تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 385-394

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: وَبَارَكَ فِي الْأَرْضِ فَجَعَلَهَا دَائِمَةَ الْخَيْرِ لِأَهْلِهَا

صفحات 385-394
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «أَنَبَتَ شَجَرَهَا» ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَ أَهْلِهَا بِمَعْنَى أَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «أَرْزَاقَهَا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «قَدَّرَ فِيهَا أَرْزَاقَ الْعِبَادِ، ذَلِكَ الْأَقْوَاتُ»

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: «أَقْوَاتَهَا لِأَهْلِهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَقَدَّرَ فِيهَا مَا يُصْلِحُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «صَلَاحَهَا»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقَدَّرَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَأَشْجَارَهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] «خَلَقَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَبِحَارَهَا وَشَجَرَهَا، وَسَاكِنَهَا مِنَ الدَّوَابِّ كُلِّهَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «جِبَالَهَا وَدَوَابَّهَا وَأَنْهَارَهَا وَبِحَارَهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا مِنَ الْمَطَرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «مِنَ الْمَطَرِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقَدَّرَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْآخَرِ مِنْهَا لِمَعَاشِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِالتِّجَارَةِ مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى بَلْدَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، قَالَ: ثنا أَبُو مِحْصِنٍ، قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ،

عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «الْيَمَانِيُّ بِالْيَمَنِ، وَالسَّابِرِيُّ بِسَابُورَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مِحْصِنٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] «الْيَمَانِيَةُ بِالْيَمَنِ، وَالسَّابِرِيَّةُ بِسَابُورَ، وَأَشْبَاهُ هَذَا»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنًا، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتٌ لَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهَا، الْيَمَانِي بِالْيَمَنِ، وَالسَّابِرِيُّ بِسَابُورَ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «الْبَلَدُ يَكُونُ فِيهِ الْقُوتُ أَوِ الشَّيْءُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّابِرِيَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِسَابُورَ، وَأَنَّ الْعَصْبَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَمَنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ»

حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «السَّابِرِيُّ بِسَابُورَ، وَالطَّيَالِسَةُ مِنَ الرِّيِّ»

حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: ثنا أَبُو النَّضْرِ صَاحِبُ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «السَّابِرِيُّ بِسَابُورَ، وَالطَّيَالِسَةُ مِنَ الرِّيِّ» فِي قَوْلُهُ ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] قَالَ: السَّابِرِيُّ مِنْ سَابُورَ، وَالطَّيَالِسَةُ مِنَ الرِّيِّ، وَالْحِبَرُ مِنَ الْيَمَنِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ مِنَ الْغِذَاءِ، وَيَصْلُحُهُمْ مِنَ الْمَعَاشِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] أَنَّهُ قَدَّرَ فِيهَا قُوتًا دُونَ قُوتٍ، بَلْ عَمَّ الْخَبَرُ عَنْ تَقْدِيرِهِ فِيهَا جَمِيعَ الْأَقْوَاتِ، وَمِمَّا يَقُوتُ أَهْلُهَا مَا لَا يَصْلُحُهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْغِذَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْمَطَرِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْبِلَادِ لِمَا خَصَّ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَمِمَّا أَخْرَجَ مِنَ الْجِبَالِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَمِنَ الْبَحْرِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْحُلِيِّ، وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ مِمَّا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَدَّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: 10] لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ خَلَقِ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ أَسْبَابِهَا وَمَنَافِعِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْمَاءِ وَالْمَدَائِنِ وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَابِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَوَّلُهُنَّ يَوْمُ الْأَحَدِ، وَآخِرُهُنَّ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «خَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَأَقْوَاتُ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنٍ، فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ»

وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَالَ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا مَعَ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، كَمَا تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أَمْسِ امْرَأَةً، وَالْيَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وَإِحْدَاهُمَا الَّتِي تَزَوَّجْتَهَا أَمْسِ

وَقَوْلُهُ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: سَوَاءٌ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ مُبَلَغِ الْأَجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْأَرْضَ، وَجَعَلَ فِيهَا الرُّوَاسِيَّ مِنْ فَوْقِهَا وَالْبَرَكَةَ، وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَاتَ بِأَهْلِهَا، وَجَدَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَا يُزَدْنَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصْنَ مِنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] «مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَجَدَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «مَنْ سَأَلَ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ»

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: «مَنْ سَأَلَ فَهَكَذَا الْأَمْرُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: سَوَاءً لِمَنْ سَأَلَ رَبَّهُ شَيْئًا مِمَّا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مِنَ الْأَقْوَاتِ فِي الْأَرْضِ، عَلَى قَدْرِ مَسْأَلَةِ كُلِّ سَائِلٍ مِنْهُمْ لَوْ سَأَلَهُ لِمَا نَفَذَ مِنْ عِلْمِهِ فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] قَالَ: «قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَسَائِلِهِمْ، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ مَسَائِلِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَبِي جَعْفَرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﴿سَوَاءً﴾ [البقرة: 6] بِالنَّصْبِ وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ: (سَوَاءٌ) بِالرَّفْعِ وَقَرَأَ الْحَسَنُ: (سَوَاءٍ) بِالْجَرِّ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ قِرَاءَتُهُ بِالنَّصْبِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَلِصِحَّةِ مَعْنَاهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا سَوَاءً لِسَائِلِيهَا عَلَى مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَعَلَى مَا يُصْلِحُهُمْ وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ سَوَاءٍ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا، كَأَنَّهُ قَالَ: اسْتِوَاءً قَالَ: وَقَدْ قُرِئَ بِالْجَرِّ وَجُعِلَ اسْمًا لِلْمُسْتَوِيَاتِ: أَيْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ تَامَّةٍ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَنْ خَفَضَ سَوَاءً، جَعَلَهَا مِنْ نَعْتِ الْأَيَّامِ، وَإِنْ شِئْتَ مِنْ نَعْتِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَنْ نَصَبَهَا جَعَلَهَا مُتَّصِلَةً بِالْأَقْوَاتِ قَالَ: وَقَدْ تُرْفَعُ كَأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ ﴿سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10] يَقُولُ: لِمَنْ أَرَادَ عِلْمَهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ إِذَا نُصِبَ حَالًا مِنَ الْأَقْوَاتِ، إِذْ كَانَتْ سَوَاءٌ قَدْ شُبِهَتْ بِالْأَسْمَاءِ النَّكِرَةِ، فَقِيلَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ سَوَاءً، فَصَارَتْ

تَتْبَعُ النَّكِرَاتِ، وَإِذَا تَبِعَتِ النَّكِرَاتِ انْقَطَعَتْ مِنَ الْمَعَارِفِ فَنُصِبَتْ، فَقِيلَ: مَرَرْتُ بِإِخْوَتِكَ سَوَاءً، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِذَا لَمْ يَدْخُلْهَا تَثْنِيَةٌ وَلَا جَمْعٌ أَنْ تُشَبَّهَ بِالْمَصَادِرِ وَأَمَّا إِذَا رُفِعَتْ، فَإِنَّمَا تُرْفَعُ ابْتِدَاءً بِضَمِيرِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، وَإِذَا جُرَّتْ فَعَلَى الِاتِّبَاعِ لِلْأَيَّامِ أَوْ لِلْأَرْبَعَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَقَالَ اللَّهُ لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فِيكُمَا، أَمَّا أَنْتِ يَا سَمَاءُ فَأَطْلِعِي مَا خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَأَمَّا أَنْتِ يَا أَرْضُ فَأَخْرِجِي مَا خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ، وَتَشَقَّقِي عَنِ الْأَنْهَارِ

﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] جِئْنَا بِمَا أَحْدَثْتَ فِينَا مِنْ خَلْقِكَ، مُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِكَ لَا نَعْصِي أَمْرَكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] قَالَ: " قَالَ اللَّهُ لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي، وَأَطْلِعِي نُجُومِي، وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ، فَقَالَتَا: أَعْطَيْنَا

طَائِعِينَ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿ائْتِيَا﴾ [فصلت: 11] «أَعْطِيَا» وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ [فصلت: 11] قَالَتَا: «أَعْطَيْنَا» وَقِيلَ: أَتَيْنَا طَائِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُؤَنَّثَتَانِ، لِأَنَّ النُّونَ وَالْأَلِفَ اللَّتَيْنِ هُمَا كِنَايَةُ أَسْمَائِهِمَا فِي قَوْلِهِ ﴿أَتَيْنَا﴾ [فصلت: 11] نَظِيرُهُ كِنَايَةُ أَسْمَاءِ الْمُخْبِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَجْرَى قَوْلَهُ ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْخَبَرُ عَنِ الرِّجَالِ كَذَلِكَ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: ذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَكَلَّمَتَا أَشْبَهَتَا الذُّكُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِهِنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ، فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً، فَفَتَقَهَا، فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنٍ، فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] يَقُولُ: وَأَلْقَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مَا أَرَادَ مِنَ الْخَلْقِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] قَالَ: «مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَأَرَادَهُ»

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] قَالَ: «خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلَقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ الْبَرَدِ، وَمَا لَا يُعْلَمُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] «خَلَقَ فِيهَا شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا وَصَلَاحَهَا»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِالْكَوَاكِبِ وَهِيَ الْمَصَابِيحُ

كَمَا: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] قَالَ: «ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاءَ بِالْكَوَاكِبِ، فَجَعَلَهَا زِينَةً» ﴿وَحِفْظًا﴾ [الصافات: 7] «مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِهِ قَوْلَهُ: ﴿وَحِفْظًا﴾ [الصافات: 7] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: نُصِبَ بِمَعْنَى: وَحَفَظْنَاهَا حِفْظًا، كَأَنَّهُ قَالَ: وَنَحْفَظُهَا حِفْظًا، لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ: «زَيَّنَّاهَا بِمَصَابِيحَ» قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ نَظَرَ فِي أَمْرِهَا وَتَعَهَّدَهَا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْحِفْظِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَحَفَظْنَاهَا حِفْظًا وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: نَصْبُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى: وَحِفْظًا زَيَّنَّاهَا، لِأَنَّ الْوَاوَ لَوْ سَقَطَتْ لَكَانَ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا حِفْظًا؛ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَقْرَبُ عِنْدَنَا لِلصِّحَّةِ مِنَ الْأَوَّلِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ

جارٍ التحميل