وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: 41] يَقُولُ: فَلَنْ تُطِيقَ أَنْ تُدْرِكَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتِكَ بَعْدَ غَوْرِهِ، بِطَلَبِكَ إِيَّاهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: كَانَ خَازِنَ الْجِنَانِ فَسُمِّيَ بِالْجِنَانِ
حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ خَزَنَةِ الْجَنَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] يَقُولُ: فَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَعَدَلَ عَنْهُ وَمَالَ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ: [البحر الرجز]
يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرَا ... فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا
يَعْنِي بِالْفَوَاسِقِ: الْإِبِلَ الْمُنْعَدِلَةَ عَنْ قَصْدِ نَجْدٍ، وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ فِي الدِّينِ إِنَّمَا هُوَ الِانْعِدَالُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ.
وَيُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِنْ قِشْرِهَا: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ، وَفَسَقَتِ الْفَأْرَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ جُحْرِهَا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] لِأَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أَمْرَ اللَّهِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أُتْخِمْتُ عَنِ الطَّعَامِ، بِمَعْنَى: أُتْخِمْتُ لَمَّا أَكَلْتُهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: عَدَلَ وَجَارَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَخَرَجَ عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: مَعْنَى الْفِسْقِ: الِاتِّسَاعُ.
وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: فِسْقٌ فِي النَّفَقَةِ: بِمَعْنَى اتَّسَعَ فِيهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفَاسِقُ فَاسِقًا، لِاتِّسَاعِهِ فِي مَحَارِمِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، ح، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: فِي السُّجُودِ لِآدَمَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: عَصَى فِي السُّجُودِ لِآدَمَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَتُوَالُونَ يَا بَنِي آدَمَ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَلَى أَبِيكُمْ وَحَسَدَهُ، وَكَفَرَ نِعْمَتِي عَلَيْهِ، وَغَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِ عَيْشِهِ فِيهَا إِلَى الْأَرْضِ وَضَيَّقَ الْعَيْشَ فِيهَا، وَتُطِيعُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَعَ عَدَوَاتِهِ لَكُمْ قَدِيمًا
وَحَدِيثًا، وَتَتْرُكُونَ طَاعَةَ رَبِّكِمُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَأَكْرَمَكُمْ، بِأَنْ أَسْجَدَ لِوَالِدِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّاتِهِ، وَآتَاكُمْ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ، وَذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ: الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ يُغْرُونَ بَنِي آدَمَ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: 50] قَالَ: ذُرِّيَّتُهُ: هُمُ الشَّيَاطِينُ، وَكَانَ يُعِدُّهُمْ «زلنبور» صَاحِبُ الْأَسْوَاقِ وَيَضَعُ رَايَتَهُ فِي كُلِّ سُوقٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَ «ثبر» صَاحِبُ الْمَصَائِبِ، وَ «الْأَعْوَرُ» صَاحِبُ الزِّنَا وَ «مَسُوطُ» صَاحِبُ الْأَخْبَارِ يَأْتِي بِهَا فَيُلْقِيهَا فِي أَفْوَاهِ النَّاسِ، وَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَصْلًا، وَ «دَاسَمَ» الَّذِي إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ بَصَرَهُ مِنَ الْمَتَاعِ مَا لَمْ يَرْفَعْ، وَإِذَا أَكَلَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ أَكَلَ مَعَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، يَقُولُ: إِذَا دَخَلْتُ الْبَيْتَ وَلَمْ أُسَلِّمْ، رَأَيْتُ مَطْهَرَةً، فَقُلْتُ: ارْفَعُوا ارْفَعُوا، وَخَاصَمْتُهُمْ، ثُمَّ أَذْكُرُ فَأَقُولُ: دَاسِمُ دَاسِمُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: هُمْ أَرْبَعَةٌ ثَبْرُ، وَدَاسَمُ، وَزَلَنْبُورُ، وَالْأَعْوَرُ، وَمَسُوطُ: أَحَدُهَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: 50] . . الْآيَةَ، وَهُمْ يَتَوَالَدُونَ كَمَا تَتَوَالَدُ بَنُو آدَمَ، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] وَهُوَ أَبُو الْجِنِّ كَمَا آدَمُ أَبُو الْإِنْسِ وَقَالَ: قَالَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ: إِنِّي لَا أَذْرَأُ لِآدَمَ ذُرِّيَّةً إِلَّا ذَرَأْتُ لَكَ مِثْلَهَا، فَلَيْسَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ شَيْطَانٌ قَدْ قُرِنَ بِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: بِئْسَ الْبَدَلُ لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ اتِّخَاذُ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ مَنْ تَرَكَهُمُ اتِّخَاذَ اللَّهِ وَلِيًّا بِاتِّبَاعِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِمْ آدَمَ مِنْ قَبْلِهِمْ، الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَوَاضِلِ مَا لَا يُحْصَى بَدَلًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50] بِئْسَمَا اسْتَبْدَلُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ إِذْ أَطَاعُوا إِبْلِيسَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: مَا أَشْهَدْتُ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ ﴿خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: مَا أَحْضَرْتُهُمْ ذَلِكَ فَأَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى خَلْقِهَا ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51] يَقُولُ: وَلَا أَشْهَدْتُ بَعْضَهُمْ أَيْضًا خَلْقَ بَعْضٍ مِنْهُمْ،
فَأَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، بَلْ تَفَرَّدْتُ بِخَلْقِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ مُعِينٍ وَلَا ظَهِيرٍ، يَقُولُ: فَكَيْفَ اتَّخَذُوا عَدُوَّهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقٍ أَمْثَالِهِمْ، وَتَرَكُوا عِبَادَتِي وَأَنَا الْمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافِهِمْ، وَخَالِقِهِمْ وَخَالِقِ مَنْ يُوَالُونَهُ مِنْ دُونِي مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُعِينٍ وَلَا ظَهِيرٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51] يَقُولُ: وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ مَنْ لَا يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، وَلَكِنَّهُ يَضِلُّ، فَمَنْ تَبِعَهُ يَجُورُ بِهِ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يُعَضِّدُ فُلَانًا إِذَا كَانَ يُقَوِّيهِ وَيُعِينُهُ.
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51] أَيْ أَعْوَانًا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ يُضِلُّونَ بَنِي آدَمَ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يُهْدُونَهُمْ لِلرُّشْدِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِالْمُضِلِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَتْبَاعٌ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَأَصْحَابٌ عَلَى غَيْرِ هُدًى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: 53] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ [الأنعام: 73] اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: 52] يَقُولُ لَهُمُ: ادْعُوا الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ شُرَكَائِي فِي الْعِبَادَةِ لِيَنْصُرُوكُمْ وَيَمْنَعُوكُمْ مِنِّي ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: 52] يَقُولُ: فَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغِيثُوهُمْ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَجَعَلْنَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ شُرَكَاءَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَئِذٍ عَدَاوَةً
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: جَعَلَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: عَدَاوَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: وَجَعَلْنَا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ لَهُمْ مَهْلِكًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: مَهْلِكًا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: هَلَاكًا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: الْمَوْبِقُ: الْمَهْلِكُ، الَّذِي أَهْلَكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهِ، أَوْبَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَقَرَأَ ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]
حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، ﴿مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ:
هَلَاكًا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَرْفَجَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: مَهْلِكًا وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْمُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو الْبِكَالِيِّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: وَادٍ عَمِيقٌ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَأَهْلِ الْهُدَى، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَهْلِ النَّارِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَمْرًا الْبِكَالِيَّ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: هُوَ وَادٍ عَمِيقٍ فُرِّقَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلَالَةِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: وَادِيًا فِي النَّارِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى ح، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ دِرْهَمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: 52] قَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمَوْبِقِ: أَنَّهُ الْمَهْلِكُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي كَلَامِهَا: قَدْ أَوْبَقْتُ فُلَانًا: إِذَا أَهْلَكْتُهُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: 34] بِمَعْنَى: يُهْلِكُهُنَّ.
وَيُقَالُ لِلْمُهْلِكِ نَفْسَهُ: قَدْ وَبَقَ فُلَانٌ فَهُوَ يُوبِقُ وَبْقًا.
وَلغةُ بَنِي عَامِرٍ: يَابِقُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَحُكِيَ عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهَا تَقُولُ: يَبِيقُ، وَقَدْ حُكِيَ وَبَقَ يَبِقَ وُبُوقًا، حَكَاهَا الْكِسَائِيُّ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: الْمَوْبِقُ: الْوَعْدُ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
وَحَادَ شَرَوْرَى فَالسَّتَارَ فَلَمْ يَدَعْ ... تِعَارًا لَهُ وَالْوَادِيَيْنِ بِمَوْبِقِ
وَيَتَأَوَّلُهُ بِمَوْعِدٍ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَهْلِكُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، هُوَ الْوَادِي الَّذِي ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي قَالَهَا الْحَسَنُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: 53] يَقُولُ: وَعَايَنَ الْمُشْرِكُونَ النَّارَ يَوْمَئِذٍ ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53] يَقُولُ: فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ دَاخِلُوهَا، كَمَا:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53] قَالَ: عَلِمُوا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْكَافِرَ يَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: 53] يَقُولُ: وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ الَّتِي رَأَوْا مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ عَنْهَا إِلَيْهِ.
يَقُولُ: لَمْ يَجِدُوا مِنْ مُوَاقَعَتِهَا بُدًّا، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
وَمِنَ الْمَصْرِفِ بِمَعْنَى الْمَعْدِلِ قَوْلُ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ:
[البحر الكامل]
أَزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَصْرِفِ ... أَمْ لَا خُلُودَ لِبَاذِلٍ مُتَكَلِّفِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ مَثَّلْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، وَوَعْظَنَاهُمْ فِيهِ مِنْ كُلِّ عِظَةٍ، وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ بِكُلِّ حُجَّةٍ لِيَتَذَكَّرُوا فَيُنِيبُوا، وَيَعْتَبِرُوا فَيَتَّعِظُوا،
وَيَنْزَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54] يَقُولُ: وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ مِرَاءً وَخُصُومَةً، لَا يُنِيبُ لَحِقٍّ، وَلَا يَنْزَجِرُ لِمَوْعِظَةٍ، كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54] قَالَ: الْجَدَلُ: الْخُصُومَةُ، خُصُومَةُ الْقَوْمِ لِأَنْبِيَائِهِمْ، وَرَدُّهُمْ عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوا بِهِ.
وَقَرَأَ: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33] وَقَرَأَ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: 24] وَقَرَأَ: ﴿حَتَّى تُوَفَّى﴾ . . الْآيَةَ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] . . الْآيَةَ، وَقَرَأَ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: 14] قَالَ: هُمْ لَيْسَ أَنْتَ ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: 15]