تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 78] يَقُولُ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَسُولَنَا مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 78] يَقُولُ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَسُولَنَا مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 78] قَالَ: " الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: 78] " يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَقِّ كَارِهُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ أَبْرَمَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ أَمْرًا فَأَحْكَمُوهُ، يَكِيدُونَ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي جِئْنَاهُمْ بِهِ، فَإِنَّا مُحْكِمُونَ لَهُمْ مَا يُخْزِيهِمْ، وَيُذِلُّهُمْ مِنَ النَّكَالِ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: 79] قَالَ: " مُجْمِعُونَ: إِنْ كَادُوا شَرًّا كِدْنَا مِثْلَهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: 79] قَالَ: «أَمْ أَجْمَعُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُجْمِعُونَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: 79] قَالَ: أَمْ أَحْكَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُحْكِمُونَ لِأَمْرِنَا "

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: 80] يَقُولُ: أَمْ يَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أَنَّا لَا نَسْمَعُ مَا أَخْفَوْا عَنِ النَّاسِ مِنْ مَنْطِقِهِمْ، وَتَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ وَتَنَاجَوْا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلَا نُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ لِخَفَائِهِ عَلَيْنَا

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ مَا تَنَاجَوْا بِهِ بَيْنَهُمْ، وَأَخْفَوْهُ عَنِ النَّاسِ مِنْ سِرِّ كَلَامِهِمْ، وَحَفَظَتُنَا لَدَيْهِمْ، يَعْنِي عِنْدَهُمْ يَكْتُبُونَ مَا نَطَقُوا بِهِ مِنْ مَنْطِقٍ، وَتَكَلَّمُوا بِهِ مِنْ كَلَامِهِمْ

وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَفَرِ ثَلَاثَةٍ تَدَارَوْا فِي سَمَاعِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَلَامَ عِبَادِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ: ثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ قَالَ: " بَيْنَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيُّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيُّ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ: أَتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا؟ فَقَالَ الْأَوَّلُ: إِذَا جَهَرْتُمْ سَمِعَ، وَإِذَا أَسْرَرْتُمْ لَمْ يَسْمَعْ قَالَ الثَّانِي: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا أَعْلَنْتُمْ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَسْرَرْتُمْ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] " وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] قَالَ: «الْحَفَظَةُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] «أَيْ عِنْدَهُمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي مَعْنَى ذَلِكَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي قَوْلِكُمْ وَزَعْمِكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، فَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِكُمْ، وَالْجَاحِدِينَ مَا قُلْتُمْ مِنْ أَنَّ لَهُ وَلَدًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: 81] «كَمَا تَقُولُونَ» ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] «الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، فَقُولُوا مَا شِئْتُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينِ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ: «قُلْ إِنْ كَانَ لِلَّهِ وَلَدٌ فِي قَوْلِكُمْ، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَوَحَّدَهُ وَكَذَّبَكُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: قُلْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لَهُ بِذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] يَقُولُ: «لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الشَّاهِدِينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ نَفْي، وَمَعْنَى إِنْ الْجَحْدُ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا كَانَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ قَتَادَةُ: «وَهَذِهِ كَلِمَةٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ» ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: 81] «أَيْ إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَنْبَغِي»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ: «هَذَا الْإِنْكَافُ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، نَكَفَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» وَإِنَّ مِثْلَ «مَا» إِنَّمَا هِيَ: مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، لَيْسَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46] إِنَّمَا هِيَ: مَا كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ وَقَضَاهُ مِنْ قَضَائِهِ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ، وَ «إِنْ» هِيَ «مَا» إِنْ كَانَ مَا كَانَ تَقُولُ الْعَرَبُ: إِنْ كَانَ، وَمَا كَانَ الَّذِي تَقُولُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] أَوَّلُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ عَلَى هَذَا أَعْبُدُ اللَّهَ

حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ

ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ: «مَا كَانَ»

حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ: " هَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ مَعْرُوفٌ، إِنْ كَانَ: مَا كَانَ، إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ: مَا كَانَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى «إِنْ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ، قَالُوا: وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: لَوْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، كُنْتُ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَهُ بِذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] قَالَ: «لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ كُنْتُ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَهُ بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَلَكِنْ لَا وَلَدَ لَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْعَابِدِينَ إِلَى الْمُنْكِرِينَ الْآبِينَ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَدْ عَبَدَ فُلَانٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا أَنِفَ مِنْهُ وَغَضِبَ وَأَبَاهُ، فَهُوَ يَعْبَدُ عَبَدًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَا هَوِيَتْ أُمُّ الْوَلِيدِ وَأَصْبَحَتْ ... لِمَا أَبْصَرَتْ فِي الرَّأْسِ مِنِّي تَعَبَّدُ

وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: مَتَى مَا يَشَأْ ذُو الْوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ ... وَيَعْبَدْ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ ظَالِمَا

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ثَنِي قَالُ: ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي قُسَيْطٍ، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ، " أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَيْضًا، فَوَلَدَتْ لَهُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] وَقَالَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَبِدَ عُثْمَانُ أَنْ بَعَثَ إِلَيْهَا تُرَدَّ " قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عَبِدَ: اسْتَنْكَفَ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى: ﴿إِنْ﴾ [الزخرف: 81] الشَّرْطُ الَّذِي يَقْتَضِي الْجَزَاءَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ ﴿ «إِنْ» ﴾ [البقرة: 6] لَا تَعْدُو فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ الَّذِي يَطْلُبُ الْجَزَاءَ، أَوْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَهَبْ إِذَا وَجَّهْتَ إِلَى الْجَحْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ كَبِيرُ مَعْنًى، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى: قُلْ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، وَإِذَا صَارَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْهَمَ

أَهْلَ الْجَهْلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى بِذَلِكَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ قَبْلَ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ، ثُمَّ أُحْدِثَ لَهُ الْوَلَدُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ لَقَدَرَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أَنْ يَقُولُوا لَهُ صَدَقْتَ، وَهُوَ كَمَا قُلْتَ، وَنَحْنُ لَمْ نَزْعُمْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهُ وَلَدٌ وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، ثُمَّ خَلَقَ الْجِنَّ فَصَاهَرَهُمْ، فَحَدَثَ لَهُ مِنْهُمْ وَلَدٌ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ، وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِيَحْتَجَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مُكَذِّبِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَإِذْ كَانَ فِي تَوْجِيهِنَا «إِنْ» إِلَى مَعْنَى الْجَحْدِ مَا ذَكَرْنَا، فَالَّذِي هُوَ أَشْبَهُ الْمَعْنَيَيْنِ بِهَا الشَّرْطُ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيِّنَةٌ صِحَّةُ مَا نَقُولُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ عَابِدِيهِ بِذَلِكَ مِنْكُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ، فَأَنَا أَعْبُدُهُ بِأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى مَا قُلْنَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْإِلْطَافِ مِنَ الْكَلَامِ وَحُسْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، وَأَنَّ مُخَالِفِيهِ فِي الضُّلَّالِ الْمُبِينِ

وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَبْرِئَةً وَتَنْزِيهًا لِمَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَالِكِ الْعَرْشِ الْمُحِيطِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ

خَلْقٍ مِمَّا يَصِفُهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْكَذِبِ، وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: 82] أَيْ «يَكْذِبُونَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَذَرْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ، الْوَاصِفِيهِ بِأَنَّ لَهُ وَلَدًا يَخُوضُوا فِي بَاطِلِهِمْ، وَيَلْعُبوا فِي دُنْيَاهُمْ ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: 83] وَذَلِكَ يَوْمَ يُصْلِيهِمُ اللَّهُ بِفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: 83] قَالَ: «يَوْمُ الْقِيَامَةِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ فِي السَّمَاءِ مَعْبُودٌ، وَفِي الْأَرْضِ مَعْبُودٌ كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ مَعْبُودٌ، لَا شَيْءَ سِوَاهُ تَصْلُحُ عِبَادَتُهُ؛ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَفْرِدُوا لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ الْعِبَادَةَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] قَالَ: «يُعْبَدُ فِي السَّمَاءِ، وَيُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] «أَيْ يُعْبَدُ فِي السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ»

جارٍ التحميل