تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 501-506

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: 13] يَقُولُ: وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَةِ اللَّهِ وَرَهْبَتِهِ

صفحات 501-506
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ، وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] أَيْ عَالِيًا، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ، كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: 17] وَالْجُفَاءُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17] هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللَّهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ: كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ فَصَارَ جُفَاءً لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا تُرْجَى بَرَكَتُهُ، كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ عَنْ أَهْلِهِ كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ، وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ، فَأَمْرَعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ، وَأَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ بِهِ مَا أَخْرَجَ مِنَ النَّبَاتِ قَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد: 17] الْآيَةَ، كَمَا يَبْقَى خَالِصُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، حِينَ أُدْخِلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: 17] يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيدُ وَالصُّفْرُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، فِيهِ مَنَافِعُ: يَقُولُ: كَمَا يَبْقَى خَالِصُ هَذَا الْحَدِيدِ وَهَذَا الصُّفْرِ حِينَ أُدْخِلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ خَالِصُهُمَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] الْكَبِيرُ بِقَدَرِهِ وَالصَّغِيرُ بِقَدَرِهِ ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] قَالَ: رَبَا فَوْقَ الْمَاءِ الزَّبَدُ ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد: 17] قَالَ: " هُوَ الذَّهَبُ إِذَا أُدْخِلَ النَّارَ بَقِيَ صَفْوهُ، وَنُفِيَ مَا كَانَ مِنْ كَدَرِهِ وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: 17] يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ فَلَا يَكُونُ شَيْئًا مَثَلُ الْبَاطِلِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17] وَهَذَا يُخْرِجُ النَّبَاتَ، وَهُوَ مَثَلُ الْحَقِّ ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: 17] قَالَ: الْمَتَاعُ: الصُّفْرُ وَالْحَدِيدُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، قَالَ: بَلَغَنِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] قَالَ: " إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] الصَّغِيرُ عَلَى قَدْرِهِ، وَالْكَبِيرُ عَلَى قَدْرِهِ، وَمَا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِهِ ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] يَقُولُ: عَظِيمًا، وَحَيْثُ اسْتَقَرَّ الْمَاءُ يَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفَاءً فَتَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ، فَلَا يَكُونُ شَيْئًا، وَيَبْقَى صَرِيحُ الْمَاءِ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ مِنْهُ شَرَابُهُمْ وَنَبَاتُهُمْ وَمَنْفَعَتُهُمْ ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: 17] وَمَثَلُ الزَّبَدِ كُلُّ شَيْءٍ يُوقَدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ فَيَذْهَبُ خَبَثُهُ وَيَبْقَى مَا يَنْفَعُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْخَبَثُ وَالزَّبَدُ مَثَلُ الْبَاطِلِ، وَالَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ مِمَّا تَحَصَّلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا يَنْفَعُهُمُ الْمَالُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ "

حَدَّثني يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: 17] قَالَ: " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ

وَالْبَاطِلِ فَقَرَأَ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] هَذَا الزَّبَدُ لَا يَنْفَعُ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: 17] هَذَا لَا يَنْفَعُ أَيْضًا، قَالَ: وَبَقِيَ الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ فَنَفَعَ النَّاسَ، وَبَقِيَ الْحُلِيُّ الَّذِي صَلُحَ مِنْ هَذَا، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17] وَقَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17] قَالَ: «الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ، وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَضَرَبَ مَثَلَ الْحَقِّ كَمَثَلِ السَّيْلِ الَّذِي يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، وَضَرَبَ مَثَلَ الْبَاطِلِ كَمَثَلِ الزَّبَدِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ النَّاسَ» وَعَنَى بِقَوْلِهِ ﴿رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] : عَالِيًا مُنْتَفِخًا، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو رُبُوًّا فَهُوَ رَابٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْنَشَزِ مِنَ الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْأَكَمَةِ: رَابِيَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] . وَقِيلَ لِلنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمَتَاعُ، لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وَكُلُّ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ النَّاسُ فَهُوَ مَتَاعٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] تَمَتَّعْ يَا مُشَعَّثُ إِنَّ شَيْئًا ... سَبَقْتَ بِهِ الْمَمَاتَ هُوَ الْمَتَاعُ

وَأَمَّا الْجُفَاءُ، فَإِنِّي حُدِّثْتُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: يُقَالُ: قَدْ أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ، وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ فَانْصَبَّ زَبَدُهَا، أَوْ سَكَنَتْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: 17] تَنْشَفُهُ الْأَرْضُ، وَقَالَ: يُقَالُ: جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشِفَ، وَانْجَفَى الْوَادِي: إِذَا جَاءَ بِذَلِكَ الْغُثَاءِ، وَغَثَى الْوَادِي فَهُوَ يَغْثَى غَثْيًا وَغَثَيَانًا وَذَكَرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: جَفَأْتُ الْقِدْرَ أَجْفَؤُهَا: إِذَا أَخْرَجْتُ جُفَاءَهَا، وَهُوَ الزَّبَدُ الَّذِي يَعْلُوهَا، وَأَجْفَأْتُهَا إِجْفَاءً لُغَةً قَالَ: وَقَالُوا: جَفَأْتُ الرَّجُلَ جَفًا: صَرَعْتُهُ.
وَقِيلَ: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: 17] بِمَعْنَى جَفْئًا، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: جَفَأَ الْوَادِي غُثَاءَهُ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْمِ وَهُوَ مَصْدَرٌ، كَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي مَصْدَرِ كُلِّ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ اجْتَمَعَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَالْقُمَاشِ وَالدُّقَاقِ وَالْحُطَامِ وَالْغُثَاءِ، تُخْرِجُهُ عَلَى مَذْهَبِ الِاسْمِ، كَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: أَعْطَيْتُهُ عَطَاءً، بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَلَوْ أُرِيدَ مِنَ الْقُمَاشِ الْمَصْدَرُ عَلَى الصِّحَّةِ لَقِيلَ: قَدْ قَمَشْتُهُ قَمْشًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمَّا الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للَّهِ فَآمَنُوا بِهِ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ،

وَأَطَاعُوهُ فَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ، وَصَدَّقُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ، كَذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ [الرعد: 18] وَهِيَ الْجَنَّةُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمُ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمَثَلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الرعد: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَلَمْ يُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا رَسُولَهُ فَيُصَدِّقُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَلَوْ أَنَّ لَهُمْ

مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْ شَيْءٍ وَمِثْلَهُ مَعَهُ مِلْكًا لَهُمْ ثُمَّ مِثْلُ ذَلِكَ وَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بَدَلًا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَعِوَضًا لَافْتَدَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْهُ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 18] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا للَّهِ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ: يَقُولُ: لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ كُلِّهَا، فَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ يُعَذِّبُهُمْ عَلَى جَمِيعِهَا، كَمَا

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَوْنٌ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قَالَ: قَالَ لَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: " ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 18] أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ لَهُمْ عَنْ شَيْءٍ "

حَدَّثني يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ثني الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: ثني فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَا فَرْقَدُ " أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لَا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التوبة: 73] يَقُولُ: وَمَسْكَنُهُمُ الَّذِي يَسْكُنُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَهَنَّمُ ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12] يَقُولُ: وَبِئْسَ الْفِرَاشُ وَالْوِطَاءُ جَهَنَّمُ، الَّتِي هِيَ مَأْوَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَهَذَا الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِيَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ حَقٌّ، فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُصَدِّقُ وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهِ، كَالَّذِي هُوَ أَعْمَى فَلَا يَعْرِفُ مَوْقِعَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِ وَلَا

يَعْلَمُ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ فَرَائِضِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: 19] قَالَ: " هَؤُلَاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَقَلُوهُ وَوَعَوْهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: 19] قَالَ: عَنِ الْخَيْرِ فَلَا يُبْصِرُهُ "

جارٍ التحميل