تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 135-138

سُورَةُ الْأَحْقَافِ

صفحات 135-138
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأحقاف: 12] يَقُولُ: لِيُنْذِرَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ بِعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: 12] يَقُولُ: وَهُوَ بُشْرَى لِلَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ فَأَحْسَنُوا فِي إِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا، فَحَسُنَ الْجَزَاءُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَبُشْرَى﴾ [البقرة: 97] وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْكِتَابِ بِمَعْنَى: وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ

وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَيُبَشِّرَ، فَإِذَا جُعِلَ مَكَانَ يُبَشِّرُ وَبُشْرَى أَوْ وَبِشَارَةٌ، نَصَبْتَ كَمَا تَقُولُ أَتَيْتُكَ لِأَزُورَكَ وَكَرَامَةً لَكَ، وَقَضَاءً لِحَقِّكَ، بِمَعْنَى لِأَزُورَكَ وَأُكْرِمَكَ، وَأَقْضِيَ حَقَّكَ، فَتَنْصِبُ الْكَرَامَةَ وَالْقَضَاءَ بِمَعْنًى مُضْمَرٍ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ [الكهف: 2] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ (لِتُنْذِرَ) بِالتَّاءِ بِمَعْنَى: لِتُنْذِرَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ بِالْيَاءِ بِمَعْنَى: لِيُنْذِرَ الْكِتَابُ، وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: 30] الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] عَلَى تَصْدِيقِهِمْ بِذَلِكَ فَلَمْ يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ،

وَلَمْ يُخَالِفُوا اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهِ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ، وَاسْتَقَامُوا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَسُكَّانُهَا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17] يَقُولُ: ثَوَابًا مِنَّا لَهُمْ آتَيْنَاهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ الَّتِي كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَصَّيْنَا ابْنَ آدَمَ بِوَالِدَيْهِ الْحُسْنَ فِي صُحْبَتِهِ إِيَّاهُمَا أَيَّامَ حَيَاتِهِمَا، وَالْبِرَّ بِهِمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] فَقَرَأُتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ (حُسْنًا) بِضَمِّ الْحَاءِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي وَصَفْتُ

وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] بِالْأَلْفِ، بِمَعْنَى: وَوَصَّيْنَاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ، وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الْقُرَّاءِ

وَقَوْلُهُ: ﴿حَمَلْتَهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعْتُهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا بِرًّا بِهِمَا، لِمَا كَانَ مِنْهُمَا إِلَيْهِ حَمْلًا وَوَلِيدًا وَنَاشِئًا، ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا لَدَيْهِ مِنْ نِعْمَةِ أُمِّهِ، وَمَا لَاقَتْ مِنْهُ فِي حَالِ حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ، وَنَبَّهَهُ عَلَى الْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ، وَاسْتِحْقَاقِهَا

عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ، فَقَالَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ [لقمان: 14] يَعْنِي فِي بَطْنِهَا كُرْهًا، يَعْنِي مَشَقَّةً، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] يَقُولُ: وَوَلَدَتْهُ كُرْهًا يَعْنِي مَشَقَّةً

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] يَقُولُ: «حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً، وَوَضَعَتْهُ مَشَقَّةً»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] قَالَا: «حَمَلَتْهُ فِي مَشَقَّةٍ، وَوَضَعَتْهُ فِي مَشَقَّةٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15] قَالَ: «مَشَقَّةً عَلَيْهَا» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿كُرْهًا﴾ [النساء: 19] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ

وَالْبَصْرَةِ (كَرْهًا) بِفَتْحِ الْكَافِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿كُرْهًا﴾ [النساء: 19] بِضَمِّهَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ قَبْلُ إِذَا فُتِحَ وَإِذَا ضُمَّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحَمْلُ أُمِّهِ إِيَّاهُ جَنِينًا فِي بَطْنِهَا، وَفِصَالُهَا إِيَّاهُ مِنَ الرَّضَاعِ، وَفَطْمِهَا إِيَّاهُ، شُرْبَ اللَّبَنِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَفِصَالُهُ﴾ [لقمان: 14] ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ [الأحقاف: 15] بِمَعْنَى:

فَاصَلَتْهُ أُمُّهُ فِصَالًا وَمُفَاصَلَةً وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ: (وَحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ بِغَيْرِ أَلْفٍ، بِمَعْنَى: وَفَصْلُ أُمِّهِ إِيَّاهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ

جارٍ التحميل