تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126] يَقُولُ: وَبِئْسَ الْمَكَانُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126] يَقُولُ: وَبِئْسَ الْمَكَانُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ

شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ عَزِيزٌ} [الحج: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ جُعِلَ لِلَّهِ مَثَلٌ وَذِكْرٌ.
وَمَعْنَى ﴿ضُرِبَ﴾ [إبراهيم: 24] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: جَعَلَ , مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ السُّلْطَانُ عَلَى النَّاسِ الْبَعْثَ، بِمَعْنَى: جَعَلَ عَلَيْهِمْ.
وَضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى النَّصَارَى، بِمَعْنَى جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ وَالْمَثَلُ: الشَّبَهُ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: جُعِلَ لِي شَبَهٌ أَيُّهَا النَّاسُ، يَعْنِي بِالشَّبَهِ وَالْمِثْلِ: الْآلِهَةَ، يَقُولُ: جَعَلَ لِيَ الْمُشْرِكُونَ الْأَصْنَامَ شَبَهًا، فعَبَدُوهَا مَعِي , وَأَشْرَكُوهَا فِي عِبَادَتِي.
يَقُولُ: فَاسْتَمِعُوا حَالَ مَا مَثَّلُوهُ وَجَعَلُوهُ لِي فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ شَبَهًا وَصَفْتُهُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: 73] يَقُولُ: إِنَّ جَمِيعَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ لَوْ جُمِعَتْ لَمْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا فِي صِغَرِهِ وَقِلَّتِهِ، لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُطِيقُهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَ لِخَلْقِهِ جَمِيعُهَا.
وَالذُّبَابُ وَاحِدٌ، وَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَذُبَّةٌ , وَفِي الْكَثِيرِ ذُبَّانُ، نَظِيرُ غُرَابٍ , يُجْمَعُ فِي الْقِلَّةِ: أَغْرِبَةٌ , وَفِي الْكَثْرَةِ غِرْبَانُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج: 73] يَقُولُ: وَإِنْ يَسْلُبُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ الذُّبَابُ شَيْئًا مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ طِيبٍ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ: يَقُولُ: لَا تَقْدِرُ الْآلِهَةُ أَنْ تَسْتَنْقِذَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73] فَقَالَ بَعْضُهُمْ:

عُنِيَ بِالطَّالِبِ: الْآلِهَةُ، وَبِالْمَطْلُوبِ: الذُّبَابُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، , قَالَ حَجَّاجٌ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ [الحج: 73] قَالَ: " آلِهَتُهُمْ.
﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73] الذُّبَابُ " وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ [الحج: 73] مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَى الصَّنَمِ حَاجَتَهُ، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73] إِلَيْهِ الصَّنَمُ أَنْ يُعْطِيَ سَائِلَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مَا سَأَلَهُ، يَقُولُ: ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ وَعَجَزَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَعَجَزَ الطَّالِبُ وَهُوَ الْآلِهَةُ أَنْ تَسْتَنْقِذَ مِنَ الذُّبَابِ مَا سَلَبَهَا إِيَّاهُ، وَهُوَ الطِّيبُ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ وَالْمَطْلُوبُ: الذُّبَابُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الْآلِهَةِ وَالذُّبَابِ؛ فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا هُوَ بِهِ مُتَّصِلٌ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّا هُوَ عَنْهُ مُنْقَطِعٌ.
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنِ الْآلِهَةِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ضَعْفِهَا وَمَهَانَتِهَا، تَقْرِيعًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَبَدَتَهَا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَيْفَ يُجْعَلُ مِثْلًا فِي الْعِبَادَةِ , وَيُشْرِكُ فِيهَا مَعِي , مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ، وَإِنْ أَخَذَ لَهُ الذُّبَابُ فَسَلَبَهُ شَيْئًا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ

وَلَا يَنْتَصِرَ، وَأَنَا الْخَالِقُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ , وَمَالِكُ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَالْمُحْيِي مَنْ أَرَدْتُ , وَالْمُمِيتُ مَا أَرَدْتُ , وَمَنْ أَرَدْتُ.
إِنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: 74] يَقُولُ: مَا عَظَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْآلِهَةَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي الْعِبَادَةِ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ، فَلَمْ يُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ , وَلَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا عَرَفْتَ لِفُلَانٍ قَدْرَهُ , إِذَا خَاطَبُوا بِذَلِكَ مِنْ قَصَّرَ بِحَقِّهِ , وَهُمْ يُرِيدُونَ تَعْظِيمَهُ.
وَبِنَحْوِ

الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج: 73] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِآلِهَتِهِمْ.
وَقَرَأَ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج: 74] حِينَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ مَا لَا يَنْتَصِفُ مِنَ الذُّبَابِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لِقَوِيُّ﴾ [الحج: 40] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لِقَوِيُّ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ مِنْ صَغِيرِ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ وَكَبِيرِهِ.
﴿عَزِيزٌ﴾ [البقرة: 209] يَقُولُ: مَنِيعٌ فِي مُلْكِهِ , لَا يَقْدِرُ شَيْءٌ دُونَهُ أَنْ يُسْلُبَهُ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ كَآلِهَتِكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ ذُبَابٍ , وَلَا عَلَى الِامْتِنَاعِ

مِنَ الذُّبَابِ إِذَا اسْتَلَبَهَا

شَيْئًا ضَعْفًا وَمَهَانَةً

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يَخْتَارُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ اللَّذَيْنِ كَانَا يُرْسِلُهُمَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَمِنَ النَّاسِ، كَأَنْبِيَائِهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، وَمِنَ النَّاسِ أَيْضًا رُسُلًا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ذَلِكَ إِلَيَّ , وَبِيَدِي دُونَ خَلْقِي، أَخْتَارُ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ لِلرِّسَالَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 75] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِمَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، بَصِيرٌ بِمَنْ يَخْتَارُهُ لِرِسَالَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحج: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ بَيْنَ أَيْدِي مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَهُمْ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: 255] ، يَقُولُ: وَيَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَ فَنَائِهِمْ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210] يَقُولُ: إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ

تَصِيرُ إِلَيْهِ أُمُورُ الدُّنْيَا، وَإِلَيْهِ تَعُودُ كَمَا كَانَ مِنْهُ الْبَدْءُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] لِلَّهِ فِي صَلَاتِكُمْ ﴿وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] لَهُ فِيهَا.
يَقُولُ: وَذِلُّوا لِرَبِّكُمْ، وَاخْضَعُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ، ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] الَّذِي أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِفِعْلِهِ؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] يَقُولُ: لِتُفْلِحُوا بِذَلِكَ، فَتُدْرِكُوا بِهِ طَلِبَاتِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: 78] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[الحج: 78] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَجَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78] كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ , فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أُمِرَ بِالْجِهَادِ؟ قَالَ: قَبِيلَتَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: مَخْزُومٌ , وَعَبْدُ شَمْسٍ فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
قَالُوا: وَذَلِكَ هُوَ حَقُّ الْجِهَادِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78] لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: اعْمَلُوا بِالْحَقِّ حَقَّ عَمَلِهِ.
وَهَذَا قَوْلٌ ذَكَرَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ بَعْضُ مَنْ فِي رِوَايَتِهِ نَظَرٌ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ الْجِهَادِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: جَاهَدْتُ فِي اللَّهِ.
وَحَقُّ الْجِهَادِ: هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقِةِ فِيهِ

جارٍ التحميل