تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 542-552

وَقَوْلُهُ: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: 46] يَقُولُ: هَذِهِ الْخَمْرُ لَذَّةٍ يَلْتَذُّهَا شَارِبُوهَا

صفحات 542-552
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَقْبَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، يَقُولُ: يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 50] «أَهْلُ الْجَنَّةِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 50] قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِذَا أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: 51] فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرِينِ الَّذِي ذُكِرَ فِي

هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ الْقَرِينَ شَيْطَانًا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُولُ لَهُ: ﴿أَئِنَّكَ لِمَنِ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ [الصافات: 52] بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: 51] قَالَ: «شَيْطَانٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ الْقَرِينُ شَرِيكٌ كَانَ لَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ صَاحِبٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ﴾ [الصافات: 52] قَالَ: " هُوَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ يَكُونُ لَهُ الصَاحِبُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُشْرِكُ: إِنَّكَ لَتُصَدِّقُ بِأَنَّكَ مَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا؟ فَلَمَّا أَنْ صَارُوا إِلَى الْآخِرَةِ وَأُدْخِلَ الْمُؤْمِنُ الْحِنَةَ، وَأُدْخِلَ الْمُشْرِكُ النَّارَ، فَاطَّلَعَ الْمُؤْمِنُ، فَرَأَى صَاحِبَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56]

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: ثنا عَتَّابُ بْنُ

بَشِيرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبَهْرَانِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: 51] قَالَ: " إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا شَرِيكَيْنٍ، فَاجْتَمَعَ لَهُمَا ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا لَهُ حِرْفَةٌ، وَالْآخَرُ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ، فَقَالَ الَّذِي لَهُ حِرْفَةٌ لِلْآخَرِ: لَيْسَ لَكَ حِرْفَةٌ، مَا أَرَانِي إِلَّا مُفَارِقَكَ وَمُقَاسِمَكَ، فَقَاسَمَهُ وَفَارَقَهُ؛ ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ كَانَتْ لِمَلِكٍ قَدْ مَاتَ فَدَعَا صَاحِبَهُ فَأَرَاهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الدَّارَ ابْتَعْتُهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ؟ قَالَ: مَا أَحْسَنَهَا؛ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ صَاحِبِي هَذَا قَدِ ابْتَاعَ هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ دَارًا مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَدَعَاهُ وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا؛ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ صَاحِبِي تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ امْرَأَةً مِنَ الْحُورِ الْعَيْنِ، فَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ؛ ثُمَّ إِنَّهُ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ اشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، ثُمَّ دَعَاهُ فَأَرَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي ابْتَعْتُ هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا؛ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ صَاحِبِي قَدِ اشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ بُسْتَانَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ؛ ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَ أَتَاهُمَا فَتَوَفَّاهُمَا؛ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَذَا الْمُتَصَدِّقِ فَأَدْخَلَهُ دَارًا تُعْجِبُهُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَطْلُعُ يُضِيءُ مَا تَحْتُهَا مِنْ حُسْنِهَا، ثُمَّ أَدْخَلَهُ بُسْتَانَيْنِ وَشَيْئًا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِرَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَإِنَّهُ ذَاكَ، وَلَكَ هَذَا الْمَنْزِلُ وَالْبُسْتَانَانِ وَالْمَرْأَةُ قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ لِي صَاحِبٌ

يَقُولُ: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: 52] قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ فِي الْجَحِيمِ، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ؟ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57] الْآيَاتُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ فُرَاتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ يُقَوِّي قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ بِتَشْدِيدِ الصَادِ» بِمَعْنَى: لَمِنَ الْمُتَصَدِّقِينَ، لِأَنَّهُ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ مَا أَعْطَاهُ عَلَى الصَدَقَةِ لَا عَلَى التَّصْدِيقِ وَقِرَاءَةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ قِرَاءَتُهَا بِتَخْفِيفِ الصَادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ، بِمَعْنَى: إِنْكَارُ قَرِينِهِ عَلَيْهِ التَّصْدِيقَ أَنَّهُ يُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَتُصَدِّقُ بِأَنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ مَمَاتِكَ، وَتُجْزَى بِعَمَلِكَ، وَتُحَاسَبُ؟ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 53] وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَحِيحَةُ عِنْدَنَا الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 53] يَقُولُ: أَئِنَّا لَمُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بَعْدَ مَصِيرِنَا عِظَامًا وَلُحُومُنَا تُرَابًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 53] يَقُولُ: «أَئِنَّا لَمُجَازَوْنَ بِالْعَمَلِ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 53] «أَئِنَّا لَمُحَاسَبُونَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: 53] «مُحَاسَبُونَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ هَذَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي أُدْخِلَ الْجَنَّةَ لِأَصْحَابِهِ: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 54] فِي النَّارِ، لَعَلِّي أَرَى قَرِينِي الَّذِي كَانَ يَقُولُ لِي: إِنَّكَ

لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بِأَنَّا مَبْعُوثُونَ بَعْدَ الْمَمَاتِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] يَقُولُ: فَاطَّلَعَ فِي النَّارِ فَرَآهُ فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ فَقَالُوا: نَعَمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلُهُ: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] يَعْنِي: «فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] يَعْنِي: «فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] يَقُولُ: «فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ» حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، قَالَ: ثنا قَتَادَةُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] قَالَ: وَسَطِهَا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 54] قَالَ: " سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُطْلِعَهُ، قَالَ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] «أَيْ فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصْرِيِّ، قَالَ: " لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إِيَّاهُ مَا عَرَفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حِبْرُهُ وَسِبْرُهُ بَعْدَهُ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ اطَّلَعَ

فَرَأَى جَمَاجِمَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57]

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55] قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ عَرَّفَهُ مَا عَرَفَهُ، لَقَدْ غَيَّرَتِ النَّارُ حِبْرَهُ وَسِبْرَهُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 54] قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا: (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونِي فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) قَالَ: «فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ» وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: 54] إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا مِنْ شَوَاذِّ الْحُرُوفِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤْثِرُ فِي الْمَكْنِيِّ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِذَا اتَّصَلَ بِفَاعِلٍ عَلَى الْإِضَافَةِ فِي جَمْعٍ أَوْ تَوْحِيدٍ، لَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا أَنْتَ مُكَلِّمُنِي وَلَا أَنْتُمَا مُكَلِّمَانِي وَلَا أَنْتُمْ مُكَلِّمُونِي وَلَا مُكَلِّمُونَنِي، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ أَنْتَ مُكَلِّمِي، وَأَنْتُمَا مُكَلِّمَايَ، وَأَنْتُمْ مُكَلِّمِيَّ؛

وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ تَوَهُّمًا بِهِ: أَنْتَ تُكَلِّمُنِي، وَأَنْتُمَا تُكَلِّمَانْنِي، وَأَنْتُمْ تُكَلِّمُونَنِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] وَمَا أَدْرِي وَظَنِّي كُلَّ ظَنٍّ ... أَمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي؟ فَقَالَ: مُسْلِمُنِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَجْهُ الْكَلَامِ، بَلْ وَجْهُ الْكَلَامِ أَمُسْلِمِي؛ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ ظَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْفَاعِلِ، فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا أَضَافُوا، وَرُبَّمَا لَمْ يُضِيفُوا، فَيُقَالُ: هَذَا مُكَلِّمٌ أَخَاكَ، وَمُكَلِّمُ أَخِيكَ، وَهَذَانِ مُكَلِّمَا أَخِيكَ، وَمُكَلِّمَانِ أَخَاكَ، وَهَؤُلَاءِ مُكَلِّمُو أَخِيكَ، وَمُكَلِّمُونَ أَخَاكَ؛ وَإِنَّمَا تَخْتَارُ الْإِضَافَةِ فِي الْمَكْنِيِّ الْمُتَّصِلِ بِفَاعِلٍ لِمَصِيرِ الْحَرْفَيْنِ بِاتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ، كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ

وَقَوْلُهُ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56] يَقُولُ: فَلَمَّا رَأَى قَرِينَهُ فِي النَّارِ قَالَ: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ فِي الدُّنْيَا لَتُهْلِكُنِي بِصَدِّكَ إِيَّايَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: 56] قَالَ: " لَتُهْلِكُنِي، يُقَالُ مِنْهُ: أَرْدَى فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَهْلَكَهُ، وَرُدِّيَ فُلَانٌ: إِذَا هَلَكَ " كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: [البحر المتقارب]

أَفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَّدَى ... وَكَمْ مِنْ رَدٍّ أَهْلَهُ لَمْ يَرِمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ وَكَمْ مِنْ رَدٍّ: وَكَمْ مِنْ هَالِكٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57] يَقُولُ: وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَيَّ بِهِدَايَتِهِ، وَالتَّوْفِيقِ لِلْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ مَعَكَ فِي عَذَابِ اللَّهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57] «أَيْ فِي عَذَابِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: 57] قَالَ: «مِنَ الْمُعَذَّبِينَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَذَا الْمُؤْمِنِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا أَعْطَاهُ مِنْ كَرَامَتِهِ فِي جَنَّتِهِ سُرُورًا مِنْهُ بِمَا أَعْطَاهُ فِيهَا ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: 58] يَقُولُ: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ غَيْرَ مَوْتَتَنَا الْأُولَى فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 138] يَقُولُ: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بَعْدَ دُخُولِنَا الْجَنَّةَ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 60] يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي الْجَنَّةِ أَنَّا لَا نُعَذَّبُ وَلَا نَمُوتُ لَهُوَ النَّجَاءُ الْعَظِيمُ مِمَّا كُنَّا فِي الدُّنْيَا نَحْذَرُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَإِدْرَاكِ مَا كُنَّا

فِيهَا، نَأْمَلُ بِإِيمَانِنَا، وَطَاعَتِنَا رَبَّنَا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: 58] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 60] قَالَ: «هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِمِثْلِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي الْآخِرَةِ، فَلْيَعْمَلْ فِي الدُّنْيَا لِأَنْفُسِهِمُ الْعَامِلُونَ، لِيُدْرِكُوا مَا أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَهَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي فِي

الْجَنَّةِ، وَرَزَقْتُهُمْ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ خَيْرٌ، أَوْ مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِ النَّارِ مِنَ الزَّقُّومِ وَعَنَى بِالنُّزُلِ: الْفَضْلَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: نُزُلٌ وَنُزْلٌ؛ يُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي لَهُ رِيعٌ: هُوَ طَعَامٌ لَهُ نُزُلٌ وَنُزْلٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: 62] ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: كَيْفَ يُنْبِتُ الشَّجَرَ فِي النَّارِ، وَالنَّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: 63] يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِصِفَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 64]

جارٍ التحميل