تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 251-264

وَقَوْلُهُ: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوهَهُمْ. كَمَا:

صفحات 251-264
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ خَلَفٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17] قَالَ: «يُقَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ، فَإِذَا قُرِّبَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ» ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ وَيَعْمَرُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ

جُبَيْرٍ، قَالَ هَارُونُ: إِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ.
وَقَالَ جَعْفَرٌ: إِذَا جَاءَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَاخْتَلَسْتُ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ، فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارَّ بِهِمْ يَعْرِفُهُمْ، لَعَرَفَ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ فِيهَا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشَ، فَيَسْتَغِيثُونَ، فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ انْشَوَى مِنْ حَرِّهِ لُحُومُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ

وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بِئْسَ الشَّرَابُ، هَذَا الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُ بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّمَ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفَقًا، وَالْمُرْتَفَقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْمُتَّكَأُ، يُقَالُ مِنْهُ: ارْتَفَقْتُ إِذَا اتَّكَأْتُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى ... يَسُوقُ بِالْقَوْمِ غَزَالَاتِ الضُّحَى

أَرَادَ: وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقِهَا، وَقَدِ ارْتَفَقَ الرَّجُلُ: إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقِهِ لَا يَأْتِيهِ نَوْمٌ، وَهُوَ مُرْتَفِقٌ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ: [البحر البسيط] نَامَ الْخَلِيُّ وَبَتَّ اللَّيْلُ مُرْتَفِقًا ... كَأَنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ وَأَمَّا مِنَ الرِّفْقِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: قَدِ ارْتَفَقْتُ بِكَ مُرْتَفَقًا، وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29] يَعْنِي الْمُجْتَمَعَ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29] أَيْ مُجْتَمَعًا

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29] قَالَ: مُجْتَمَعًا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَلَسْتُ أَعْرِفُ الِارْتِفَاقَ بِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا الِارْتِفَاقُ افْتِعَالٌ، إِمَّا مِنَ الْمِرْفَقِ، وَإِمَّا مِنَ الرِّفْقِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَعَمِلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَانْتَهَوْا إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، إِنَّا لَا نُضِيعُ ثَوَابَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، فَأَطَاعَ اللَّهَ، وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، بَلْ نُجَازِيهِ

بِطَاعَتِهِ وَعَمَلِهِ الْحَسَنَ جَنَّاتٍ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيْنَ خَبَرُ «إِنَّ» الْأُولَى؟ قِيلَ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30] فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا، فَتَرَكَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الثَّانِي بِنِيَّةِ التَّكْرِيرِ، كَمَا قِيلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] بِمَعْنَى: عَنْ قِتَالٍ، فِيهِ عَلَى التَّكْرِيرِ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] إِنَّ الْخَلِيفَةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ... سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيمُ وَيُرْوَى: تُرْخَى، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 62] جَزَاءً، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَهُ، فَتُضْمَرُ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ «إِنَّا» وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا: أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهُمُ الْأَنْهَارُ

يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتُ عَدْنٍ، يَعْنِي بَسَاتِينَ إِقَامَةٍ فِي الْآخِرَةِ.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتَهُمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: 43] يَقُولُ: تَجْرِي مِنْ دُونِهِمْ وَمِنْ أَيْدِيهِمُ الْأَنْهَارُ.
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: 6] وَمَعْنَاهُ: مِنْ دُونِهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: 31] يَقُولُ: يَلْبَسُونَ فِيهَا مِنَ الْحُلِيِّ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَالْأَسَاوِرُ: جَمْعُ إِسْوَارٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسِ﴾ [الكهف: 31] وَالسُّنْدُسُ: جَمْعٌ وَاحِدُهَا سُنْدُسَةٌ، وَهِيَ مَا رَقَّ مِنَ الدِّيبَاجِ.
وَالْإِسْتَبْرَقُ: مَا غَلُظَ مِنْهُ وَثَخُنَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِسْتَبْرَقَ: هُوَ الْحَرِيرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُرَقَّشِ: [البحر الطويل] تَرَاهُنَّ يَلْبَسْنَ الْمَشَاعِرَ مَرَّةً ... وَإِسْتَبْرَقَ الدِّيبَاجِ طَوْرًا لِبَاسُهَا يَعْنِي: وَغَلِيظُ الدِّيبَاجِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: 31] يَقُولُ: مُتَّكِئِينَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ عَلَى الْأَرَائِكِ، وَهِيَ السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ، وَاحِدَتُهَا: أَرِيكَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل]

خُدُودًا جَفَتْ فِي السَّيْرِ حَتَّى كَأَنَّمَا ... يُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزَاءِ مَسَّ الْأَرَائِكِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر الكامل] بَيْنَ الرِّوَاقِ وَجَانِبٍ مِنْ سِتْرِهَا ... مِنْهَا وَبَيْنَ أَرِيكَةِ الْأَنْضَادِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: 31] قَالَ: هِيَ الْحِجَالُ.
قَالَ مَعْمَرٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: السُّرُرُ فِي الْحِجَالِ

وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ [الكهف: 31] يَقُولُ: نِعْمَ الثَّوَابُ جَنَّاتُ عَدْنٍ، وَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 31] يَقُولُ: وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِكُ فِي هَذِهِ الْجِنَانِ الَّتِي وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُتَّكَأً.
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 31] فَأَنَّثَ الْفِعْلَ بِمَعْنَى:

وَحَسُنَتْ هَذِهِ الْأَرَائِكُ مُرْتَفَقًا، وَلَوْ ذُكِّرَ لِتَذْكِيرِ الْمُرْتَفِقِ كَانَ صَوَابًا، لِأَنَّ نِعْمَ وَبِئْسَ إِنَّمَا

تُدْخِلُهُمَا الْعَرَبُ فِي الْكَلَامِ لِتَدُلَّا عَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ لَا لِلْفِعْلِ، فَلِذَلِكَ تُذَكِّرُهُمَا مَعَ الْمُؤَنَّثِ، وَتُوَحِّدُهُمَا مَعَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابِ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ

لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَثَلًا مِثْلُ ﴿رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: 32] أَيْ جَعَلْنَا لَهُ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كُرُومٍ ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ [الكهف: 32] يَقُولُ: وَأَطَفْنَا هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ بِنَخْلٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32] يَقُولُ: وَجَعَلْنَا وَسَطَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ زَرْعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: 33] يَقُولُ: كِلَا الْبُسْتَانَيْنِ أَطْعَمَ ثَمَرُهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْغُرُوسِ مِنَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَصُنُوفِ الزَّرْعِ.
وَقَالَ: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: آتَتْ، فَوَحَّدَ الْخَبَرَ، لِأَنَّ كِلْتَا لَا يُفْرَدُ وَاحِدَتُهَا، وَأَصْلُهُ كُلٌّ، وَقَدْ تَفْرِدُ الْعَرَبُ كِلْتَا أَحْيَانًا، وَيَذْهَبُونَ بِهَا وَهِيَ مُفْرَدَةٌ إِلَى التَّثْنِيَةِ، قَالَ بَعْضُ الرُّجَّازِ فِي ذَلِكَ: [البحر الرجز]

فِي كِلْتَ رِجْلَيْهَا سُلَامَى وَاحِدَهْ ... كِلْتَاهُمَا مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ يُرِيدُ بِكِلْتَ: كِلْتَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ بِكِلْتَا وَكِلَا وَكُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ، وَجَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهُنَّ وَيُجْمَعُ وَيُوَحَّدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تُظْلَمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] يَقُولُ: وَلَمْ تَنْقُصْ مِنَ الْأَكْلِ شَيْئًا، بَلْ أَتَتْ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ظَلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا حَقَّهُ: إِذَا بَخَسَهُ وَنَقَصَهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] تَظَلَّمَنِي مَا لِي كَذَا وَلَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] أَيْ لَمْ تَنْقُصْ، مِنْهُ شَيْئًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهْرًا﴾ [الكهف: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَسَيَّلْنَا خِلَالَ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ نَهْرًا، يَعْنِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَشْجَارِهِمَا نَهْرًا.

وَقِيلَ: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ [الكهف: 33] فَثَقَّلَ الْجِيمَ مِنْهُ، لِأَنَّ التَّفْجِيرَ فِي النَّهْرِ كُلِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمِيدُ مَاءً فَيَسِيلُ بَعْضُهُ بَعْضًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: (وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ) بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ.
وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَقَالُوا: ذَلِكَ هُوَ الثَّمَرُ، لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُثْمِرَةٌ، يَعْنِي مُكْثِرَةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34] قَالَ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] قَالَ: هِيَ أَيْضًا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34] قَالَ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] هِيَ هِيَ أَيْضًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ: الْمَالَ الْكَثِيرَ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» بِالضَّمِّ، وَقَالَ: يَعْنِي أَنْوَاعَ الْمَالِ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» يَقُولُ: مَالٌ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» يَقُولُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] قَالَ: الثَّمَرُ مِنَ الْمَالِ كُلُّهُ يَعْنِي الثَّمَرَ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَالِ كُلُّهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «الثَّمَرُ» الْمَالُ كُلُّهُ، قَالَ: وَكُلُّ مَالٍ إِذَا اجْتَمَعَ فَهُوَ ثَمَرٌ إِذَا كَانَ مِنْ لَوْنِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَالِ كُلُّهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهِ الْأَصْلَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» الثُّمُرُ الْأَصْلُ.
قَالَ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: 42] قَالَ: بِأَصْلِهِ وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا مَعْنَاهَا إِلَى أَنَّهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَالِ، أَرَادُوا أَنَّهَا جَمْعُ ثِمَارٍ جَمْعُ ثُمُرٍ، كَمَا يُجْمَعُ الْكِتَابُ كُتَبًا، وَالْحِمَارُ حُمُرًا.
وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ مَنْ وَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ «ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ يُرِيدُ الضَّمَّ فِيهَا غَيْرَ أَنَّهُ سَكَّنَهَا طَلَبَ التَّخْفِيفِ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا جَمْعَ ثَمَرَةٍ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34] بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، بِمَعْنَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ، كَمَا تُجْمَعُ الْخَشَبَةُ خَشَبًا.
وَالْقَصَبَةُ قَصَبًا.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ «وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ» بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ جَمْعَ ثِمَارٍ، كَمَا الْكُتُبُ جَمْعُ كِتَابٍ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ﴾ [الكهف: 34] مِنْهُمَا ﴿ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34] بِمَعْنَى مِنْ جَنَّتَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّمَارِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لِمَنْ وَفَّقَ لِفَهْمِهِ، قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابِ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: 32] ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكُرُومِ وَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ ثَمَرٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: 34] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَقَالَ هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ، لِصَاحِبِهِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ يُخَاطِبُهُ: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ

مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] يَقُولُ: وَأَعَزُّ عَشِيرَةً وَرَهْطًا، كَمَا قَالَ عُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ سَادَاتُ الْعَرَبِ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ، فَنَحِّ عَنَّا سَلْمَانَ وَخَبَّابًا وَصُهَيْبًا، احْتِقَارًا لَهُمْ، وَتَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34] وَتِلْكَ وَاللَّهِ أُمْنِيَةُ الْفَاجِرِ: كَثْرَةُ الْمَالِ، وَعِزَّةُ النَّفَرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابِ ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف: 35] وَهِيَ بُسْتَانَهُ ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف: 35] وَظُلْمُهُ نَفْسَهُ: كُفْرُهُ بِالْبَعْثِ،

وَشَكُّهُ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ، وَنِسْيَانُهُ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَوْجَبَ لَهَا بِذَلِكَ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ لَمَّا عَايَنَ جَنَّتَهُ، وَرَآهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالْأَنْهَارِ الْمُطَّرِدَةِ شَكًّا فِي الْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ الْجَنَّةُ أَبَدًا، وَلَا تَفْنَى وَلَا تُخَرَّبُ.
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ خَلْقَهُ الْحَشْرَ فِيهَا تَقُومُ فَتَحْدُثُ، ثُمَّ تَمَنَّى أُمْنِيَةً أُخْرَى عَلَى شَكٍّ مِنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف: 36] فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُوقِنٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ {لَأَجِدَنَّ

خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 36] يَقُولُ: لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِي هَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ رُدِدْتُ إِلَيْهِ مَرْجِعًا وَمَرَدًّا، يَقُولُ: لَمْ يُعْطِنِي هَذِهِ الْجَنَّةَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَلِي عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَعَادِ إِنْ رُدِدْتُ إِلَيْهِ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36] قَالَ: شَكَّ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَئِنْ﴾ [الكهف: 36] كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 36] مَا أَعْطَانِي هَذِهِ إِلَّا وَلِي عِنْدَهُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: 36] كَفُورٌ لِنِعَمِ رَبِّهِ، مُكَذِّبٌ بِلِقَائِهِ، مُتَمَنٍّ عَلَى اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ لِصَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ صَاحِبُهُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ مَالًا وَوَلَدًا ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: 34] يَقُولُ: وَهُوَ يُخَاطِبُهُ وَيُكَلِّمُهُ: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف: 37] يَعْنِي خَلَقَ أَبَاكَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: 37] يَقُولُ: ثُمَّ أَنْشَأَكَ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةَ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37] يَقُولُ: ثُمَّ عَدَّلَكَ بَشَرًا سَوِيًّا رَجُلًا، ذَكَرًا لَا أُنْثَى، يَقُولُ: أَكَفَرْتَ بِمَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا أَنْ يُعِيدَكَ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ مَا تَصِيرُ رُفَاتًا.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: 38] يَقُولُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَكْفُرُ بِرَبِّي، وَلَكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، مَعْنَاهُ

أَنَّهُ يَقُولُ: وَلَكِنْ أَنَا أَقُولُ: هُوَ اللَّهُ رَبِّي ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: 38] . وَفِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا (لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ فِي حَالِ الْوَصْلِ، كَمَا يُقَالُ: أَنَا قَائِمٌ فَتُحْذَفُ الْأَلِفُ مِنْ أَنَا، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ كُلَّهَا تُثْبِتُ فِيهَا الْأَلِفَ، لِأَنَّ النُّونَ إِنَّمَا شُدِّدَتْ لِانْدِغَامِ النُّونِ مِنْ لَكِنْ، وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِي النُّونِ الَّتِي مِنْ أَنَا، إِذْ سَقَطَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي فِي أَنَا، فَإِذَا وَقَفَ عَلَيْهَا ظَهَرَتِ الْأَلِفُ الَّتِي فِي أَنَا، فَقِيلَ: لَكِنَّا، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْوَقْفِ عَلَى أَنَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ لَا بِإِسْقَاطِهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: ﴿لَكِنَّا﴾ [الأنعام: 157] بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْطَقُ بِهِ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] أَنَا سَيْفُ الْعَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا فَأَثْبَتَ الْأَلِفَ فِي أَنَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْفَصِيحِ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ «لَكِنَّ» فِي الْوَصْلِ، وَإِثْبَاتُهَا فِي الْوَقْفِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا﴾ [الكهف: 39] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَهَلَّا إِذْ دَخَلْتَ بُسْتَانَكَ، فَأَعْجَبَكَ مَا رَأَيْتَ مِنْهُ، قُلْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَهُوَ جَوَّابُ

جارٍ التحميل