تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: اجْعَلْنَا أئِمَّةً يَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: اجْعَلْنَا أئِمَّةً يَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثني عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] يَقُولُ: أئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا "

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلَهُ: " ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] أئِمَّةَ التَّقْوَى وَلِأَهْلِهِ يُقْتَدَى بِنَا "

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " كَمَا قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا: نَأْتَمُّ بِهِمْ , وَيَأْتَمُّ بِنَا مَنْ بَعْدَنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] أَئِمَّةً نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا , وَنَكُونُ أَئِمَّةً لِمَنْ بَعْدَنَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] قَالَ: اجْعَلْنَا مُؤْتَمِّينَ بِهِمْ , مُقْتَدِينَ بِهِمْ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ مَعَاصِيكَ , وَيَخَافُونَ عِقَابُكَ إِمَامًا يَأْتَمُّونَ بِنَا فِي الْخَيْرَاتِ , لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَجْعَلَهُمْ لِلْمُتَّقِينَ أَئِمَّةً , وَلَمْ يَسْأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُتَّقِينَ لَهُمْ إِمَامًا , وَقَالَ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] وَلَمْ يَقُلْ أَئِمَّةً.
وَقَدْ قَالُوا: وَاجْعَلْنَا وَهُمْ جَمَاعَةٌ , لِأَنَّ الْإِمَامَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَمَّ فُلَانٌ فُلَانًا إِمَامًا , كَمَا يُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ قِيَامًا , وَصَامَ يَوْمَ كَذَا صِيَامًا.
وَمَنْ جَمَعَ الْإِمَامَ أَئِمَّةً جَعَلَ الْإِمَامَ اسْمًا , كَمَا يُقَالُ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ إِمَامٌ , وَأَئِمَّةٌ لِلنَّاسِ.
فَمَنْ وَحَّدَ قَالَ: يَأْتَمُّ بِهِمُ النَّاسُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: الْإِمَامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] جَمَاعَةٌ , كَمَا تَقُولُ: كُلُّهُمْ عُدُولٌ.
قَالَ: وَيَكُونُ عَلَى الْحِكَايَةَ , كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ أَمِيرُكُمْ: هَؤُلَاءِ أَمِيرُنَا.
وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل]

يَا عَاذِلَاتِي لَا تُرِدْنَ مَلَامَتِي ... إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَسْنَ لِي بِأَمِيرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا، وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ مِنْ عِبَادِي , وَذَلِكَ مِنَ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾

[الفرقان: 74] . . الْآيَةَ ﴿يُجْزَوْنَ﴾ [الأعراف: 147] يَقُولُ: يُثَابُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي فَعَلُوهَا فِي الدُّنْيَا ﴿الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: 75] وَهِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الْجَنَّةِ رَفِيعَةٌ ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: 137] يَقُولُ: بِصَبْرِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ , وَمُقَاسَاةِ شِدَّتِهَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَتِهِ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ [الفرقان: 75] مَضْمُومَةَ الْيَاءِ , مُشَدَّدَةَ الْقَافِ , بِمَعْنَى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فِيهَا بِالتَحِيَّةِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (وَيَلْقَوْنَ) ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ

الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ , بِمَعْنًى وَاحِدٍ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ , غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا (وَيَلْقَوْنَ) فِيهَا، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ , لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا قَالَتْ ذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ قَالَتْ: فُلَانٌ يُتَلَقَّى بِالسَّلَامِ وَبِالْخَيْرِ , وَنَحْنُ نَتَلَقَّاهُمْ بِالسَّلَامِ , قَرَنَتْهُ بِالْيَاءِ , وَقَلَّمَا

تَقُولُ: فُلَانٌ يُلَقَّى السَّلَامَ , فَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ لَوْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ أَنْ يُقَالَ: وَيُتَلَقَّوْنَ فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقِرَاءَةَ بِذَلِكَ كَمَا تُجِيزُ: أَخَذْتُ بِالْخِطَامِ , وَأَخَذْتُ الْخِطَامَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ , فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا.
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا , خَالِدِينَ فِي الْغُرْفَةِ , يَعْنِي أَنَّهُمْ مَاكِثُونَ فِيهَا , لَابِثُونَ إِلَى غَيْرِ أَمَدٍ , حَسُنَتْ تِلْكَ الْغُرْفَةُ قَرَارًا

لَهُمْ وَمُقَامًا.
يَقُولُ: وَإِقَامَةً

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: 77] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِمْ: أَيَّ شَيْءٍ يَعِدُكُمْ , وَأَيَّ شَيْءٍ يَصْنَعُ بِكُمْ رَبِّي؟ يُقَالُ مِنْهُ: عَبَأْتُ بِهِ أَعْبَأُ عَبْئًا , وَعَبَأْتُ الطِّيبَ أَعْبَؤُهُ: إِذَا هَيَّأْتُهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] كَأَنَّ بِنَحْرِهِ وَبِمَنْكِبَيْهِ ... عَبِيرًا بَاتَ يَعْبَؤُهُ عَرُوسُ يَقُولُ: يُهَيِّئُهُ وَيَعْمَلُهُ يَعْبَؤُهُ عَبًا وَعُبُوءًا , وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: عَبَأْتُ الْجَيْشَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فَأَنَا أَعْبَؤُهُ: أُهَيِّئُهُ.
وَالْعِبْءُ: الثِّقَلُ.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: 77] يَصْنَعُ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: 77] قَالَ: يَعْبَأُ: يَفْعَلُ "

جارٍ التحميل