تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] يَقُولُ: قُلْنَ مَا هَذَا إِلَّا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] يَقُولُ: قُلْنَ مَا هَذَا إِلَّا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] قَالَ: قُلْنَ: مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ لِلْنِسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فَهَذَا الَّذِي أَصَابَكُنَّ فِي رُؤْيَتِكُنَّ إِيَّاهُ، وَفِي نَظْرَةٍ مِنْكُنَّ نَظَرْتُنَّ إِلَيْهِ

مَا أَصَابَكُنَّ مِنْ ذَهَابِ الْعَقْلِ وَغُرُوبِ الْفَهْمِ، وَلَهًا إِلَيْهِ حَتَّى قَطَّعْتُنَّ أَيْدِيَكُنَّ، هُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِي حِبِّي إِيَّاهُ، وَشَغَفُ فُؤَادِي بِهِ، فَقُلْتُنَّ: قَدْ شَغَفَ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فَتَاهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
ثُمَّ أَقَرَّتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا قَدْ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الَّذِي تَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْهَا فِي أَمْرِهِ حَقٌّ، فَقَالَتْ: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32] مِمَّا رَاوَدْتُهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32] : تَقُولُ: بَعْدَ مَا حَلَّ السَّرَاوِيلَ اسْتَعْصَى، لَا أَدْرِي مَا بَدَا لَهُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32] : أَيْ فَاسْتَعْصَى "

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: 32] يَقُولُ: فَامْتَنَعَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32] تَقُولُ: وَلَئِنْ لَمْ يُطَاوِعْنِي عَلَى مَا أَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ حَاجَتِي إِلَيْهِ ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: 32] ، تَقُولُ: لَيُحْبَسَنَّ فِي السِّجْنِ، وَلَيَكُونًا مِنْ أَهْلِ الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ بِالْحَبْسِ وَالسِّجْنِ، وَلَأَهِينَنَّهُ.
وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: 32] بِالنُّونِ لِأَنَّهَا مُشَدَّدَةٌ، كَمَا قِيلَ:

﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَيَكُونًا﴾ [يوسف: 32] فَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ بِالْأَلِفِ؛ لِأَنَّهَا النُّونُ الْخَفِيفَةُ،

وَهِيَ شَبِيهَةُ نُونِ الْإِعْرَابِ فِي الْأَسْمَاءِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَكَ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى الرَّجُلِ قِيلَ: رَأَيْتُ رَجُلًا، فَصَارَتِ النُّونُ أَلِفًا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي: ﴿وَلَيَكُونًا﴾ [يوسف: 32] ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ﴾ [العلق: 16] الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِالْأَلِفِ لِمَا ذَكَرْتُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر الطويل] وَصَلِّ عَلَى حِينِ الْعَشِيَّاتِ وَالضُّحَى ... وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا وَإِنَّمَا هُوَ: «فَاعَبُدَنْ» ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَفَ عَلَيْهِ كَانَ الْوَقْفُ بِالْأَلِفِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ قَدْ عَاوَدَتْ يُوسُفَ فِي الْمُرَاوَدَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ وَالْحَبْسِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ السِّجْنَ

عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَاوَدَتْهُ وَتَوَعَّدَتْهُ بِذَلِكَ، كَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُولَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33] وَهُوَ لَا يُدْعَى إِلَى شَيْءٍ وَلَا يُخَوَّفُ بِحَبْسٍ.
وَالسِّجْنُ هُوَ الْحَبْسُ نَفْسُهُ، وَهُوَ بَيْتُ الْحَبْسِ.
وَبِكَسْرِ السِّينِ قَرَأَهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ كُلُّهَا، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْأَمَاكِنَ الْمُشْتَقَّةِ مِنَ الْأَفْعَالِ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ فَتَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلِعًا، وَغَرَبَتْ مَغْرِبًا، فَيَجْعَلُونَهَا وَهِيَ أَسْمَاءُ خَلَفًا مِنَ الْمَصَادِرِ، فَكَذَلِكَ السِّجْنُ، فَإِذَا فُتِحَتِ السِّينُ مِنَ السِّجْنِ كَانَ مَصْدَرًا

صَحِيحًا.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ: «السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» بِفَتْحِ السِّينِ.
وَلَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: قَالَ يُوسُفُ: يَا رَبِّ الْحَبْسُ فِي السِّجْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِكَ وَيُرَاوِدْنَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33] : مِنَ الزِّنَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " قَالَ يُوسُفُ، وَأَضَافَ إِلَى رَبِّهِ وَاسْتَعَانَهُ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33] : أَيِ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ مَا تَكْرُهُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33] يَقُولُ: وَإِنْ لَمْ تَدْفَعْ عَنِّي يَا رَبِّ فِعْلَهُنَّ الَّذِي يَفْعَلْنَ بِي فِي مُرَاوَدَتِهِنَّ إِيَّايَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33] ، يَقُولُ: أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ، وَأُتَابِعُهُنَّ عَلَى مَا يُرِدْنَ مِنِّي، وَيَهْوِينَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَبَا فُلَانٌ

إِلَى كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33] يَقُولُ: أُتَابِعْهُنَّ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: 33] : أَيْ مَا أَتَخَوَّفُ مِنْهُنَّ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33] "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33] قَالَ: إِلَّا يَكُنْ مِنْكَ أَنْتَ الْعَوْنُ وَالْمَنْعَةُ، لَا يَكُنُ مِنِّي وَلَا عِنْدِي "

جارٍ التحميل