وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6] يَقُولُ: وَصَيَّرْنَاكُمْ أَكْثَرَ عَدَدٍ نَافِرٍ مِنْهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا (وَيُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) قَالَ: يَزِيدُ: يَعْنِي يُخْرِجُ الطَّائِرُ كِتَابًا هَكَذَا أَحْسِبُهُ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ مُحَيْصِنٍ , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى: وَيَخْرُجُ لَهُ الطَّائِرُ الَّذِي أَلْزَمْنَاهُ عُنُقَ الْإِنْسَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةَ فَيَصِيرُ كِتَابًا يَقْرَؤُهُ مَنْشُورًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (وَيُخْرَجُ لَهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى مُذْهِبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَيُخْرَجُ لَهُ الطَّائِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا، يُرِيدُ: وَيُخْرِجُ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرَ قَدْ صَيَّرَهُ كِتَابًا، إِلَّا أَنَّهُ نَحَّاهُ نَحْوَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلَهُ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿وَنُخْرِجُ﴾ [الإسراء: 13] بِالنُّونِ وَضَمِّهَا ﴿لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13] بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي أَلْزَمَ خَلْقَهُ مَا أَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَلِيهِ خَبَرًا عَنْهُ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَكُونَ بِالنُّونِ كَمَا كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنُّونِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَلْقَاهُ﴾ [الإسراء: 13] فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ الْحُجَّةُ الْكَافِيَةُ لَنَا عَلَى تَقَارُبِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ: أَعِنِّي ضَمَّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا فِي
ذَلِكَ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ مَا اخْتَرْنَا بِالَّذِي عَلَيْهِ دَلَّلْنَا، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَكُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي آدَمَ، أَلْزَمْنَاهُ نَحْسَهُ وَسَعْدَهُ وَشَقَاءَهُ وَسَعَادَتَهُ، بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِنَا أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَعَامِلٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي عُنُقِهِ، فَلَا يُجَاوِزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ مَا قَضَيْنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَمَا كَتَبْنَا لَهُ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُخْرِجُ لَهُ إِذَا وَافَانَا كِتَابًا يُصَادِفُهُ مَنْشُورًا بِأَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا، وَبِطَائِرِهِ الَّذِي كَتَبْنَا لَهُ، وَأَلْزَمْنَاهُ إِيَّاهُ فِي عُنُقِهِ، قَدْ أَحْصَى عَلَيْهِ رَبَّهُ فِيهِ كُلَّ مَا سَلَفَ فِي الدُّنْيَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13] قَالَ: هُوَ عَمَلُهُ الَّذِي عَمِلَ أُحْصِيَ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ يَلْقَاهُ مَنْشُورًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13] أَيْ عَمَلُهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13] قَالَ: عَمَلُهُ ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ [الإسراء: 13] قَالَ: نُخْرِجُ ذَلِكَ
الْعَمَلَ ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورَا﴾ [الإسراء: 13] قَالَ مَعْمَرٌ: وَتَلَا الْحَسَنُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17] يَا ابْنَ آدَمَ بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَتَكَ، وَوُكِّلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ.
فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ.
وَأَمَّا الَّذِي عَنْ شِمَالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ، فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طَوَيْتُ صَحِيفَتَكَ، فَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] قَدْ عَدَلَ وَاللَّهِ عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: طَائِرَهُ: عَمَلُهُ، وَنُخْرِجُ لَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13] : أَيْ حَظُّهُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: طَارَ سَهْمُ فُلَانٍ بِكَذَا: إِذَا خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى نَصِيبٍ مِنَ الْأَنْصِبَاءِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتَجَاوَزَ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مَا قَالُوهُ إِلَى غَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ، إِنْ كَانَ عَنَى بِقَوْلِهِ حَظَّهُ مِنَ الْعَمَلِ وَالشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13] فَيُقَالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] فَتَرَكَ ذِكْرَ قَوْلِهِ: فَنَقُولُ لَهُ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾
[الإسراء: 14] اقْرَأْ كِتَابَ عَمَلِكَ الَّذِي عَمِلْتَهُ فِي الدُّنْيَا، الَّذِي كَانَ كَاتَبَانَا يَكْتُبَانِهِ، وَنُحْصِيهِ عَلَيْكَ ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] يَقُولُ: حَسْبُكَ الْيَوْمَ نَفْسُكَ عَلَيْكَ حَاسِبًا يَحْسِبُ عَلَيْكَ أَعْمَالَكَ، فَيُحْصِيهَا عَلَيْكَ، لَا نَبْتَغِي عَلَيْكَ شَاهِدًا غَيْرَهَا، وَلَا نَطْلُبُ عَلَيْكَ مُحْصِيًا سِوَاهَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا فِي الدُّنْيَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ فَاتَّبَعَهُ، وَذَلِكَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: فَلَيْسَ يَنْفَعُ بِلُزُومِهِ الِاسْتِقَامَةَ وَإِيمَانِهِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: وَمَنْ جَارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، فَأَخَذَ عَلَى غَيْرِ هُدًى، وَكَفَرَ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ، فَلَيْسَ يَضُرُّ بِضَلَالِهِ وَجَوْرِهِ عَنِ الْهُدَى غَيْرَ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ لَهَا بِذَلِكَ غَضَبَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عَذَابِهِ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: 108] فَإِنَّمَا
يَكْسِبُ إِثْمَ ضَلَالِهِ عَلَيْهَا لَا عَلَى غَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَحْمِلُ حَامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرَى غَيْرَهَا مِنَ الْآثَامِ.
وَقَالَ: ﴿وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] لِأَنَّ مَعْنَاهَا: وَلَا تَزِرُ نَفْسٌ وَازِرَةٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرَى.
يُقَالُ مِنْهُ: وَزَرْتُ كَذَا أَزِرُهُ وِزْرًا، وَالْوِزْرُ: هُوَ الْإِثْمُ، يَجْمَعُ أَوْزَارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّا حَمَلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: 87] وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ أُخْرَى، وَلَكِنْ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ إِثْمُهَا دُونَ إِثْمِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْفُسِ، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] وَاللَّهِ مَا يَحْمِلُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ ذَنْبَ غَيْرِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ إِلَّا بِعَمَلِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي قَوْمٍ إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ بِالرُّسُلِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْآيَاتِ الَّتِي تَقْطَعُ عُذْرَهُمْ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ يُعَذِّبُ أَحَدًا حَتَّى يَسْبِقَ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ خَبَرًا، أَوْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ بَيِّنَةٌ، وَلَيْسَ مُعَذِّبًا أَحَدًا إِلَّا بِذَنَبِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةَ، جَمَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَسَمَ
الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهُ وَالْأَصَمُّ وَالْأَبْكَمُ، وَالشُّيُوخُ الَّذِينَ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ خَرَفُوا، ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولًا، أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، فَيَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَمْ يَأْتِنَا رَسُولٌ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا، ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ، فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ قَبْلُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ﴿أَمَرْنَا﴾ [آل عمران: 147] بِقَصْرِ الْأَلِفِ وَغَيْرِ مِدِّهَا وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا.
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ،
فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ تَأْوِيلِهِ: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ، فَفَسَقُوا فِيهَا بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ، وَخِلَافِهِمْ أَمْرَهُ، كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] قَالَ: بِطَاعَةِ اللَّهِ، فَعَصَوْا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سَلَمَةَ، أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرْنَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ فَفَسَقُوا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: هُوَ أَمِيرٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قَدْ يَتَوَجَّهُ مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَى مَعْنَى أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا، وَيُحْتَجُّ لِتَصْحِيحِهِ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْمَالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أَوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» وَيَقُولُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَأْمُورَةٌ: كَثِيرَةُ النَّسْلِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ، وَلَا يُجِيزُنَا أَمَرْنَا، بِمَعْنَى أَكْثَرْنَا إِلَّا بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا.
وَيَقُولُ فِي قَوْلِهِ «مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ» : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِمَجِيءِ مَأْبُورَةٌ بَعْدَهَا، كَمَا قِيلَ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» فَهَمَزَ مَأْزُورَاتٍ لِهَمْزِ مَأْجُورَاتٍ، وَهِيَ مِنْ وَزَرْتُ إِتْبَاعًا لِبَعْضِ الْكَلَامِ بَعْضًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو عُثْمَانَ «أَمَّرْنَا» بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى الْإِمَارَةِ
حَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّهُ قَرَأَ «أَمَّرْنَا» مُشَدَّدَةً مِنَ الْإِمَارَةِ وَقَدْ تَأَوَّلَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] يَقُولُ: سَلَّطْنَا أَشْرَارَهَا فَعَصَوْا فِيهَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْعَذَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: 123]
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْكِسَائِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا: «أَمَّرْنَا» وَقَالَ: سَلَّطْنَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: «أَمَّرْنَا» مُثَقَّلَةً: جَعَلْنَا عَلَيْهَا مُتْرَفِيهَا: مُسْتَكْبِرِيهَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي
قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ «أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» ﴾ [الإسراء: 16] قَالَ: بَعَثْنَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ (آمَرْنَا) بِمَدِّ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا، بِمَعْنَى: أَكْثَرْنَا فَسَقَتَهَا.
وَقَدْ وَجَّهَ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَرْفِ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِينَ حَدَّثُونَا لَمْ يُمَيِّزُوا لَنَا اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ قَرَأَ ذَلِكَ الْمُتَأَوِّلُونَ، إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ
ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلِهِ: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ، قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا» يَقُولُ: أَكْثَرْنَا عَدَدَهُمْ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: «أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا» قَالَ: أَكْثَرْنَاهُمْ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] قَالَ: أَكْثَرْنَاهُمْ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] يَقُولُ: أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أَيْ كُبَرَاءَهَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَا: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: 16] يَقُولُ: أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أَيْ جَبَابِرَتَهَا، فَفَسَقُوا فِيهَا وَعَمِلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16] وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ صَلَاحًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُصْلِحًا.
وَإِذَا أَرَادَ بِهِمْ فَسَادًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُفْسِدًا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَهَا أَكْثَرَ مُتْرَفِيهَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] قَالَ: أَكْثَرْنَاهُمْ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى زَيْنَبَ وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا» وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16] قَالَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَمَرْنَا:
أَكْثَرْنَا.
قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ الْكَثِيرِ أَمِرَ لِكَثْرَتِهِ.
فَأَمَّا إِذَا وُصِفَ الْقَوْمُ بِأَنَّهُمْ كَثُرُوا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ، وَأَمِرَ الْقَوْمُ يَأْمَرُونَ أَمَرًا، وَذَلِكَ إِذَا كَثُرُوا وَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر المنسرح]
إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمَرُوا ... يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ وَالنَّفَدِ
وَالْأَمْرُ الْمَصْدَرُ، وَالِاسْمُ الْإِمْرُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71] قَالَ: عَظِيمًا، وَحُكِيَ فِي مِثْلِ شَرِّ إِمْرٌ: أَيْ كَثِيرٌ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةً مَنْ قَرَأَ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16] بِقَصْرِ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنْهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَوْلَى بِالصَّوَابِ بِالْقِرَاءَةِ، فَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِهِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: أَمَرْنَا أَهْلَهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا وَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعْنَى أَمَرْنَا: الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ النَّهْيِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَوْجِيهِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى الْأَشْهَرِ الْأَعْرَفِ مِنْ مَعَانِيهِ، أَوْلَى مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ مِنْ غَيْرِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16] : فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ فِيهَا، وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: 16] يَقُولُ: فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ وَفُسُوقِهِمْ فِيهَا، وَعِيدَ اللَّهِ الَّذِي أَوْعَدَ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ رُسُلَهُ مِنَ الْهَلَاكِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ بِالرُّسُلِ وَالْحِجَجِ ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16] يَقُولُ: فَخَرَّبْنَاهَا عِنْدَ ذَلِكَ تَخْرِيبًا، وَأَهْلَكْنَا مَنْ
كَانَ فِيهَا مِنْ أَهْلِهَا إِهْلَاكًا، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: [البحر الوافر] وَكَانَ لَهُمْ كَبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّا ... رَغَا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمَارَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17] وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَذِّبِي رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَتَهْدِيدُهُ لَهُمْ بِالْعِقَابِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ
تَكْذِيبِهِمٍ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مُحِلٌّ بِهِمْ سَخَطَهُ، وَمُنْزِلٌ بِهِمْ مِنْ عِقَابِهِ مَا أَنْزَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ سَلَكُوا فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ سَبِيلَهُمْ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَدْ أَهْلَكْنَا أَيُّهَا الْقَوْمُ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ إِلَى زَمَانِكُمْ قُرُونًا كَثِيرَةً كَانُوا مِنْ جُحُودِ آيَاتِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، عَلَى مِثْلِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَسْتُمْ بِأَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ أَحَدٍ وَبَيْنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَيُعَذِّبُ قَوْمًا بِمَا لَا يُعَذِّبُ بِهِ آخَرِينَ، أَوْ يَعْفُو عَنْ ذُنُوبِ نَاسٍ فَيُعَاقِبُ عَلَيْهَا آخَرِينَ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَنِيبُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ بَعَثْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا يُنَبِّهُكُمْ عَلَى حُجَجِنَا عَلَيْكُمْ، وَيُوقِظُكُمْ مِنْ غَفْلَتِكُمْ، وَلَمْ نَكُنْ لِنُعَذِّبَ قَوْمًا حَتَّى نَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حُجَجِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ عَلَى فُسُوقِكُمْ مُقِيمُونَ وَكَفَى بِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا، يَقُولُ: وَحَسْبُكَ يَا مُحَمَّدُ بِاللَّهِ خَابِرًا بِذُنُوبِ خَلْقِهِ عَالِمًا، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ مُشْرِكِي قَوْمِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَا أَفْعَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ هُوَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَالِمٌ خَابِرٌ بَصِيرٌ، يَقُولُ: يُبْصِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَبْلَغِ مُدَّةِ الْقَرْنِ:
فَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: الْقَرْنُ: عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ قَرْنٍ كَانَ وَآخِرُهُمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مِائَةُ سَنَةٍ