وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْخِيَانَةُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا مَنْ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] جُحُودُهُ وَدِيعَةً كَانَ أُودِعَهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] قَالَ: " أَمَّا ﴿مَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ : فَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ؛ قَالَ: نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ , وَاسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ دِرْعًا , فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى دَارِهِ , فَحَفَرَ لَهَا الْيَهُودِيُّ ثُمَّ دَفَنَهَا , فَخَالَفَ إِلَيْهَا طُعْمَةُ فَاحْتَفَرَ عَنْهَا , فَأَخَذَهَا.
فَلَمَّا جَاءَ الْيَهُودِيُّ يَطْلُبُ دِرْعَهُ كَافَرَهُ عَنْهَا , فَانْطَلَقَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ عَشِيرَتِهِ , فَقَالَ: انْطَلِقُوا مَعِي , فَإِنِّي أَعْرِفُ وَضْعَ الدِّرْعِ.
فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ طُعْمَةُ أَخَذَ الدِّرْعَ فَأَلْقَاهَا فِي دَارِ أَبِي مُلَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ , فَلَمَّا جَاءَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُ الدِّرْعَ فَلَمَّا تَقْدِرْ عَلَيْهَا , وَقَعَ بِهِ طُعْمَةُ وَأُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ , فَسَبُّوهُ , وَقَالَ أَتُخَوِّنُونَنِي؟ فَانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهَا فِي دَارِهِ , فَأَشْرَفُوا عَلَى بَيْتِ أَبِي مُلَيْلٍ , فَإِذَا هُمْ بِالدِّرْعِ , وَقَالَ طُعْمَةُ: أَخَذَهَا أَبُو مُلَيْلٍ.
وجَادَلَتِ الْأَنْصَارُ دُونَ طُعْمَةَ وَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ يَنْضَحُ عَنِّي وَيُكَذِّبُ حُجَّةَ الْيَهُودِيِّ , فَإِنِّي إِنْ أُكَذَّبْ كَذَبَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْيَهُودِيُّ.
فأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , جَادِلْ عَنْ طُعْمَةَ وَأَكْذِبِ الْيَهُودِيَّ.
فهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] مِمَّا أَرَدْتَ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 106] ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْصَارَ وَمُجَادَلَتَهُمْ عَنْهُ , فَقَالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيَّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] يَقُولُ: " يَقُولُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ دَعَا إِلَى التَّوْبَةِ , فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ حِينَ قَالَ: أَخَذَهَا أَبُو مُلَيْلٍ , فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111] " ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 112] وَإِثْمًا مُبِينًا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْصَارَ وَإِتْيَانَهُمْ إِيَّاهُ أَنْ يَنْضَحَ عَنْ صَاحِبِهِمْ وَيُجَادِلَ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] يَقُولُ: " النُّبُوَّةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُنَاجَاتِهِمْ فِيمَا يُرِيدُونَ أَنْ يكْذِبُوا عَنْ طُعْمَةَ , فَقَالَ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا فَضَحَ اللَّهُ طُعْمَةَ بِالْمَدِينَةِ بِالْقُرْآنِ , هَرَبَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ , فَكَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
ونَزَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطِ السُّلَمِيِّ , فَنَقَبَ بَيْتَ الْحَجَّاجِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْرِقَهُ , فَسَمِعَ الْحَجَّاجُ خَشْخَشَةً فِي بَيْتِهِ وَقَعْقَعَةَ جُلُودٍ كَانَتْ عِنْدَهُ , فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ بِطُعْمَةَ , فَقَالَ: ضَيْفِي وَابْنُ عَمِّي وَأَرَدْتَ أَنْ تَسْرِقَنِي؟ . فأَخْرَجَهُ فَمَاتَ بِحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ كَافِرًا , وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ [النساء: 115] الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى إِلَى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: اسْتَوْدَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ مَشْرُبَةً لَهُ فِيهَا دِرْعٌ , وَخَرَجَ فَغَابَ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْأَنْصَارِيُّ فَتَحَ مَشْرُبَتَهُ فَلَمْ يَجِدِ الدِّرْعَ , فَسَأَلَ عَنْهَا طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ , فَرَمَى بِهَا رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ يُقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ.
فتَعَلَّقَ صَاحِبُ الدِّرْعِ بِطُعْمَةَ فِي دِرْعِهِ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمُهُ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَلَّمُوهُ لِيَدْرَأَ عَنْهُ فَهَمَّ بِذَلِكَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 106] يَعْنِي طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ وَقَوْمَهُ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمُ طُعْمَةَ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] مُحَمَّدٌ وَطُعْمَةُ وَقَوْمُهُ , قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111] الْآيَةُ , طُعْمَةُ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] يَعْنِي: زَيْدَ بْنَ السَّمِينِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: 113] يَا مُحَمَّدُ ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: 113] قَوْمُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ {وَأَنْزَلَ
اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: 114] حَتَّى تَنْقَضِيَ الْآيَةُ لِلنَّاسِ عَامَّةً ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115] الْآيَةُ.
قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَرَجَعَ فِي دِينِهِ , ثُمَّ عَدَا عَلَى مَشْرُبَةٍ لِلْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطِ الْبَهْزِيِّ ثُمَّ السُّلَمِيِّ حَلِيفٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ , فَنَقَبَهَا , فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَحِجَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ , فَخَرَجَ فَلَقِيَ رَكْبًا مِنْ بُهَرَاءَ مِنْ قُضَاعَةَ , فَعَرَضَ لَهُمْ , فَقَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ بِهِ.
فحَمَلُوهُ حَتَّى إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدَا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ , ثُمَّ انْطَلَقَ فَرَجَعُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ , فَقَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا فِيهِ نَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] أُنْزِلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ , يَقُولُونَ: إِنَّهُ رَمَى بِالدِّرْعِ فِي دَارِ أَبِي مُلَيْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيِّ , فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ , فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , ثنا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] يَقُولُ: " بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْكَ وَأَرَاكَهُ فِي كِتَابِهِ.
ونَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ
الْأَنْصَارِ اسْتُودِعَ دِرْعًا فَجَحَدَ صَاحِبَهَا , فَخَوَّنَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَغَضِبَ لَهُ قَوْمُهُ , وَأَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا: خَوَّنُوا صَاحِبَنَا وَهُوَ أَمِينٌ مُسْلِمٌ , فَاعْذُرْهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَازْجُرْ عَنْهُ.
فقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ فَعَذَرَهُ وَكَذَّبَ عَنْهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ بَرِيءٌ وَأَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَيَانَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109] فَبَيَّنَ اللَّهُ خِيَانَتَهُ.
فلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ , فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَتْ خِيَانَتُهُ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ جُحُودُهُ مَا أُودِعَ , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعَانِي الْخِيَانَاتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ [النساء: 107] يَا مُحَمَّدُ فَتُخَاصِمُ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] يَعْنِي: يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ , يَجْعَلُونَهَا خَوَنَةً بِخِيَانَتِهِمْ مَا خَانُوا مِنْ أَمْوَالِ مَنْ خَانُوهُ مَالَهُ وَهُمْ بَنُو
أُبَيْرِقٍ , يَقُولُ: لَا تُخَاصِمُ عَنْهُمْ مَنْ يُطَالِبُهُمْ بِحُقُوقِهِمْ , وَمَا خَانُوهُ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ خِيَانَةُ النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ , وَرُكُوبُ الْإِثْمِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ , يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] قَالَ: " اخْتَانَ رَجُلٌ عَمًّا لَهُ دِرْعًا , فَقَذَفَ بِهَا يَهُودِيًّا كَانَ يَغْشَاهُمْ , فَجَادَلَ عَمُّ الرَّجُلِ قَوْمَهُ , فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَرَهُ , ثُمَّ لَحِقَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ , فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] الْآيَةُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108] " يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 108] يَسْتَخْفِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ مَا أُوتُوا مِنَ الْخِيَانَةِ , وَرَكِبُوا مِنَ الْعَارِ وَالْمَعْصِيَةِ
مِنَ النَّاسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُونَ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا ذِكْرَهُمْ بِقَبِيحِ مَا أُوتُوا مِنْ فِعْلِهِمْ وَشَنِيعِ مَا رَكِبُوا مِنْ جُرْمِهِمْ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ حَيَاءً مِنْهُمْ , وَحَذَرًا مِنْ قَبِيحِ الْأُحْدُوثَةِ
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 108] الَّذِي هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ , وَبِيَدِهِ الْعِقَابُ وَالنَّكَالُ وَتَعْجِيلُ الْعَذَابِ , وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ , وَأَوْلَى أَنْ يُعَظَّمَ بِأَنْ لَا يَرَاهُمْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 108] يَعْنِي: وَاللَّهُ شَاهِدُهُمْ ﴿إِذْ يُبَيَّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] يَقُولُ حِينَ يُسَوُّونَ لَيْلًا مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ فَيُغَيِّرُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ , وَيَكْذِبُونَ فِيهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّبْيِيتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ , وَأَنَّهُ كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ أُصْلِحَ لَيْلًا.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الطَّائِيِّينَ أَنَّ التَّبْيِيتَ فِي لُغَتِهِمُ التَّبْدِيلُ , وَأَنْشَدَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ الطَّائِيِّ فِي مُعَاتَبَةِ رَجُلٍ:
[البحر المتقارب]
وَبَيَّتَ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ ... قَاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَنُودَا
بِمَعْنَى: بَدَّلْتَ قَوْلِي وَرُوِي عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُبَيَّتُونَ﴾ [النساء: 81] : يُؤَلِّفُونَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] قَالَ: «يُؤَلِّفُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ» .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ , بِنَحْوِهِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ , مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ شَبِيهُ الْمَعْنَى بِالَّذِي قُلْنَاهُ , وَذَلِكَ أَنَّ التَّأْلِيفَ هُوَ التَّسْوِيَةُ وَالتَّغْيِيرُ عَمَّا هُوَ بِهِ وَتَحْوِيلُهُ عَنْ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 108] الرَّهْطُ الَّذِينَ مَشَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَافَعَةِ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ وَالْجِدَالِ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ فِيمَا أُوتُوا مِنْ جُرْمِهِمْ حَيَاءً مِنْهُمْ مِنْ تَبْيِيتِهِمْ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مُحِيطًا مُحْصِيًا , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ , حَافِظًا لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَيْهِ جَزَاءَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هَا أَنْتُمُ الَّذِينَ جَادَلْتُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ جَادَلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنْهُمْ﴾ [البقرة: 86] مِنْ ذِكْرِ الْخَائِنِينَ ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 109] يَقُولُ: " فَمَنْ ذَا يُخَاصِمُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَحْشَرِهِمْ , فَيُدَافِعُ عَنْهُمْ مَا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ , وَمُعَاقِبُهُمْ بِهِ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُدَافِعُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَائِنِينَ أَنْفُسَهُمْ , وَإِنْ دَافَعْتُمْ عَنْهُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا , فَإِنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ فِي آجِلِ الْآخِرَةِ إِلَى مَنْ لَا يُدَافِعُ عَنْهُمْ عِنْدَهُ أَحَدٌ فِيمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَنَكَالِ الْعِقَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَنْ ذَا الَّذِي يَكُونُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخَائِنِينَ وَكِيلًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْ وَمَنْ يَتَوَكَّلُ لَهُمْ فِي خُصُومَةِ رَبِّهِمْ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْوَكَالَةِ فِيمَا مَضَى وَأَنَّهَا الْقِيَامُ بِأَمْرِ مَنْ تُوكَلُ لَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يَعْمَلْ ذَنْبًا , وَهُوَ السُّوءُ , أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بِإِكْسَابِهِ إِيَّاهَا مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ عُقُوبَةَ اللَّهِ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 110] يَقُولُ: " ثُمَّ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ بِإِنَابَتِهِ مِمَّا عَمِلَ مِنَ
السُّوءِ وَظَلْمِ نَفْسِهِ وَمُرَاجَعَتِهِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَمْحُو ذَنْبَهُ وَتُذْهِبُ جُرْمَهُ
, ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] يَقُولُ: " يَجِدْ رَبَّهُ سَاتِرًا عَلَيْهِ ذَنْبَهُ بِصَفْحِهِ لَهُ عَنْ عُقُوبَتِهِ جُرْمَهُ , رَحِيمًا بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالْخِيَانَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهَا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ عَنِ الْخَائِنِينَ , الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَائِلِي الْقَوْلَيْنِ كِلَيْهِمَا فِيمَا مَضَى.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ عُنِيَ بِهَا كُلُّ مَنْ عَمِلَ سُوءًا أَوْ ظَلَمَ نَفْسَهُ , وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْخَائِنِينَ وَالْمُجَادِلِينَ عَنْهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمْ ذَنْبًا أَصْبَحَ قَدْ كُتِبَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَى بَابِهِ , وَإِذَا أَصَابَ الْبَوْلُ شَيْئًا مِنْهُ قَرَضَهُ بِالْمِقْرَاضِ , فَقَالَ رَجُلٌ: لَقَدْ أَتَى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَيْرًا.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا آتَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا آتَاهُمْ , جَعَلَ اللَّهُ الْمَاءَ لَكُمْ طَهُورًا , وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَوْنٍ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , فَسَأَلَتْهُ عَنِ امْرَأَةٍ فَجَرَتْ فَحَبَلَتْ , فَلَمَّا وَلَدَتْ قَتَلَتْ وَلَدَهَا , فَقَالَ ابْنُ مُغَفَّلٍ: مَا لَهَا؟ لَهَا النَّارُ.
فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَبْكِي , فَدَعَاهَا , ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى أَمْرَكِ إِلَّا أَحَدَ أَمْرَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] قَالَ: «فَمَسَحَتْ عَيْنَهَا ثُمَّ مَضَتْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] قَالَ: «أَخْبَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِحِلْمِهِ وَعَفْوِهِ وَكَرَمِهِ , وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ , فَمَنْ أَذْنَبَ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا , ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ , يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا , وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ أَعْظَمَ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 111] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يَأْتِ ذَنْبًا عَلَى عَمْدٍ مِنْهُ
لَهُ وَمَعْرِفَةٍ بِهِ , فَإِنَّمَا يَجْتَرِحُ وَبَالَ ذَلِكَ الذَّنْبِ وَضَرِّهِ وَخِزْيِهِ وَعَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِ اللَّهِ , يَقُولُ: فَلَا تُجَادِلُوا أَيُّهَا الَّذِينَ تُجَادِلُونَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَةِ , فَإِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ لَهُمْ عَشِيرَةً وَقَرَابَةً وَجِيرَانًا بُرَآءَ مِمَّا أَتَوْهُ مِنَ الذَّنْبِ وَمِنَ التَّبِعَةِ الَّتِي يُتَّبَعُونَ بِهَا , فَإِنَّكُمْ مَتَى دَافَعْتُمْ عَنْهُمْ أَوْ خَاصَمْتُمْ بِسَبَبِهِمْ كُنْتُمْ مِثْلَهُمْ , فَلَا تُدَافِعُوا عَنْهُمْ , وَلَا تُخَاصِمُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِمَا تَفْعَلُونَ أَيُّهَا الْمُجَادِلُونَ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي جِدَالِكُمْ عَنْهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِكُمْ وَأَفْعَالِ غَيْرِكُمْ , وَهُوَ يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ , حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ بِهَا ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: 11] يَقُولُ: " وَهُوَ حَكِيمٌ بِسِيَاسَتِكُمْ وَتَدْبِيرِكُمْ , وَتَدْبِيرِ جَمِيعِ خَلْقِهِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَنِي أُبَيْرِقٍ , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً , وَهِيَ الذَّنْبُ , أَوْ إِثْمًا , وَهُوَ مَا لَا يَحِلُّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْخَطِيئَةِ وَالْإِثْمِ , لِأَنَّ الْخَطِيئَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْعَمْدِ وَغَيْرِ
الْعَمْدِ , وَالْإِثْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْعَمْدِ , فَفَصَلَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِذَلِكَ بَيْنَهُمَا , فَقَالَ: وَمَنْ يَأْتِ خَطِيئَةً عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ مِنْهُ لَهَا , أَوْ إِثْمًا عَلَى عَمْدٍ مِنْهُ ثُمَّ يَرْمِ
بِهِ بَرِيئًا , يَعْنِي بِالَّذِي تَعَمَّدَهُ بَرِيئًا , يَعْنِي ثُمَّ يَصِفُ مَا أَتَى مِنْ خَطَئِهِ أَوْ إِثْمِهِ الَّذِي تَعَمَّدَهُ بَرِيئًا مِمَّا أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَنَحَلَهُ إِيَّاهُ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] يَقُولُ: " فَقَدْ تَحَمَّلَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ فِرْيَةً وَكَذِبًا وَإِثْمًا عَظِيمًا , يَعْنِي وَجُرْمًا عَظِيمًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ وَعَمْدٍ لِمَا أَتَى مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَذَنْبِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ رَمَى الْبَرِيءَ مِنَ الْإِثْمِ الَّذِي كَانَ أَتَاهُ ابْنُ أُبَيْرِقٍ الَّذِي وَصَفْنَا شَأْنَهُ قَبْلُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْبَرِيءِ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالَ لَهُ لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ يُقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَمِمَّنْ.
قَالَ كَانَ يَهُودِيًّا , ابْنُ سِيرِينَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] قَالَ: «يَهُودِيًّا» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ خَالِدٍ , عَنِ ابْنِ سِيرِينَ , مِثْلَهُ وَقِيلَ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] بِمَعْنَى: ثُمَّ يَرْمِ بِالْإِثْمِ الَّذِي أَتَى هَذَا الْخَائِنُ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ , فَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿بِهِ﴾ [النساء: 112] عَائِدَةٌ عَلَى الْإِثْمِ , وَلَوْ جُعِلَتْ كِنَايَةً مِنْ ذِكْرِ الْإِثْمِ وَالْخَطِيئَةِ كَانَ جَائِزًا , لِأَنَّ الْأَفْعَالَ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ عَنْهَا فَرَاجِعَةٌ إِلَى
مَعْنًى وَاحِدٍ بِأَنَّهَا فِعْلٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَقَدْ تَحَمَّلَ هَذَا الَّذِي رَمَى بِمَا أَتَى مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَرَكِبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالْخَطِيئَةِ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ بُهْتَانًا , وَهُوَ الْفِرْيَةُ وَالْكَذِبُ , وَإِثْمًا مُبِينًا , يَعْنِي وِزْرًا مُبِينًا , يَعْنِي أَنَّهُ يُبِينُ عَنْ أَمْرٍ عَمِلَهُ وَجَرَاءَتِهُ عَلَى رَبِّهِ وَتَقَدُّمِهِ عَلَى خِلَافِهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ لِمَنْ يَعْرِفُ أَمْرَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: 113] وَلَوْلَا أَنَّ
اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فَعَصَمَكَ بِتَوْفِيقِهِ وَتِبْيَانِهِ لَكَ أَمْرَ هَذَا الْخَائِنِ , فَكُفِفْتَ لِذَلِكَ عَنِ الْجِدَالِ عَنْهُ , وَمُدَافَعَةِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِمْ قِبَلَهُ ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 113] يَقُولُ: " لَهَمَّتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ , يَعْنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: 113] يَقُولُ: " يُزِلُّوكَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ , وَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ أَمْرَ الْخَائِنِ عَلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتِهِمْ لِلْخَائِنِ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ , وَمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ يَعْذِرُهُ وَيَقُومَ بِمَعْذِرَتِهِ فِي أَصْحَابِهِ , فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَمَا يُضِلَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا بِأَنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الْوَاجِبِ مِنَ الْحُكْمِ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ دِرْعَ جَارِهِ , إِلَّا أَنْفُسَهُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا كَانَ وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ؟ قِيلَ: وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ: أَخَذُهُمْ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَخْذَ بِهَا فِيهِ مِنْ سُبُلِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ إِلَى خَلْقِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقِّ , فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ لِلَّهِ فِيمَنْ سَعَى فِي أَمْرِ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] مُعَاوَنَةُ مَنْ ظَلَمُوهُ دُونَ مَنْ خَاصَمَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِ حَقِّهِ مِنْهُمْ , فَكَانَ سَعْيُهُمْ فِي مَعُونَتِهِمْ دُونَ مَعُونَةِ مَنْ ظَلَمُوهُ , أَخْذًا مِنْهُمْ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ , وَذَلِكَ هُوَ إِضْلَالُهُمْ أَنْفُسَهُمْ , الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: 113] وَمَا يَضُرُّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا لَكَ أَنْ يُزِلُّوكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ شَيْءٍ , لِأَنَّ اللَّهَ مُثَبِّتُكَ وَمُسَدِّدُكَ فِي أُمُورِكَ وَمُبَيِّنٌ لَكَ أَمْرَ مَنْ سَعَوْا فِي ضَلَالِكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ , فَفَاضِحُهُ وَإِيَّاهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] يَقُولُ: " وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مَعَ سَائِرِ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ , أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ , وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ , وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴿وَالْحِكْمَةُ﴾ [البقرة: 129] يَعْنِي وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ مَعَ الْكِتَابِ الْحِكْمَةَ , وَهِيَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلًا ذِكْرُهُ , مِنْ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ , وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَحْكَامِهِ , وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] مِنْ خَبَرِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ , وَمَا كَانَ , وَمَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ , ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ
يَا مُحَمَّدُ مُذْ خَلَقَكَ , فَاشْكُرْهُ عَلَى مَا أَوْلَاكَ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ , وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ , وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ فِي كِتَابِهِ وَحِكْمَتِهِ , وَمُخَالَفَةِ مَنْ حَاوَلَ إِضْلَالَكَ عَنْ طَرِيقِهِ وَمِنْهَاجِ دِينِهِ , فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَاكَ بِفَضْلِهِ , وَيَكْفِيكَ غَائِلَةَ مَنْ أَرَادَكَ بِسُوءٍ وَحَاوَلَ صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ , كَمَا كَفَاكَ أَمْرَ الطَائِفَةِ الَّتِي هَمَّتْ أَنْ تُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ , وَلَا أَحَدَ مِنْ دُونِهِ يُنْقِذُكَ مِنْ سُوءٍ إِنْ أَرَادَ بِكَ إِنْ أَنْتَ خَالَفْتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَاتَّبَعْتَ هَوَى مَنْ حَاوَلَ صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِعِ حَظِّهِ , وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَى النَّاسِ جَمِيعًا ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: 114] وَالْمَعْرُوفُ: هُوَ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114] وَهُوَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَيْنِ أَوِ الْمُخْتَصِمَيْنِ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا لِيَتَرَاجَعَا إِلَى مَا فِيهِ الْأُلْفَةُ وَاجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ عَلَى مَا أَذِنَ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا وَعَدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , فَقَالَ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاةِ اللَّهِ} يَقُولُ: " وَمَنْ يَأْمُرْ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ , أَوْ يَصْلُحْ بَيْنَ النَّاسِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ , يَعْنِي طَلَبَ رِضَا اللَّهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] يَقُولُ: " فَسَوْفَ نُعْطِيهِ جَزَاءً لِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَظِيمًا , وَلَا حَدَّ لِمَبْلَغِ مَا سَمَّى اللَّهُ عَظِيمًا يَعْلَمُهُ سِوَاهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء: 114] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا فِي نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ.
كأَنَّهُ عَطَفَ ﴿مَنْ﴾ [البقرة: 4] عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ الَّتِي فِي ﴿نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] وَذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ إِلَّا لَا تَعْطِفُ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَنَلْهُ الْجَحْدُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: قَدْ تَكُونُ ﴿مِنْ﴾ [البقرة: 4] فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ وَنَصْبٍ؛ وَأَمَّا الْخَفْضُ فَعَلَى قَوْلِكَ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ , فَتَكُونُ النَّجْوَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هُمُ الرِّجَالُ الْمُنَاجُونَ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7] وَكَمَا قَالَ: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47] وَأَمَّا النَّصَبُ , فَعَلَى أَنْ تَجْعَلَ النَّجْوَى فِعْلًا فَيَكُونَ نَصْبًا؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا , لِأَنَّهُ مِنْ خِلَافِ النَّجْوَى , فَيَكُونُ
ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط] وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُها ... عَيَّتْ جَوَابًا ومَا بِالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ إِلَّا الْأَوَارِيُّ لَايًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلومَةِ الْجَلَدِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ ﴿مِنْ﴾ [البقرة: 4] عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أُنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , أَنْ تَجْعَلَ مِنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالرَّدِّ عَلَى النَّجْوَى , وَتَكُونَ النَّجْوَى بِمَعْنَى جَمْعِ الْمُتَنَاجِينَ , خَرَجَ مَخْرَجَ السَّكْرَى وَالْجَرْحَى وَالْمَرْضَى , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ , فَيَكُونَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَنَاجِينَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النَّاسِ , إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ , أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ , فَإِنَّ أُولَئِكَ فِيهِمُ الْخَيْرُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: 115] وَمَنْ يُبَايِنِ الرَّسُولَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَادِيًا لَهُ , فَيُفَارِقَهُ عَلَى الْعَدَاوَةِ لَهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنَّ مَا
جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ , وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.
﴿وَيَتِّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115] يَقُولُ: " وَيَتَّبِعْ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ أَهْلِ التَّصْدِيقِ , وَيَسْلُكُ مِنْهَاجًا غَيْرَ مِنْهَاجِهِمْ , وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ , لِأَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ غَيْرُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرُ مِنْهَاجِهِمْ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115] يَقُولُ: " نَجْعَلْ نَاصِرَهُ مَا اسْتَنْصَرَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ , وَهِيَ لَا تُغْنِيهِ وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَنْفَعُهُ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115] قَالَ: «مِنْ آلِهَةِ الْبَاطِلِ»
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ.
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 115] يَقُولُ: " وَنَجْعَلُهُ صِلَاءَ نَارِ جَهَنَّمَ , يَعْنِي نُحَرِّقُهُ بِهَا , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصِّلَى فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] يَقُولُ: " وَسَاءَتْ جَهَنَّمُ مَصِيرًا: مَوْضِعًا يَصِيرُ إِلَيْهِ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْخَائِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] لَمَّا أَبَى التَّوْبَةَ مِنْ أبَى مِنْهُمْ، وَهُوَ طِعْمَةُ بْنُ الْأُبَيْرِقِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا مُفَارِقًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا