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: «الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] «قَيِّمُ كُلِّ شَيْءٍ، يَكْلَؤُهُ وَيَرْزُقُهُ وَيَحْفَظُهُ»

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] «وَهُوَ الْقَائِمُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ

الضَّحَّاكِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: «الْقَائِمُ الدَّائِمُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: 255] لَا يَأْخُذُهُ نُعَاسٌ فَيَنْعَسُ، وَلَا نَوْمٌ فَيُسْتَثْقَلُ نَوْمًا، وَالْوَسَنُ: خُثُورَهُ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِّقَاعِ: [البحر الكامل] وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا خُثُورَةُ النَّوْمِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ، قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: [البحر المتقارب] تُعَاطِي الضَّجِيعَ إِذَا أَقْبَلَتْ ... بُعَيْدَ النُّعَاسِ وَقَبْلَ الْوَسَنِ وَقَالَ آخَرُ: [البحر الخفيف] بَاكَرَتْهَا الْأَغْرَابُ فِي سِنَةِ النَّوْ ... مِ فَتَجْرِي خِلَالَ شَوْكِ السَّيَالِ

يَعْنِي عِنْدَ هُبُوبِهَا مِنَ النَّوْمِ وَوَسَنُ النَّوْمِ فِي عَيْنِهَا، يُقَالُ مِنْهُ: وَسَنَ فُلَانٌ فَهُوَ يَوْسَنُ وَسَنًا وَسِنَةً وَهُوَ وَسْنَانُ، إِذَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: " السِّنَةُ: النُّعَاسُ، وَالنَّوْمُ: هُوَ النَّوْمُ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: 255] " السِّنَةُ: النُّعَاسُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: 255] قَالَا: «نَعْسَةٌ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: " السِّنَةُ: الْوَسْنَةُ، وَهُوَ دُونَ النَّوْمِ، وَالنَّوْمُ: الِاسْتِثْقَالُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ

الضَّحَّاكِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] " السِّنَةُ: النُّعَاسُ، وَالنَّوْمُ: الِاسْتِثْقَالُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ سَوَاءً

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] أَمَّا سِنَةٌ: «فَهُوَ رِيحُ النَّوْمِ الَّذِي يَأْخُذُ فِي الْوَجْهِ فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: " السِّنَةُ: الْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ "

حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَافِعٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: «النُّعَاسُ»

جارٍ التحميل