تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 503-515

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 503-515
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: 73] يَقُولُ: " مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ،

تَقُولُ الْيَهُودُ: فَعَلَ اللَّهُ بِنَا كَذَا وَكَذَا مِنَ الْكَرَامَةِ، حَتَّى أَنْزَلَ عَلَيْنَا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ أَفْضَلُ " فَقُولُوا: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 73] الْآيَةَ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمِيعُ هَذَا الْكَلَامِ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِلْيَهُودِ، وَهُوَ مُتَلَاصِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ، وَالْهُدَى الثَّانِي رَدٌّ عَلَى الْهُدَى الْأَوَّلِ، وَ «أَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الْهُدَى.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُولَهُ لِلْيَهُودِ، وَقَالُوا: تَأْوِيلُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، يَقُولُ: مِثْلَ الَّذِي أُوتِيتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَمَثْلَ نَبِيِّكُمْ، فَلَا تَحْسُدُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَعْطَيْتُهُمْ، مِثْلَ الَّذِي أَعْطَيْتُكُمْ مِنْ فَضْلِي، فَإِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: 73] يَقُولُ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِكُمْ، وَبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكُمْ حَسَدْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ» ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 73] الْآيَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، قَالُوا: وَهَذَا آخِرُ الْقَوْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِلْيَهُودِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالُوا: وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ [آل عمران: 73] مَرْدُودٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 73] وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، فَتَتْرُكُوا الْحَقَّ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ مَنِ اتَّبَعْتُمْ دِينَهُ، فَاخْتَرْتُمُوهُ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَأَنَّكُمْ تَجِدُونَ نَعْتَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ [آل عمران: 73] مَرْدُودًا عَلَى جَوَابِ نَهْي مَتْرُوكٍ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: 73] يَقُولُ: " هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تُخْبِرُوهُمْ بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ فِي كِتَابِهِ لِيُحَاجُّوكُمْ، قَالَ: لِيُخَاصِمُوكُمْ بِهِ

عِنْدَ رَبِّكُمْ " ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 73] مُعْتَرَضٌ بِهِ، وَسَائِرُ الْكَلَامِ مُتَّسِقٌ عَلَى سِيَاقٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ اتَّبَعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، بِمَعْنَى: لَا يُؤْتَى أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا أُوتِيتُمْ، ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 73] بِمَعْنَى: أَوْ أَنْ يُحَاجَّكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَحَدٌ بِإِيمَانِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بِمَا فَضَّلَكُمْ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ كُلُّهُ خَبَرًا عَنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: 72] سِوَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 73] ثُمَّ يَكُونُ الْكَلَامُ مُبْتَدَأً بِتَكْذِيبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: قُلْ يَا مُحَمَّدٍ لِلْقَائِلِينَ مَا قَالُوا مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ قَوْلَهَا لِتُبَّاعِهَا مِنَ الْيَهُودِ ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 73] إِنَّ التَّوْفِيقَ تَوْفِيقُ اللَّهِ، وَالْبَيَانَ بَيَانُهُ، وَإِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، لَا مَا تُمَنَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ.

وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّهَا مَعْنًى، وَأَحْسَنُهَا اسْتِقَامَةً عَلَى مَعْنَى كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَشَدُّهَا اتِّسَاقًا عَلَى نَظْمِ الْكَلَامِ وَسِيَاقِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ فَانْتِزَاعٌ يَبْعُدُ مِنَ الصِّحَّةِ عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدِ الْكَلَامِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 73] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفْتُ قَوْلَهِمْ لِأَوْلِيَائِهِمْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، إِنَّ التَّوْفِيقَ لِلْإِيمَانِ، وَالْهِدَايَةَ لِلْإِسْلَامِ بِيَدِ اللَّهِ، وَإِلَيْهِ دُونَكُمْ وَدُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ،

﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 73] مِنْ خَلْقِهِ، يَعْنِي: يُعْطِيهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ لِتُبَّاعِهِمْ: لَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ، إِنَّمَا هُوَ إِلَى اللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ الْأَشْيَاءُ كُلَّهَا، وَإِلَيْهِ الْفَضْلُ، وَبِيَدِهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] يَعْنِي: وَاللَّهُ ذُو سَعَةٍ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ عَلِيمٌ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ لِلْفَضْلِ أَهْلٌ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 73] قَالَ: «الْإِسْلَامُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105] يُفْتَعِلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: خَصَصْتُ فُلَانًا بِكَذَا، أَخُصُّهُ بِهِ.
وَأَمَّا رَحْمَتُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: فَالْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ مَعَ النُّبُوَّةِ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105] قَالَ: «النُّبُوَّةُ يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105] قَالَ: «يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ مَنْ يَشَاءُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105] قَالَ: «الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 74] يَقُولُ: ذُو فَضْلٍ يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَى مَنْ أَحَبَّ وَشَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ وَصَفَ فَضْلَهُ بِالْعِظَمِ، فَقَالَ: فَضْلُهُ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ

مُشْبِهٍ فِي عِظَمِ مَوْقِعِهِ مِمَّنْ أَفْضَلَهُ عَلَيْهِ أَفْضَالَ خَلْقِهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ فِي جَلَالَةِ خَطَرِهِ وَلَا يُدَانِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75] وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ،

وَهُمُ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَهْلُ أَمَانَةٍ يُؤَدُّونَهَا وَلَا يَخُونُونَهَا، وَمِنْهُمُ الْخَائِنُ أَمَانَتَهُ، الْفَاجِرُ فِي يَمِينِهِ الْمُسْتَحِلُّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ إِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ مِنْهُمُ الْمُؤَدِّي أَمَانَتَهُ وَالْخَائِنُهَا؟ قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ وَعَزَّ بِإِخْبَارِهِ الْمُؤْمِنِينَ خَبَرَهُمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ تَحْذِيرَهُمْ أَنْ يَأْتَمِنُوهُمْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَتَخْوِيفَهُمُ الِاغْتِرَارَ بِهِمْ، لِاسْتِحْلَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَمْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي إِنْ تَأْمَنْهُ يَا مُحَمَّدُ عَلَى عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ كَثِيرٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَلَا يَخُنْكَ فِيهِ؛ وَمِنْهُمُ الَّذِي إِنْ تَأْمَنْهُ عَلَى دِينَارٍ يَخُنْكَ فِيهِ، فَلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُلِحَّ عَلَيْهِ بِالتَّقَاضِي وَالْمُطَالَبَةِ، وَالَبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: 75] ، وَعَلَى يَتَعَاقَبَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهِ، وَمَرَرْتُ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَّا مَا دُمْتَ لَهُ مُتَقَاضِيًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75] «إِلَّا مَا طَلَبْتَهُ وَاتَّبَعْتَهُ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75] قَالَ: «تَقْتَضِيهِ إِيَّاهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75] قَالَ: «مُوَاظِبًا» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75] يَقُولُ: «يَعْتَرِفُ بِأَمَانَتِهِ مَا دُمْتَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا قُمْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَطْلُبُهُ كَافَرَكَ الَّذِي يُؤَدِّي، وَالَّذِي يَجْحَدُ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا بِالْمُطَالَبَةِ وَالِاقْتِضَاءِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ فُلَانٌ بِحَقِّي عَلَى فُلَانٍ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ لِي، أَيْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ، وَسَعَى فِي اسْتِخْرَاجِهِ مِنْهُ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِاسْتِحْلَالِهِمْ أَمْوَالَ الْأُمِّيِّينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاقْتِضَاءِ الشَّدِيدِ وَالْمُطَالَبَةِ، وَلَيْسَ الْقِيَامُ عَلَى رَأْسِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنِ، بِمُوجِبٍ لَهُ النُّقْلَةَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِحْلَالِ مَا هُوَ لَهُ مُسْتَحِلٌّ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ مَعَ اسْتِحْلَالِهِ الذَّهَابَ بِمَا عَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَقِّ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ السَّبِيلَ بِالِاقْتِضَاءِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، فَذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ: هُوَ قِيَامُ رَبِّ الْمَالِ بِاسْتِخْرَاجِ حَقِّهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ الْخِيَانَةَ مِنَ الْيَهُودِ وَجُحُودَ حُقُوقِ الْعَرَبِيِّ الَّتِي هِيَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُؤَدِّ مَا ائْتَمَنَهُ الْعَرَبِيُّ عَلَيْهِ إِلَيْهِ إِلَّا مَا دَامَ لَهُ مُتَقَاضِيًا مُطَالِبًا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَرَجَ عَلَيْنَا

فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَلَا إِثْمَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ قَوْلِنَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] الْآيَةَ، " قَالَتِ الْيَهُودُ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] " قَالَ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْمُشْرِكِينَ سَبِيلٌ، يَعْنُونَ: مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] قَالَ: " يُقَالُ لَهُ: مَا بَالُكَ لَا تُؤَدِّي أَمَانَتَكَ؟ فَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي أَمْوَالِ الْعَرَبِ، قَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَنَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنُهْ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهِ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا وَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِلَّا الْأَمَانَةَ فَإِنَّهَا مُؤَدَّاةٌ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا قَالَتِ الْيَهُودُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] يَعْنُونَ أَخْذَ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «إِلَّا وَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا الْأَمَانَةَ فَإِنَّهَا مُؤَدَّاةٌ» وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا جُنَاحٌ فِيمَا أَصَبْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أُمِّيُّونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا:

حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] قَالَ: " بَايَعَ الْيَهُودَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضَوْهُمْ ثَمَنَ بُيُوعِهِمْ، فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا أَمَانَةٌ، وَلَا قَضَاءَ لَكُمْ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ " فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صَعْصَعَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّا نَغْزُو أَهْلَ الْكِتَابِ، فَنُصِيبُ مِنْ ثِمَارِهِمْ؟

قَالَ: " وَتَقُولُونَ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] ؟ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّا نَصِيبُ فِي الْغَزْوِ أَوِ الْعَذْقِ الشَّكُّ مِنَ الْحَسَنِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَتَقُولُونَ مَاذَا؟» قَالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْسٌ قَالَ: «هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ» : ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] «إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ حَرَجٌ أَنْ نَخْتَانَهُمْ إِيَّاهُ، يَقُولُونَ بِقِيلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْنَا فِي خِيَانَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَتَرْكِ قَضَائِهِمْ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ

عَامِدِينَ الْإِثْمَ بِقِيلِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَحَلَّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " فَيَقُولُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يَعْلَمُ، يَعْنِي الَّذِي يَقُولُ مِنْهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تُؤَدِّي

أَمَانَتَكَ؟: لَيْسَ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي أَمْوَالِ الْعَرَبِ، قَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَنَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75] «يَعْنِي ادِّعَاءَهُمْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي كِتَابِهِمْ قَوْلَهُمْ» : ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76] وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَمَّا لِمَنْ أَدَّى أَمَانَتَهُ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا اتِّقَاءَ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْكَاذِبُونَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ، مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ

فِي أَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ حَرَجٌ وَلَا إِثْمٌ، ثُمَّ قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى، يَعْنِي وَلَكِنَّ الَّذِي أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَذَلِكَ وَصِيَّتُهُ إِيَّاهُمْ، الَّتِي أَوْصَاهُمْ بِهَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ [آل عمران: 76] عَائِدَةٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: 75] يَقُولُ: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَاهَدَهُ فِي كِتَابِهِ، فَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَ بِهِ، بِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَ ﴿وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: 76] يَقُولُ: وَاتَّقَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ وَسَائِرِ مَعَاصِيهِ الَّتِي حَرَّمَهَا عَلَيْهِ، فَاجْتَنَبَ ذَلِكَ مُرَاقَبَةَ

وَعِيدِ اللَّهِ، وَخَوْفَ عِقَابِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76] يَعْنِي: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ فَيَخَافُونَ عِقَابَهُ، وَيَحْذَرُونَ عَذَابَهُ، فَيَجْتَنِبُونَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَيُطِيعُونَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ اتِّقَاءُ الشِّرْكِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: 76] يَقُولُ: «اتَّقَى الشِّرْكَ» ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4] يَقُولُ: «الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ» وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَبْدِلُونَ بِتَرْكِهِمْ عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ، وَوَصِيَّتَهُ الَّتِي

أَوْصَاهُمْ بِهَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ وَتَصْدِيقِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِأَيْمَانِهِمُ الْكَاذِبَةِ الَّتِي يَسْتَحِلُّونَ بِهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ الَّتِي اؤْتُمِنُوا عَلَيْهَا ثَمَنًا، يَعْنِي عِوَضًا وَبَدَلًا خَسِيسًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 77] يَقُولُ: فَإِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي خَيْرَاتِ

جارٍ التحميل