تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 678-692

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾

صفحات 678-692
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلُّ﴾ [البقرة: 265] " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ، يَقُولُ: لَيْسَ لِخَيْرِهِ خُلْفٌ، كَمَا لَيْسَ لَخَيْرِ هَذِهِ الْجَنَّةِ خُلْفٌ عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِمَّا وَابِلٌ، وَإِمَّا طَلٌّ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «هَذَا مَثَلُ مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: 265] وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ قَدْ مَضَى؟ قِيلَ: يُرَادُ فِيهِ: كَانَ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَابِلُ أَصَابَهَا، أَصَابَهَا طَلٌّ، وَذَلِكَ فِي الْكَلَامِ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَبَسْتُ فَرَسَيْنِ، فَإِنْ لَمْ أَحْبِسِ اثْنَيْنِ فَوَاحِدًا بِقِيمَتِهِ، بِمَعْنَى: إِلَّا أَكُنْ، لَا بُدُّ مِنْ إِضْمَارِ «كَانَ» ؛

لِأَنَّهُ خَبَرٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ... وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهَا بُدَّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا النَّاسُ فِي نَفَقَاتِكُمُ الَّتِي تُنْفِقُونَهَا بَصِيرٌ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا شَيْءٌ يَعْلَمُ مَنِ الْمُنْفِقُ مِنْكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى وَالْمُنَفِّقُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَتَثْبِيتًا مِنْ نَفْسِهِ،

فَيُحْصِي عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ جَزَاءَهُ عَلَى عَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهَذَا الْقَوْلِ جَلَّ ذِكْرُهُ التَّحْذِيرَ مِنْ عِقَابِهِ فِي النَّفَقَاتِ الَّتِي يُنْفِقُهَا عِبَادُهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، أَوْ يُفَرِّطُ فِيمَا قَدْ أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ وَمَسْمَعٍ، يَعْلَمُهُ وَيُحْصِيهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ لِخَلْقِهِ بِالْمِرْصَادِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
. .﴾ [البقرة: 266] الْآيَةَ

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: 266] أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَعْنِي بُسْتَانًا مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَعْنِي مِنْ تَحْتِ الْجَنَّةِ وَلَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ [البقرة: 102] عَائِدَةٌ عَلَى أَحَدٍ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي: ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] عَلَى الْجَنَّةِ، ﴿وَأَصَابَهُ﴾ [البقرة: 266] يَعْنِي وَأَصَابَ أَحَدَكُمُ الْكِبَرُ، ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ [البقرة: 266] وَإِنَّمَا جَعَلَ جَلَّ ثناؤُهُ الْبُسْتَانَ مِنَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ، الَّذِي قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَثَلًا لِنَفَقَةِ الْمُنَافِقِ الَّتِي يُنْفِقُهَا رِيَاءَ النَّاسِ، لَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَالنَّاسُ بِمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ صَدَقَتِهِ، وَإِعْطَائِهِ لِمَا يُعْطَى وَعَمَلِهِ الظَّاهِرِ، يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَيَحْمَدُونَهُ بِعَمَلِهِ ذَلِكَ أَيَّامَ حَيَاتِهِ فِي حُسْنِهِ كَحُسْنِ الْبُسْتَانِ وَهِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعَمَلِهِ مَثَلًا مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ، لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ ذَلِكَ الَّذِي يَعْمَلُهُ فِي الظَّاهِرِ فِي الدُّنْيَا لَهُ فِيهِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ عَاجِلِ الدُّنْيَا، يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَدَمِهِ وَمَالِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَيَكْتَسِبُ بِهِ الْمَحْمَدَةَ وَحُسْنَ الثَّنَاءِ عِنْدَ النَّاسِ، وَيَأْخُذُ بِهِ سَهْمَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَكْثُرُ إِحْصَاؤُهَا، فَلَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا، كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثناؤُهُ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ مَثَلًا بِعَمَلِهِ، بِأَنَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ [البقرة: 266] يَعْنِي أَنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ أَصَابَهُ

الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ أَطْفَالٌ، ﴿فَأَصَابَهَا﴾ [البقرة: 266] يَعْنِي فَأَصَابَ الْجَنَّةَ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ جَنَّتَهُ تِلْكَ أَحْرَقَتْهَا الرِّيحُ الَّتِي فِيهَا النَّارُ فِي حَالِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا، وَضَرُورَتِهِ إِلَى ثَمَرَتِهَا بِكِبْرِهِ وَضَعْفِهِ عَنْ عِمَارَتِهَا، وَفِي حَالِ صِغَرِ وَلَدِهِ وَعَجُزِهِ عَنْ إِحْيَائِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا، فَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ، أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَى جَنَّتِهِ وَثِمَارِهَا بِالْآفَةِ الَّتِي أَصَابَتْهَا مِنَ الْإِعْصَارِ الَّذِي فِيهِ النَّارُ، يَقُولُ: فَكَذَلِكَ الْمُنْفِقُ مَالَهُ رِيَاءَ النَّاسِ، أَطْفَأَ اللَّهُ نُورَهُ، وَأَذْهَبَ بَهَاءَ عَمَلِهِ، وَأَحْبَطَ أَجْرَهُ حَتَّى لَقِيَهُ، وَعَادَ إِلَيْهِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَى عَمَلِهِ، حِينَ لَا مُسْتَعْتَبَ لَهُ وَلَا إِقَالَةَ مِنْ ذُنُوبِهِ وَلَا تَوْبَةَ، وَاضْمَحَلَّ عَمَلُهُ كَمَا احْتَرَقَتِ الْجَنَّةُ الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثناؤُهُ صِفَتَهَا عِنْدَ كِبَرِ صَاحِبِهَا وَطُفُولَةِ ذُرِّيَّةِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا فَبَطُلَتْ مَنَافِعُهَا عَنْهُ.
وَهَذَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ رِيَاءَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَظِيرُ الْمَثَلِ الْآخَرِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانَ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264] وَقَدْ تَنَازَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، إِلَّا أَنَّ مَعَانِيَ قَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ تَصَارِيفُهُمْ فِيهَا عَائِدَةٌ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَأَحْسَنُهُمْ إِبَانَةً لِمَعْنَاهَا وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى الصَّوَابِ قَوْلًا فِيهَا السُّدِّيُّ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] «هَذَا مَثَلٌ آخَرُ لَنَفَقَةِ الرِّيَاءِ، أَنَّهُ يُنْفِقُ مَالَهُ يُرَائِي النَّاسَ بِهِ، فَيَذْهَبُ مَالُهُ مِنْهُ وَهُوَ يُرَائِي، فَلَا يَأْجُرْهُ اللَّهُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَاحْتَاجَ إِلَى نَفَقَتِهِ، وَجَدَهَا قَدْ أَحْرَقَهَا الرِّيَاءُ، فَذَهَبَتْ كَمَا أَنْفَقَ هَذَا الرَّجُلُ عَلَى جَنَّتِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ وَكَثُرَ عِيَالُهُ وَاحْتَاجَ إِلَى جَنَّتِهِ جَاءَتْ رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ فَأَحْرَقَتْ جَنَّتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهَا شَيْئًا، فَكَذَلِكَ الْمُنْفِقُ رِيَاءً»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266] " كَمَثَلِ الْمُفَرِّطِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ: " يَقُولُ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ دُنْيَا لَا يَعْمَلُ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، كَمَثَلِ هَذَا الَّذِي لَهُ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، فَمَثَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَثَلِ هَذَا حِينَ أُحْرِقَتْ جَنَّتُهُ وَهُوَ كَبِيرٌ، لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا، وَوَلَدُهُ صِغَارٌ لَا يُغْنُونَ عَنْهَا شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ الْمَوْتِ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَمَا وَجَدَ أَحَدًا يَشْفِيهِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ خَلْفَهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْئًا» ، قَالَ: فَتَلَفَّتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَحَوَّلْ هَاهُنَا، لِمَ تَحْقِرُ نَفْسَكُ؟ قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَأَهْلِ السَّعَادَةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَى أَنْ يَخْتِمَهُ بِخَيْرٍ حِينَ فَنِيَ عُمْرُهُ، وَاقْتَرَبَ أَجَلُهُ، خَتَمَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَأَفْسَدَهُ كُلَّهُ فَحَرَقَهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُمَرَ، تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266] قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِإِنْسَانٍ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَهُ آخِرُ عُمْرِهِ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ، عَمِلَ عَمَلَ السُّوءِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يُخْبِرُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَأَلَ عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " فِيمَ تَرَوْنَ أُنْزِلَتْ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266] "؟ فَقَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: «قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ» ، فَقَالَ عُمَرُ: «قُلْ يَا ابْنَ أَخِي وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ» ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ» ، قَالَ عُمَرُ: «أَيُّ عَمَلٍ» ؟ قَالَ: «لِعَمَلٍ» ، فَقَالَ عُمَرُ: «رَجُلٌ عُنِيَ بِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ كُلَّهَا» قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثَ نَحْوَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعَهُ مِنْهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا جَمِيعًا: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ: لِلرَّجُلِ يَعْمَلُ بِالْحَسَنَاتِ، ثُمَّ يَبْعَثُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَيَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْهَا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَا: «ضُرِبَتْ مَثَلًا لِلْأَعْمَالِ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «ضُرِبَتْ مَثَلًا لِلْعَمَلِ يَبْدَأُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، فَيَكُونُ مَثَلًا لِلْجَنَّةِ الَّتِي مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، ثُمَّ يُسِيءُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَيَتَمَادَى عَلَى الْإِسَاءَةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْإِعْصَارُ الَّذِي فِيهِ النَّارُ الَّتِي أَحْرَقَتِ الْجَنَّةَ، مَثَلًا لِإِسَاءَتِهِ الَّتِي مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْجَنَّةُ عَيْشُهُ وَعَيْشُ وَلَدِهِ فَاحْتَرَقَتْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ جَنَّتِهِ مِنْ أَجْلِ كِبَرِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ ذُرِّيَّتُهُ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ جَنَّتِهِمْ مِنْ أَجْلِ صِغَرِهِمْ حَتَّى احْتَرَقَتْ، يَقُولُ: هَذَا مَثَلُهُ تَلَقَّاهُ وَهُوَ أَفْقَرُ مَا كَانَ إِلَيَّ، فَلَا يَجِدُ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْتَطِيعُ مِنْ كِبَرِهِ وَصِغَرِ أَوْلَادِهِ أَنْ يَعْمَلُوا جَنَّةً، كَذَلِكَ لَا تَوْبَةَ إِذَا انْقَطَعَ الْعَمَلُ حِينَ مَاتَ "، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «هُوَ مَثَلُ الْمُفَرِّطِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ حَتَّى يَمُوتُ»

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ دُنْيَا لَا يَعْمَلُ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، كَمَثَلِ هَذَا الَّذِي لَهُ جَنَّةٌ، فَمَثَلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَثَلِ هَذَا حِينَ أُحْرِقَتْ جَنَّتُهُ وَهُوَ كَبِيرٌ لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا وَأَوْلَادُهُ صِغَارٌ وَلَا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ الْمَوْتِ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 266] ، الْآيَةَ، يَقُولُ: " أَصَابَهَا رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ شَدِيدَةٌ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فَهَذَا مَثَلٌ، فَاعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَمْثَالَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] هَذَا رَجُلٌ كَبِرَتْ سِنُّهُ وَدَقَّ عَظْمُهُ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، ثُمَّ احْتَرَقَتْ جَنَّتُهُ عَلَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ كَأَحْوَجِ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ، يَقُولُ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَضِلَّ عَنْهُ عَمَلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَحْوَجِ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ؟ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: 266] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] يَقُولُ: «فَذَهَبَتْ جَنَّتُهُ كَأَحْوَجِ مَا كَانَ إِلَيْهَا حِينَ كَبِرَتْ سِنُّهُ وَضَعُفَ عَنِ الْكَسْبِ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ لَا يَنْفَعُونَهُ» قَالَ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: " فَاحْتَرَقَتْ فَذَهَبَتْ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ عَمَلُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ؟

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا حَسَنًا، وَكُلُّ أَمْثَالِهِ حَسَنٌ تَبَارَكَ وَتَعَالَى،

وَقَالَ: قَالَ أَيُّوبُ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ﴾ [البقرة: 266] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 266] يَقُولُ: صَنَعَهُ فِي شَبِيبَتِهِ فَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، فَجَاءَهُ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ، فَأَحْرَقَ بُسْتَانَهُ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قُوَّةٌ أَنْ يَغْرِسَ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ نَسْلِهِ خَيْرٌ يَعُودُونَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا رُدَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ خَيْرٌ فَيُسْتَعْتَبَ كَمَا لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ فَيَغْرِسُ مِثْلَ بُسْتَانِهِ، وَلَا يَجِدُ خَيْرًا قَدَّمَ لِنَفْسِهِ يَعُودُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يُغْنِ عَنْ هَذَا وَلَدُهُ وَحُرِمَ أَجْرَهُ عِنْدَ أَفْقَرِ مَا كَانَ إِلَيْهِ كَمَا حُرِمَ هَذَا جَنَّتَهُ عِنْدَ أَفْقَرِ مَا كَانَ إِلَيْهَا عِنْدَ كِبَرِهِ وَضَعْفِ ذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِيمَا أُوتِيَا فِي الدُّنْيَا، كَيْفَ نَجَّى الْمُؤْمِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَذَخَرَ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ، وَخَزَنَ عَنْهُ الْمَالَ فِي الدُّنْيَا، وَبَسَطَ لِلْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ مَا هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَخَزَنَ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا لَيْسَ بِمُفَارِقِهِ أَبَدًا وَيَخْلُدُ فِيهَا مُهَانًا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَخَرَ عَلَى صَاحِبِهِ وَوَثِقَ بِمَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَسْتَيْقِنْ أَنَّهُ مُلَاقٍ رَبَّهُ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ، لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: 266] ، الْآيَةَ، قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266] ، ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 266] وَالرَّجُلُ قَدْ كَبِرَ سِنُّهُ وَضَعُفَ وَلَهُ أَوْلَادٌ

صِغَارٌ، وَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ فِي جَنَّتِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا إِعْصَارًا فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ جَنَّتِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَلَا وَلَدُهُ لِصِغَرِهِمْ، فَذَهَبَتْ جَنَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا، يَقُولُ: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعِيشَ فِي الضَّلَالَةِ وَالْمَعَاصِي حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَيَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ ضَلَّ عَنْهُ عَمَلُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ؟ فَيَقُولُ ابْنَ آدَمَ: أَتَيْتَنِي أَحْوَجَ مَا كُنْتَ قَطُّ إِلَى خَيْرٍ، فَأَيْنَ مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ؟ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264] ثُمَّ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا، فَقَالَ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] قَالَ: «جَرَتْ أَنْهَارُهَا وَثِمَارُهَا، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ هَذَا؟ فَمَا يَحْمِلُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ صَدَقَتِهِ وَنَفَقَتِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُ عِنْدِي جَنَّةٌ وَجَرَتْ أَنْهَارُهَا وَثِمَارُهَا، وَكَانَتْ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَصَابَهَا رِيحُ إِعْصَارٍ فَحَرَّقَهَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 266] رَجُلٌ غَرَسَ بُسْتَانًا فِيهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، فَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ

ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ بُسْتَانِهِ مِنْ كِبَرِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ ذُرِّيَّتُهُ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ بُسْتَانِهِ، فَذَهَبَتْ مَعِيشَتُهُ وَمَعِيشَةُ ذُرِّيَّتِهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرٍ، يَقُولُ: يَلْقَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى خَيْرٍ يُصِيبُهُ، فَلَا يَجِدُ لَهُ عِنْدِي خَيْرًا وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا " وَإِنَّمَا دَلَّلْنَا أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ تَقَدَّمَ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمَنِّ وَالْأَذَى فِي صَدَقَاتِهِمْ، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ مَنَّ وَآذَى مَنَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ، فَمَثَلُهُ بِالْمُرَائِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ، الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ رِيَاءَ النَّاسِ، وَكَانَتْ قِصَّةُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنَ الْمَثَلِ نَظِيرَةَ مَا ضُرِبَ لَهُمْ مِنَ الْمَثَلِ قَبْلَهَا، فَكَانَ إِلْحَاقُهَا بِنَظِيرِتَهَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ تَأْوِيلِهَا عَلَى أَنَّهُ مَثَلٌ مَا لَمْ يَجْرُ لَهُ ذِكْرٌ قَبْلَهَا وَلَا مَعَهَا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ [البقرة: 266] وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ فَعُطِفَ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: 266] ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَيَوَدُّ﴾ [البقرة: 266] يَصِحُّ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ «لَوْ» مَكَانَ «أَنْ» فَلَمَّا صَلُحَتْ «بِلَوْ» وَأَنَّ وَمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا الِاسْتِقْبَالُ، اسْتَجَازَتِ الْعَرَبُ أَنْ يَرُدُّوا «فَعَلَ» بِتَأْوِيلِ «لَوْ» عَلَى «يَفْعَلُ» مَعَ «أَنْ» فَلِذَلِكَ قَالَ: فَأَصَابَهَا، وَهُوَ فِي مَذْهَبِهِ بِمَنْزِلَةِ «لَوْ» إِذَا ضَارَعَتْ «أَنْ» فِي مَعْنَى

الْجَزَاءِ، فَوُضِعَتْ فِي مَوَاضِعِهَا، وَأُجِيبَتْ «أَنْ» بِجَوَابِ «لَوْ» وَ «لَوْ» بِجَوَابِ «أَنْ» ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ لَوْ كَانَتْ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ.
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ قِيلَ هَاهُنَا: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ وَقَالَ فِي النِّسَاءِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] ؟ قِيلَ: لِأَنَّ «فِعِيلًا» يُجْمَعُ عَلَى «فُعَلَاءَ» وَ «فِعَالٍ» فَيُقَالَ: رَجُلٌ ظَرِيفٌ مِنْ قَوْمٍ ظُرَفَاءَ وَظِرَافٍ، وَأَمَّا الْإِعْصَارُ: فَإِنَّهُ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا عَمُودٌ، تَجْمَعُ أَعَاصِيرَ، وَمِنْهُ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغِ الْحِمْيَرِيِّ: [البحر الطويل]

أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ ... أَعَاصِيرَ مِنْ سُوءِ الْعِرَاقِ الْمُنَذَّرِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ شَدِيدَةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ، قَالَ: ثنا نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: 266] « رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ شَدِيدَةٌ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: 266] قَالَ: «السُّمُومُ الْحَارَّةُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الْجَانُّ الَّتِي تُحْرِقُ»

حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] قَالَ: «هِيَ السُّمُومُ الْحَارَّةُ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] «الَّتِي تُقْتَلُ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ السُّمُوُمَ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الْجَانُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النَّارِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] هِيَ رِيحٌ فِيهَا سَمَومٌ شَدِيدَةٌ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: 266] قَالَ: سَمَومٌ شَدِيدٌ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: 266] يَقُولُ: «أَصَابَهَا رِيحٌ فِيهَا سُمُومٌ شَدِيدَةٌ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، نَحْوَهُ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266] «أَمَّا الْإِعْصَارُ فَالرِّيحُ، وَأَمَّا النَّارُ فَالسَّمَوْمُ»

جارٍ التحميل