الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183] «كَانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ، فَإِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْهُ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: 183] «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَتُقُبِّلَتْ مِنْهُ بَعَثَ اللَّهُ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ عَلَى الْقُرْبَانِ فَأَكَلَتْهُ» فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: 183] يَعْنِي: بِالْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وَحَقِيقَةِ قَوْلِهِمْ؛ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: 183] يَعْنِي: وَبِالَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِهِ لَزِمَكُمْ تَصْدِيقُهُ، وَالْإِقْرَارُ بِنُبُوَّتِهِ مِنْ أَكْلِ النَّارِ قُرْبَانَهُ إِذَا قُرِّبَ لِلَّهِ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ؛ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183] يَقُولُ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَتْكُمُ الرُّسُلُ الَّذِي كَانُوا مِنْ قَبْلِي بِالَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلْتُمُوهُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الَّذِي جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ حُجَّةً لَهُمْ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ أَتَاكُمْ مِنْ رُسُلِهِ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حُجَّةً لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ؟ وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَنْ يَفِرُّوا، وَأَنْ يَكُونُوا فِي كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ صَادِقًا مُحِقًّا، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي عَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ أَنَّهَ
رَسُولُهُ إِلَى خَلْقِهِ، مَفْرُوضَةٌ طَاعَتُهُ إِلَّا كَمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ بَعْدَ قَطْعِ اللَّهِ عُذْرَهُمْ بِالْحُجَجِ الَّتِي أَيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي أَبَانَ صِدْقَهُمْ بِهَا، افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَاسْتِخْفَافًا بِحِقُوقِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ وَهَذَا تَعْزِيَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي كَانَ يَنَالُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: لَا يَحْزُنْكَ
يَا مُحَمَّدُ كَذِبَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَافْتِرَاؤُهُمْ عَلَى رَبِّهِمُ اغْتِرَارًا بِإِمْهَالِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ، وَادِّعَاؤُهُمُ الْأَبَاطِيلَ مِنْ عُهُودِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِكَ فَكَذَّبُوكَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، فَقَدْ كَذَّبَتْ أَسْلَافُهُمْ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ قَبْلَكَ مَنْ جَاءَهُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ الْعُذْرَ، وَالْأَدِلَّةِ الْبَاهِرَةِ الْعَقْلَ، وَالْآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ الْخَلْقَ، وَذَلِكَ هُوَ الْبَيِّنَاتُ، وَأَمَّا الزُّبُرُ: فَإِنَّهُ جَمْعُ زَبُورٍ: وَهُوَ الْكِتَابُ، وَكُلُّ كِتَابٍ فَهُوَ زَبُورٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: [البحر الطويل] لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ فِي عَسِيبِ يَمَانِي وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَذَّبَتْ عِيسَى وَمَا جَاءَ بِهِ وَحَرَّفَتْ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَدَّلَتْ عَهْدَهُ إِلَيْهِمْ فِيهِ،
وَأَنَّ النَّصَارَى جَحَدَتْ مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ نَعْتِهِ وَغَيَّرَتْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي أَمْرِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184] فَإِنَّهُ يَعْنِي: الَّذِي يُنِيرُ فَيُبَيِّنُ الْحَقَّ لِمَنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ وَيُوَضِّحُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ النُّورِ وَالْإِضَاءَةِ، يُقَالُ: قَدْ أَنَارَ لَكَ هَذَا الْأَمْرُ، بِمَعْنَى: أَضَاءَ لَكَ وَتَبَيَّنَ، فَهُوَ يُنِيرُ إِنَارَةً، وَالشَّيْءُ الْمُنِيرُ
وَقَدْ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: 184] قَالَ: «يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: 184] قَالَ: «يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَهَذَا الْحَرْفُ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ [آل عمران: 184] بِغَيْرِ بَاءٍ، وَهُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ: (وَبِالزُّبُرِ) بِالْبَاءِ مِثْلَ الَّذِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]
يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مَصِيرَ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ الْمُكَذِّبِينَ بِرَسُولِهِ، الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ، وَأَخْبَرَ عَنْ جَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، وَمَصِيرِ غَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَمَرْجِعِ جَمِيعِهِمْ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَتَّمَ الْمَوْتَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، وَافْتِرَاءُ مَنِ افْتَرَى عَلَيَّ، فَقَدْ كُذِّبَ قَبْلَكَ رُسُلٌ جَاءُوا مِنَ الْآيَاتِ وَالْحُجَجِ مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ بِمِثْلِ الَّذِي جِئْتَ مَنْ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ، فَلَكَ فِيهِمْ أُسْوَةٌ تَتَعَزَّى بِهِمْ، وَمَصِيرُ مَنْ كَذَّبَكَ، وَافْتَرَى عَلَيَّ وَغَيْرِهِمْ، وَمَرْجِعُهُمْ إِلَيَّ، فَأُوَفِّيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنْهُمْ جَزَاءَ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185] يَعْنِي أُجُورَ أَعْمَالِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: 185] ، يَقُولُ: فَمَنْ نُحِّيَ عَنِ النَّارِ وَأُبْعِدَ مِنْهَا ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185] يَقُولُ: فَقَدْ نَجَا وَظَفِرَ بِحَاجَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: فَازَ فُلَانٌ بِطِلْبَتِهِ يَفُوزُ فَوْزًا وَمَفَازًا وَمَفَازَةً: إِذَا ظَفِرَ بِهَا.
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَمَنْ نُحِّيَ عَنِ النَّارِ فَأُبْعِدَ مِنْهَا، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَقَدْ نَجَا وَظَفِرَ بِعَظِيمِ الْكَرَامَةِ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] يَقُولُ: وَمَا لَذَّاتُ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتُهَا، وَمَا فِيهَا مِنْ زِينَتِهَا وَزَخَارِفِهَا، إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، يَقُولُ: إِلَّا مُتْعَةٌ يُمَتِّعُكُمُوهَا الْغُرُورُ وَالْخِدَاعُ الْمُضْمَحِلُّ، الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ الِامْتِحَانِ، وَلَا صِحَّةَ لَهُ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ، فَأَنْتُمْ تَلْتَذُّونَ بِمَا مَتَّعَكُمُ الْغُرُورُ مِنْ دُنْيَاكُمْ، ثُمَّ هُوَ عَائِدٌ عَلَيْكُمْ بِالْفَجَائِعِ وَالْمَصَائِبِ وَالْمَكَارِهِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْهَا فِي غُرُورٍ تُمَتَّعُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ عَنْهَا بَعْدَ قَلِيلٍ رَاحِلُونَ
وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا
جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] قَالَ: «كَزَادِ الرَّاعِي، تُزَوِّدُهُ الْكَفَّ مِنَ التَّمْرِ، أَوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ، أَوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ» فَكَأَنَّ ابْنَ سَابِطٍ ذَهَبَ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعٌ قَلِيلٌ، لَا يُبَلِّغُ مَنْ تَمَتُّعُهُ وَلَا يَكْفِيهِ لِسَفَرِهِ.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ هُوَ مَا قُلْنَا، لِأَنَّ الْغُرُورَ إِنَّمَا هُوَ الْخِدَاعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِصَرْفِهِ إِلَى مَعْنَى الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا وَصَاحِبُهُ مِنْهُ فِي غَيْرِ خِدَاعٍ وَلَا غُرُورٍ؛ وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي غُرُورٍ فَلَا الْقَلِيلُ يَصِحُّ لَهُ وَلَا الْكَثِيرُ مِمَّا هُوَ مِنْهُ فِي غُرُورٍ.
وَالْغُرُورُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: غَرَّنِي فُلَانٌ، فَهُوَ يَغُرُّنِي غُرُورًا بِضَمِّ الْغَيْنِ؛ وَأَمَّا إِذَا فُتِحَتُ الْغَيْنُ مِنَ الْغُرُورِ فَهُوَ صِفَةٌ لِلشَّيْطَانِ الْغَرُورِ الَّذِي يَغُرُّ ابْنَ آدَمَ حَتَّى يُدْخِلَهُ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِيمَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عُقُوبَتَهُ
وَقَدْ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمُ﴾ [آل عمران: 186] لَتُخْتَبَرُنَّ بِالْمَصَائِبِ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: وَبِهَلَاكِ
الْأَقْرِبَاءِ وَالْعَشَائِرِ مِنْ أَهْلِ نُصْرَتِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: 186] يَعْنِي: مِنَ الْيَهُودِ وَقَوْلِهِمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181] وَقَوْلِهِمْ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة: 96] يَعْنِي النَّصَارَى، ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186] وَالْأَذَى مِنَ الْيَهُودِ مَا ذَكَرْنَا، وَمِنَ النَّصَارَى قَوْلُهُمْ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: 120] يَقُولُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا لِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ وَتَتَّقُوا، يَقُولُ: وَتَتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ، فَتَعْمَلُوا فِي ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ.
﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] يَقُولُ: فَإِنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى مِمَّا عَزَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَزَلَ فِي فِنْحَاصٍ الْيَهُودِيِّ سَيِّدِ بَنِي قَيْنُقَاعَ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِي فِنْحَاصٍ الْيَهُودِيِّ سَيِّدِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ
رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى فِنْحَاصٍ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ» فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ بِالسَّيْفِ، فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: قَدِ احْتَاجَ رَبُّكُمْ أَنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ» فَكَفَّ؛ وَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 180] وَمَا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي بَنِي قَيْنُقَاعٍ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: 184] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186] قَالَ: أَعْلَمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ سَيَبْتَلِيَهُمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ صَبْرُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: 186] يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186] فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْمَعُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَوْلَهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْصِبُونَ لَهُمُ الْحَرْبَ، وَيَسْمَعُونَ إِشْرَاكَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزَمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] يَقُولُ: «مِنَ الْقُوَّةِ مِمَّا عَزَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَشَبَّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمْنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186] قَالَ: " هُوَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَكَانَ يُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي شَعْرِهِ، وَيَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْسٍ، فَأَتَوْهُ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ بِالْعَوَالِي؛ فَلَمَّا رَآهُمْ ذُعِرَ مِنْهُمْ، فَأَنْكَرَ شَأْنَهُمْ، وَقَالُوا: جِئْنَاكَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فَلْيَدْنُ إِلَيَّ بَعْضُكُمْ، فَلْيُحَدِّثني بِحَاجَتِهِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: جِئْنَاكَ لِنَبِيعَكَ أَدْرَاعًا عِنْدَنَا لِنَسْتَنْفِقَ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ جُهِدْتُمْ مُنْذُ نَزَلَ بِكُمْ هَذَا الرَّجُلُ فَوَاعَدُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ عِشَاءً حِينَ هَدَأَ عَنْهُمُ النَّاسُ، فَأَتَوْهُ، فَنَادَوْهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا طَرَقَكَ هَؤُلَاءِ سَاعَتَهُمْ هَذِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تُحِبُّ، قَالَ: إِنَّهُمْ حَدَّثُونِي بِحَدِيثِهِمْ وَشَأْنِهِمْ "
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَكَلَّمَهُمْ، فَقَالَ: «أَتُرْهِنُونِي أَبْنَاءَكُمْ؟ وَأَرَادُوا أَنْ يَبِيعَهُمْ تَمْرًا» قَالَ: فَقَالُوا إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ تُعَيَّرَ أَبْنَاؤُنَا فَيُقَالَ هَذَا رَهِينَةُ وَسْقٍ، وَهَذَا رَهِينَةُ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: «أَتُرْهِنُونِي نِسَاءَكُمْ؟» قَالُوا: أَنْتَ أَجْمَلُ النَّاسِ، وَلَا نَأْمَنُكَ، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَمْتَنِعُ مِنْكَ لِجَمَالِكَ؟ وَلَكِنَّا نُرْهِنُكَ سِلَاحَنَا، فَقَدْ عَلِمْتَ حَاجَتِنَا إِلَى السِّلَاحِ الْيَوْمَ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِسِلَاحِكُمْ، وَاحْتَمِلُوا مَا شِئْتُمْ» قَالُوا: فَانْزِلْ إِلَيْنَا نَأْخُذْ عَلَيْكَ، وَتَأْخُذْ عَلَيْنَا، فَذَهَبَ يَنْزِلُ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ: أَرْسِلْ إِلَى أَمْثَالِهِمْ مِنْ قَوْمِكَ يَكُونُوا مَعَكَ، قَالَ: «لَوْ وَجَدَنِي هَؤُلَاءِ نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي» قَالَتْ: فَكَلِّمْهُمْ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ يَفُوحُ رِيحُهُ، قَالُوا: مَا هَذِهِ الرِّيحُ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: «هَذَا عِطْرُ أُمِّ فُلَانٍ امْرَأَتِهِ» فَدَنَا إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَشُمُّ رَائِحَتَهُ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلُوا عَدُوَّ اللَّهِ، فَطَعَنَهُ أَبُو عَبْسٍ فِي خَاصِرَتِهِ، وَعَلَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ رَجَعُوا.
فَأَصْبَحَتِ الْيَهُودُ مُذْعُورِينَ، فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: قُتِلَ سَيِّدُنَا غِيلَةً، فَذَكَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنِيعَهُ، وَمَا كَانَ يَحُضُّ عَلَيْهِمْ، وَيُحَرِّضُ فِي قِتَالِهِمْ، وَيُؤْذِيهِمْ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ صُلْحًا، فَقَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ مَعَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاذْكُرْ أَيْضًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ،
لَيُبَيِّنُنَّ لِلنَّاسِ أَمْرَكَ الَّذِي أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ عَلَى بَيَانِهِ لِلنَّاسِ فِي كِتَابِهِمُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَأَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ بِالْحَقِّ، وَلَا يَكْتُمُونَهُ، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187] يَقُولُ فَتَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ
وَضَيَّعُوهُ، وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَكَتَمُوا أَمْرَكَ، وَكَذَّبُوا بِكَ ﴿وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] يَقُولُ وَابْتَاعُوا بِكِتْمَانِهِمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنْ لَا يَكْتُمُوهُ مِنْ أَمْرِ نُبُوَّتِكَ، عِوَضًا مِنْهُ، خَسِيسًا قَلِيلًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، ثُمَّ ذَمَّ جَلَّ ثَنَاؤهُ شِرَاءَهُم مَّا اشْتَرُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا الْيَهُودُ خَاصَّةً
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188] «يَعْنِي فِنْحَاصَ وَأَشْيَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) «كَانَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ» وَقَالَ: ﴿اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158] « فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ» : ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أَوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونَ﴾ [البقرة: 40] " عَاهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ حِينَ بَعَثَ مُحَمَّدًا: صِدِّقُوهُ وَتَلْقَوْنَ الَّذِي أَحْبَبْتُمْ عِنْدِي "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 187] الْآيَةَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ الْيَهُودِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، قَالَ: سَأَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ جُلَسَاءَهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 187] فَقَامَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أَهْلِ الْكِتَابِ يَهُودَ (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) قَالَ: «وَكَانَ فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ مَنْ أُوتِيَ عِلْمًا بِأَمْرِ الدِّينِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) الْآيَةَ " هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْعِلْمِ هَلَكَةٌ، وَلَا يَتَكَلَّفَنَّ رَجُلٌ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، كَانَ يُقَالُ: مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُقَالُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ، وَمَثَلُ حِكْمَةٍ لَا تَخْرُجُ كَمَثَلِ صَنَمٍ قَائِمٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ " وَكَانَ يُقَالُ: طُوبَى لِعَالِمٍ نَاطِقٍ، وَطُوبَى لِمُسْتَمِعٍ وَاعٍ.
هَذَا رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَعَلَّمَهُ وَبَذَلَهُ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَرَجُلٌ سَمِعَ خَيْرًا فَحَفِظَهُ وَوَعَاهُ، وَانْتَفَعَ بِهِ
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكُمْ كَعْبًا يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ، وَيُبَشِّرُكُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ فِيكُمْ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: «وَأَنْتَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ وَهُوَ يَهُودِيُّ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بِنَحْوِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَكَعْبٍ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَلَى قَوْمِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ثني يَحْيَى بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِيثَاقَهُمْ» قَالَ: «مِنَ النَّبِيِّينَ عَلَى قَوْمِهِمْ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرءُونَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ [آل عمران: 187] الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ» قَالَ: فَقَالَ: «أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَلَى قَوْمِهِمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)
فَإِنَّهُ كَمَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ، قَالَ: ثنا أَبُو نَعَامَةَ السَّعْدِيُّ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) لَيَتَكَلَّمُنَّ بِالْحَقِّ وَلَيُصَدِّقُنَّهُ بِالْعَمَلِ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] بِالتَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عُظْمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبِ، بِمَعْنَى: قَالَ لَهُمْ: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) بِالْيَاءِ جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي وَقْتِ إِخْبَارِ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ عَنْهُمْ كَانُوا غَيْرَ مَوْجُودِينَ، فَصَارَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ.
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَةٌ وُجُوهُهُمَا، مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْإِسْلَامِ، غَيْرَ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعَانِي، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) بِالْيَاءِ جَمِيعًا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: 187] أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ عَلَى سَبِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذَوهُ﴾ [آل عمران: 187] حَتَّى يَكُونَ مُتَّسِقًا كُلُّهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَمِثَالٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الْخِطَابِ لَكَانَ أَنْ يُقَالَ: فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ: فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187] فَإِنَّهُ مَثَلٌ لِتَضْيِيعِهِمُ الْقِيَامَ بِالْمِيثَاقِ، وَتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187] قَالَ: «إِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَقْرَءُونَهُ إِنَّمَا نَبَذُوا الْعَمَلَ بِهِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187] قَالَ: «نَبَذُوا الْمِيثَاقَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187] قَالَ: «قَذَفُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَخْذِهِمْ مَا أَخَذُوا عَلَى كِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ وَتَحْرِيفِهِمُ الْكِتَابَ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] «أَخَذُوا طُمْعًا، وَكَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187] يَقُولُ: فَبِئْسَ الشِّرَاءُ يَشْتَرُونَ فِي تَضْيِيعِهِمُ الْمِيثَاقَ وَتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي