تفسير الطبري = جامع البيانسُورَةُ الشُّعَرَاءِ

سُورَةُ الشُّعَرَاءِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَتَانِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طسم , تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ , لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا فِي ابْتِدَاءِ فَوَاتِحِ سُوَرِ الْقُرْآنِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، وَمَا انْتَزَعَ بِهِ كُلُّ قَائِلٍ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ وَمَذْهَبِهِ مِنَ الْعِلَّةِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى

بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: 1] , وَ ﴿طس﴾ [النمل: 1] ، نَظِيرَ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُمْ فِي: ﴿الم﴾ [البقرة: 1] , وَ ﴿المر﴾ [الرعد: 1] ، وَ ﴿المص﴾ [الأعراف: 1]

وَقَدْ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: 1] قَالَ: «فَإِنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ [الشعراء: 1] قَالَ: «اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ» . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْجَمِيعِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَآيَاتُ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلِهَا الَّذِي بُيِّنَ

لِمَنْ تَدَبَّرَهُ بِفَهْمٍ، وَفَكَّرَ فِيهِ بِعَقْلٍ، أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، لَمْ يَتَخَرَّصْهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَتَقَوَّلْهُ مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ أَوْحَاهُ إِلَيْهِ رَبُّهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَعَلَّكَ يَا مُحَمَّدُ قَاتِلٌ نَفْسَكَ وَمُهْلِكُهَا إِنْ لَمْ يُؤْمِنْ قَوْمُكَ بِكَ، وَيُصَدِّقُوكَ عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ , وَالْبَخْعُ: هُوَ الْقَتْلُ وَالْإِهْلَاكُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ: [البحر الطويل] أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 6] قَاتِلٌ نَفْسَكَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] قَالَ: " لَعَلَّكَ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ مُخْرِجٌ نَفْسَكَ

مِنْ جَسَدِكَ، قَالَ: ذَلِكَ الْبَخْعُ "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: 3] عَلَيْهِمْ حِرْصًا ". وَأَنْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِبَاخِعٍ، كَمَا يُقَالُ: زُرْتُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ زَارَنِي، وَهُوَ جَزَاءٌ؛ وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ أَنْ مُسْتَقْبَلًا لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِي «أَنْ» الْكَسْرَ كَمَا يُقَالُ؛ أَزُورُ عَبْدَ اللَّهِ إِنْ يَزُورَنِي.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ [الشعراء: 4] . الْآيَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَظَلَّ الْقَوْمُ الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً خَاضِعَةً أَعْنَاقُهُمْ لَهَا مِنَ الذِّلَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] قَالَ: فَظَلُّوا خَاضِعَةً أَعْنَاقُهُمْ لَهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] قَالَ: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَنَزَّلَ عَلَيْهِ آيَةً يُذَلُّونَ بِهَا، فَلَا يَلْوِي أَحَدٌ عُنُقَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ , إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ [الشعراء: 4] قَالَ: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَرَاهُمْ أَمْرًا مِنْ أَمْرِهِ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَهُ بِمَعْصِيَةٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] قَالَ: مُلْقِينَ أَعْنَاقَهُمْ "

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] قَالَ: الْخَاضِعُ: الذَّلِيلُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَظَلَّتْ سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ لِلْآيَةِ خَاضِعِينَ، وَيَقُولُ: الْأَعْنَاقُ: هُمُ الْكُبَرَاءُ مِنَ النَّاسِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ تَذْكِيرِ خَاضِعِينَ، وَهُوَ خَبَرٌ عَنِ الْأَعْنَاقِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: يَزْعُمُونَ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ [الرعد: 5] عَلَى الْجَمَاعَاتِ، نَحْوُ: هَذَا عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ كَثِيرٌ، أَوْ ذُكَّرَ كَمَا يُذَكَّرُ بَعْضُ الْمُؤَنَّثِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] تَمَزَّزْتُهَا وَالدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ ... إِذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا

فَجَمَاعَاتُ هَذَا أَعْنَاقٌ، أَوْ يَكُونَ ذَكَّرَهُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُذَكِّرِ كَمَا يُؤَنَّثُ لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْمُؤَنَّثِ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: [البحر الطويل] وَنَشْرَقُ بِالْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وَقَالَ الْعَجَّاجُ: [البحر الرجز] لَمَّا رَأَى مَتْنَ السَّمَاءِ أَبْعَدَتْ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: [البحر الطويل] إِذَا الْقُنْبُضَاتُ السُّودُ طَوَّفْنَ بِالضُّحَى ... رَقَدْنَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَالُ الْمُسَجَّفُ وَقَالَ الْأَعْشَى: وَإِنَّ امْرَأً أَهْدَى إِلَيْكِ وَدُونَهُ ... مِنَ الْأَرْضِ يَهْمَاءٌ وَبَيْدَاءُ خَيْفَقُ لَمَحْقُوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ ... وَأَنْ تَعْلَمِي أَنَّ الْمُعَانَ الْمُوَفَّقُ قَالَ: وَيَقُولُونَ: بَنَاتُ نَعْشٍ وَبَنُو نَعْشٍ، وَيُقَالُ: بَنَاتُ عِرْسٍ، وَبَنُو عِرْسٍ؛ وَقَالَتِ امْرَأَةٌ: أَنَا امْرُؤٌ لَا أُخْبِرُ السِّرَّ، قَالَ: وَذُكِرَ لِرَؤْبَةَ رَجُلٌ فَقَالَ: هُوَ كَانَ أَحَدُ

بَنَاتِ مَسَاجِدِ اللَّهِ، يَعْنِي الْحَصَى.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] تَرَى أَرْمَاحَهُمْ مُتَقَلِّدِيهَا ... إِذَا صَدِئَ الْحَدِيدُ عَلَى الْكُمَاةِ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ خَاضِعِيهَا هُمْ، كَمَا يُقَالُ: يَدُكَ بَاسِطُهَا، بِمَعْنَى: يَدُكَ بَاسِطُهَا أَنْتَ، فَاكْتَفَى بِمَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنَ الِاسْمِ أَنْ يَكُونَ، فَصَارَ الْفِعْلُ كَأَنَّهُ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ لِلثَّانِي، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَمَحْقُوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ إِنَّمَا هُوَ لَمَحْقُوقَةٌ أَنْتِ، وَالْمَحْقُوقَةُ: النَّاقَةُ، إِلَّا أَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمَرْءِ لِمَا عَادَ بِالذِّكْرِ.
وَكَانَ آخَرُ مِنْهُمْ يَقُولُ: الْأَعْنَاقُ: الطَّوَائِفُ، كَمَا يُقَالُ: رَأَيْتُ النَّاسَ إِلَى فُلَانٍ عُنُقًا وَاحِدَةً، فَيُجْعَلُ الْأَعْنَاقُ الطَّوَائِفَ وَالْعَصَبَ؛ وَيَقُولُ: يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْأَعْنَاقُ هُمُ السَّادَّةُ وَالرِّجَالُ الْكُبَرَاءُ، فَيَكُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ.
فَظَلَّتْ رُءُوسُ الْقَوْمِ وَكُبَرَاؤُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ، وَقَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَعْنَاقَ إِذَا خَضَعَتْ فَأَرْبَابُهَا خَاضِعُونَ، فَجَعَلْتُ الْفِعْلَ أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ، ثُمَّ جَعَلْتُ خَاضِعِينَ لِلرِّجَالِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل]

عَلَى قَبْضَةٍ مَرْجُوَّةٍ ظَهْرُ كَفِّهِ ... فَلَا الْمَرْءُ مُسْتَحْيٍ وَلَا هُوَ طَاعِمُ فَأَنَّثَ فِعْلَ الظَّهْرِ لِأَنَّ الْكَفَّ تَجْمَعُ الظَّهْرَ، وَتَكْفِي مِنْهُ، كَمَا أَنَّكَ تَكْتَفِي بِأَنْ تَقُولَ: خَضَعْتُ لَكَ، مِنْ أَنْ تَقُولَ: خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتِي، وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: كُلُّ ذِي عَيْنٍ نَاظِرٌ وَنَاظِرَةٌ إِلَيْكَ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: نَظَرَتْ إِلَيْكَ عَيْنِي، وَنَظَرْتُ إِلَيْكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِتَرْكِ كُلٍّ، وَلَهُ الْفِعْلُ وَبِرَدِّهِ إِلَى الْعَيْنِ، فَلَوْ قُلْتَ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعَةٌ، كَانَ صَوَابًا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأَعْنَاقُ هِيَ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ ذَلِيلَةٌ، لِلْآيَةِ الَّتِي يُنَزِّلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «خَاضِعِينَ» مُذَكَّرًا، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي الْأَعْنَاقِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ جَرِيرٍ: [البحر الوافر] أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَرَّ لَوْ أُسْقِطَ مِنَ الْكَلَامِ لِأَدِيَ مَا بَقِيَ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهُ وَلَمْ يُفْسِدْ سُقُوطُهُ مَعْنَى الْكَلَامِ عَمَّا كَانَ بِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُسْقِطَتِ الْأَعْنَاقُ مِنْ قَوْلِهِ: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَأَدَّى مَا بَقِيَ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّجَالَ إِذَا ذُلُّوا، فَقَدْ ذَلَّتْ رِقَابُهُمْ، وَإِذَا ذَلَّتْ رِقَابُهُمْ فَقَدْ ذَلُّوا.
فَإِنْ قِيلَ فِي الْكَلَامِ: فَظَلُّوا لَهَا خَاضِعِينَ، كَانَ الْكَلَامُ غَيْرُ فَاسِدٍ، لِسُقُوطِ الْأَعْنَاقِ، وَلَا مُتَغَيِّرٌ مَعْنَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ سُقُوطِهَا، فَصَرَفَ الْخَبَرَ بِالْخُضُوعِ إِلَى أَصْحَابِ الْأَعْنَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْأَعْنَاقِ لِمَا قَدْ جَرَى بِهِ اسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهِمْ، إِذَا كَانَ الِاسْمُ الْمُبْتَدَأُ بِهِ، وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يُؤَدِّي الْخَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يَجِيءُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ وَيَجْحَدُونَ مَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ مِنْ تَذْكِيرٍ وَتَنْبِيهٍ عَلَى مَوَاضِعِ حُجَجِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى صِدْقِكَ وَحَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِمَّا

يُحْدِثُهُ اللَّهُ إِلَيْكَ وَيُوحِيهِ إِلَيْكَ لِتُذَكِّرَهُمْ بِهِ إِلَّا أَعْرَضُوا عَنِ اسْتِمَاعِهِ، وَتَرَكُوا إِعْمَالَ الْفِكْرِ فِيهِ وَتَدَبُّرَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَدْ كَذَّبَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِالذِّكْرِ الَّذِي أَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَعْرَضُوا عَنْهُ ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: 6] يَقُولُ: فَسَيَأْتِيهِمْ أَخْبَارُ الْأَمْرِ الَّذِي كَانُوا يَسْخَرُونَ، وَذَلِكَ

وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنَّهُ مُحِلٌّ بِهِمْ عِقَابَهُ عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي كُفْرِهِمْ، وَتَمَرُّدِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ وَالنَّشْرُ إِلَى الْأَرْضِ، كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَيْتَةً لَا نَبَاتَ فِيهَا ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] يَعْنِي بِالْكَرِيمِ: الْحَسَنَ، كَمَا يُقَالُ لِلنَّخْلَةِ

الطَّيِّبَةِ الْحَمْلِ: كَرِيمَةٌ، وَكَمَا يُقَالُ لِلشَّاةِ أَوِ النَّاقَةِ إِذَا غَزَرَتَا فَكَثُرَتْ أَلْبَانُهُمَا: نَاقَةٌ كَرِيمَةٌ، وَشَاةٌ كَرِيمَةٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثني أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] قَالَ: مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، مِمَّا تَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7] قَالَ: حَسَنٌ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ , وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِنْبَاتِنَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ لَآيَةً.
يَقُولُ: لَدَلَالَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا أَنَبْتَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ

ذَلِكَ النَّبَاتَ بَعْدَ جُدُوبِهَا لَنْ يُعْجِزَهُ أَنْ يَنْشُرَ بِهَا الْأَمْوَاتَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورَهُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 8] يَقُولُ: وَمَا كَانَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ يَا مُحَمَّدُ بِمُصَدِّقِيكَ عَلَى مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ

الذِّكْرِ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلَا يُؤْمِنُ بِكَ أَكْثَرُهُمْ لِلسَّابِقِ مِنْ عِلْمِي فِيهِمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 9] يَقُولُ: وَإِنَّ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ لَهُوَ الْعَزِيزُ فِي نِقْمَتِهِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنِّي إِنْ أَحْلَلْتُ بِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ الْمُعْرِضِينَ عَمَّا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرِ مَنْ عِنْدِي عُقُوبَتِي بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ، فَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنِّي مَانِعٌ،

لِأَنِّي أَنَا الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، يَعْنِي أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ بِمَنْ تَابَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ كُفْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ جُرْمِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ

وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، مَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ فِي الشُّعَرَاءِ مِنْ قَوْلِهِ (عَزِيزٌ رَحِيمٌ) فَهُوَ مَا أُهْلِكَ مِمَّنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ، يَقُولُ عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِنْ أَعْدَائِهِ، رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَنْجَاهُمْ مِمَّا أَهْلَكَ بِهِ أَعْدَاءَهُ» . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 9] عُقَيْبَ وَعِيدِ اللَّهِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ، لَمْ يَكُونُوا أُهْلِكُوا، فَيُوَجَّهُ إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ وَإِهْلَاكِهِ.
وَلَعَلَّ ابْنَ جُرَيْجٍ بِقَوْلِهِ هَذَا أَرَادَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عُقَيْبَ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ إِهْلَاكِهِ مَنْ أَهْلَكَ مِنَ الْأُمَمِ، وَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا كَانَ عُقَيْبُ خَبَرِهِمْ كَذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ , قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 11]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: 10] يَعْنِي الْكَافِرِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ، وَنَصْبُ الْقَوْمِ الثَّانِي تَرْجَمَةً عَنِ الْقَوْمِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 11] يَقُولُ: أَلَا يَتَّقُونَ عِقَابَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ فَقُلْ لَهُمْ: أَلَا يَتَّقُونَ.
وَتَرَكَ إِظْهَارَ فَقُلْ لَهُمْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: أَلَا يَتَّقُونَ بِالْيَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ أَلَا تَتَّقُونَ بِالتَّاءِ، لِأَنَّ التَّنْزِيلَ كَانَ قَبْلَ الْخَطَّابِ، وَلَوْ جَاءَتِ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بِالتَّاءِ كَانَ صَوَابًا، كَمَا قِيلَ: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَيُغْلَبُونَ) وَ ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: 12]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ , وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ , وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ [الشعراء: 12] مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أَمَرْتَنِي أَنْ آتِيَهُمْ ﴿أَنْ يُكَّذِّبُونِ﴾ [الشعراء: 12] بِقِيلِي لَهُمْ: إِنَّكَ أَرْسَلَتْنِي إِلَيْهِمْ.

﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: 13] مِنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ إِنْ كَذَّبُونِي.
وَرَفَعَ قَوْلَهُ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: 13] عَطْفًا بِهِ عَلَى أَخَافُ، وَبِالرَّفْعِ فِيهِ قَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَمَعْنَاهُ: وَإِنِّي يَضِيقُ صَدْرِي.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: 13] يَقُولُ: وَلَا يَنْطَلِقُ بِالْعِبَارْةِ عَمَّا تُرْسِلُنِي بِهِ إِلَيْهِمْ، لِلْعِلَّةِ الَّتِي كَانَتْ بِلِسَانِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: 13] كَلَامٌ مَعْطُوفٌ بِهِ عَلَى يَضِيقُ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء: 13] يَعْنِي هَارُونَ أَخَاهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَرْسِلْ إِلَيَّ هَارُونَ لِيُؤَازِرَنِي وَلِيُعِينَنِي، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَى الْكَلَامِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَوْ نَزَلَتْ بِنَا نَازِلَةٌ لَفَزَعْنَا إِلَيْكَ، بِمَعْنَى: لَفَزَعْنَا إِلَيْكَ لِتُعِينَنَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14] يَقُولُ: وَلِقَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلَيَّ دَعْوَى ذَنْبٍ أَذْنَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ قَتْلُهُ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلَهَا مِنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثني عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَ﴾ [سورة: الشعراء، آية رقم: 14] قَالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ مِنْهُمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «قَتْلُ مُوسَى النَّفْسَ»

قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14] قَالَ: قَتْلُ النَّفْسِ "

جارٍ التحميل