تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 250-261

سُورَةُ الْفَتْحِ

صفحات 250-261
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: 9] فَقَرَأَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ خَلَا أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، بِالتَّاءِ ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ [الفتح: 9] ، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ، وَتُوَقِّرُوهُ، وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: 9] بِمَعْنَى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو كُلَّهُ بِالْيَاءِ: (لِيُؤْمِنُوا) . (وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ) بِمَعْنَى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا إِلَى الْخَلْقِ لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُعَزِّرُوهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45] يَقُولُ: «شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ وَمُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَنَذِيرًا مِنَ النَّارِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ

بَعْضُهُمْ: تُجِلُّوهُ، وَتُعَظِّمُوهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] يَعْنِي: «الْإِجْلَالَ» ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] يَعْنِي: «التَّعْظِيمَ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] «كُلُّ هَذَا تَعْظِيمٌ وَإِجْلَالٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] وَيَنْصُرُوهُ، وَمَعْنَى ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] وَيُفَخِّمُوهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] يَنْصُرُوهُ ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] «أَمَرَ اللَّهُ بِتَسْوِيدِهِ وَتَفْخِيمِهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] قَالَ: " يَنْصُرُوهُ، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] : أَيْ لِيُعَظِّمُوهُ "

حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: ثَنَا حَرَمِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] قَالَ: «يُقَاتِلُونَ مَعَهُ بِالسَّيْفِ» حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثَنِي هُشَيْمُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، بِنَحْوِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَيُعَظِّمُوهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] قَالَ: «الطَّاعَةُ لِلَّهِ» وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ أَهْلِهَا بِهَا وَمَعْنَى التَّعْزِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: التَّقْوِيَةُ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا

الْمَوْضِعِ فَأَمَّا التَّوْقِيرُ: فَهُوَ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ وَالتَّفْخِيمُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9] يَقُولُ: وَتُصَلُّوا لَهُ يَعْنِي لِلَّهِ بِالْغَدَوَاتِ وَالْعَشِيَّاتِ وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: 9] مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ الرَّسُولِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ: «وَيُسَبِّحُوا اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، « (وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ» وَيُسَبِّحُوا اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ «وَيُسَبِّحُوا اللَّهَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " (وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) يَقُولُ: «يُسَبِّحُونَ اللَّهَ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: 10] بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى أَنْ لَا

يَفِرُّوا عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَلَا يُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10] يَقُولُ: إِنَّمَا يُبَايِعُونَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ اللَّهَ، لِأَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ بِوَفَائِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: 10] قَالَ: «يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10] «وَهُمُ الَّذِينَ بَايَعُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ»

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَايِعُونَ اللَّهَ بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَالْآخَرُ: قُوَّةُ اللَّهِ

فَوْقَ قُوَّتِهِمْ فِي نُصْرَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الْعَدُوِّ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ إِيَّاكَ يَا مُحَمَّدُ، وَنَقَضَهَا فَلَمْ يَنْصُرْكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَخَالَفَ مَا وَعَدَ رَبَّهُ ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10] يَقُولُ: فَإِنَّمَا يَنْقُضُ بَيْعَتَهُ، لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِمَّنْ وَعَدَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِوَفَائِهِ بِالْبَيْعَةِ، فَلَمْ يَضُرَّ بِنُكْثِهِ غَيْرَ

نَفْسِهِ، وَلَمْ يَنْكُثْ إِلَّا عَلَيْهَا، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاصِرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، نَكَثَ النَّاكِثُ مِنْهُمْ، أَوْ وَفَّى بِبَيْعَتِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10] الْآيَةَ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَعْدَائِهِ ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] يَقُولُ: فَسَيُعْطِيهِ اللَّهُ ثَوَابًا عَظِيمًا، وَذَلِكَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَزَاءً لَهُ عَلَى

وَفَائِهِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ، وَوَثَّقَ لِرَسُولِهِ عَلَى الصَّبْرِ مَعَهُ عِنْدَ الْبَأْسِ بِالْمُؤَكَّدَةِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10] «وَهِيَ الْجَنَّةُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَيَقُولُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ فِي أَهْلِيهِمْ عَنْ صُحْبَتِكَ وَالْخُرُوجِ مَعَكَ فِي سَفَرِكَ الَّذِي سَافَرْتَ، وَمَسِيرِكَ الَّذِي سِرْتَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا زَائِرًا بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ إِذَا انْصَرَفْتَ إِلَيْهِمْ، فَعَاتَبْتَهُمْ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْكَ، شَغَلَتْنَا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ مُعَالَجَةُ أَمْوَالِنَا، وَإِصْلَاحُ مَعَايِشِنَا وَأَهْلُونَا، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا لِتَخَلُّفِنَا عَنْكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُكَذِّبَهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ: يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابُ الْمُخَلَّفُونَ عَنْكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَذَلِكَ مَسْأَلَتُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ، يَقُولُ: يَسْأَلُونَهُ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ مِنْهُمْ وَلَا نَدَمٍ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسِيرِ مَعَهُ ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْكَ: إِنْ أَنَا اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ، ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَكُمْ أَوْ هَلَاكَ أَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بِتَثْمِيرِهِ أَمْوَالَكُمْ وَإِصْلَاحِهِ لَكُمْ أَهْلِيكُمْ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَاللَّهُ لَا يَعَازُّهُ أَحَدٌ، وَلَا يُغَالِبُهُ غَالِبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ مَا هُمْ عَلَيْهَا مُنْطَوُونَ مِنَ

النِّفَاقِ، بَلْ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ خَبِيرًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ خَلْقِهِ، سِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ حِينَ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا اسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَ مَدِينَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذَرًا مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ الْحَرْبَ، أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، وَأَحْرَمَ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ، لِيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ حَرْبًا، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَتَخَلَّفُوا خِلَافَهُ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] الْآيَةَ وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِسِيَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَغَازِيهِ، مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] قَالَ: " أَعْرَابُ الْمَدِينَةِ: جُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ، اسْتَتْبَعَهُمْ لِخُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ، قَالُوا: نَذْهَبُ مَعَهُ إِلَى قَوْمٍ قَدْ جَاءُوهُ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ فَنُقَاتِلُهُمْ فَاعْتَلُّوا بِالشُّغْلِ "

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: 11] فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿ضَرًّا﴾ [المائدة: 76] بِفَتْحِ الضَّادِ، بِمَعْنَى: الضُّرِّ الَّذِي هُوَ خِلَافُ النَّفْعِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ (ضُرًّا) بِضَمِّ الضَّادِ، بِمَعْنَى الْبُؤْسِ وَالسَّقَمِ وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ الْفَتْحُ فِي الضَّادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: 11] فَمَعْلُومٌ أَنَّ خِلَافَ النَّفْعِ الضُّرَّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى صَحِيحًا مَعْنَاهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْمُعْتَذِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ سَفَرِهِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] مَا تَخَلَّفْتُمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَخَصَ عَنْكُمْ، وَقَعَدْتُمْ عَنْ صُحْبَتِهِ مِنْ أَجْلِ شُغْلِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، بَلْ تَخَلَّفْتُمْ بَعْدَهُ فِي مَنَازِلِكُمْ، ظَنًّا مِنْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سَيَهْلِكُونَ، فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَيْكُمْ أَبْدًا بِاسْتِئْصَالِ الْعَدُوِّ إِيَّاهُمْ وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَحَسَّنَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَصَحَّحَهُ عِنْدَكُمْ حَتَّى حَسُنَ عِنْدَكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، فَقَعَدْتُمْ عَنْ صُحْبَتِهِ ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوءِ﴾ [الفتح: 12] يَقُولُ: وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّ الْعَدُوَّ سَيَقْهَرُونَهُمْ وَيَغْلِبُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [الفتح: 11] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] قَالَ: «ظَنُّوا بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا مِنْ وُجْهِهِمْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ سَيَهْلِكُونَ، فَذَلِكَ الَّذِي خَلَّفَهُمْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] يَقُولُ: وَكُنْتُمْ قَوْمًا هَلْكَى لَا يَصْلُحُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَبَرِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْبُورَ فِي لُغَةِ أَذْرِعَاتٍ: الْفَاسِدُ؛ فَأَمَّا عِنْدَ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «فَأَصْبَحَ مَا جَمَعُوا بُورًا أَيْ ذَاهِبًا قَدْ صَارَ بَاطِلًا لَا شَيْءَ مِنْهُ» ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: لَا يَنْفَعُ الطُّولُ مِنْ نُوكِ الْقُلُوبِ وَقَدْ ... يَهْدِي الْإِلَهُ سَبِيلَ الْمَعْشَرِ الْبُورِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

، ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] قَالَ: «فَاسِدِينَ»

وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] قَالَ: «الْبُورُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: 12] قَالَ: «هَالِكِينَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ أَيُّهَا الْأَعْرَابُ بِاللَّهِ وَرَسُولُهُ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ،

فَيُصَدِّقُهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، فَإِنَّا أَعْدَدْنَا لَهُمْ جَمِيعًا سَعِيرًا مِنَ النَّارِ تَسْتَعِرُ عَلَيْهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِذَا وَرَدُوهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: سَعَّرْتَ النَّارَ: إِذَا أَوْقَدْتُهَا، فَأَنَا أُسَعِّرُهَا سِعْرًا؛ وَيُقَالُ: سَعَّرْتُهَا أَيْضًا إِذَا حَرَّكْتُهَا وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُسَعِّرِ مِسْعَرٌ، لِأَنَّهُ يُحَرِّكُ بِهِ النَّارَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَمُسَعِّرُ حَرْبٍ: يُرَادُ بِهِ مُوقِدُهَا وَمُهَيِّجُهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ سُلْطَانُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ عَلَى دَفْعِهِ عَمَّا أَرَادَ بِكُمْ مِنْ تَعْذِيبٍ عَلَى نِفَاقِكُمْ إِنْ أَصْرَرْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ مَنْعِهِ مِنْ عَفْوِهِ عَنْكُمْ إِنْ عَفَا، إِنْ أَنْتُمْ تُبْتُمْ مِنْ نِفَاقِكُمْ وَكُفْرِكُمْ،

وَهَذَا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ حَثٌّ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ لَهُمْ: بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ مِنْ تُخَلِّفِكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِلتَّائِبِينَ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] يَقُولُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ ذَا عَفْو عَنْ عُقُوبَةِ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ مِنْ عِبَادِهِ، وَذَا رَحْمَةٍ بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَيَقُولُ

يَا مُحَمَّدُ الْمُخَلَّفُونَ فِي أَهْلِيهِمْ عَنْ صُحْبَتِكَ إِذَا سِرْتَ مُعْتَمِرًا تُرِيدُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ، إِذَا انْطَلَقْتَ أَنْتَ وَمَنْ صَحِبَكَ فِي سَفَرِكَ ذَلِكَ إِلَى مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ ﴿لِتَأْخُذُوهَا﴾ [الفتح: 15] وَذَلِكَ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: 15] إِلَى خَيْبَرَ، فَنَشْهَدَ مَعَكُمْ قِتَالَ أَهْلِهَا ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15] يَقُولُ: يُرِيدُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا وَعْدَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ ذَلِكَ عِوَضًا مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ مَكَّةَ إِذَا انْصَرَفُوا عَنْهُمْ عَلَى صُلْحٍ، وَلَمْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ شَيْئًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " رَجَعَ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَكَّةَ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً، فَعُجِّلَتْ لَهُ خَيْبَرُ، فَقَالَ الْمُخَلَّفُونَ ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15] وَهِيَ الْمَغَانِمُ لِيَأْخُذُوهَا، الَّتِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ [الفتح: 15] وَعُرِضَ عَلَيْهِمْ قِتَالُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ "

جارٍ التحميل