وَقَوْلُهُ: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11] يَقُولُ: وَحُرِّكُوا بِالْفِتْنَةِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا، وَابْتُلُوا وَفُتِنُوا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 12] شَكٌّ فِي الْإِيمَانِ، وَضَعْفٌ فِي إِعْتِقَادِهِمْ إِيَّاهُ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12] وَذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ قَوْلُ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ " ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12] يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، إِذْ قَالَ مَا قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ " ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: 12] قَالَ: تَكَلُّمُهُمْ بِالنِّفَاقِ يَوْمَئِذٍ، وَتَكَلُّمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحَقِّ وَالْإِيمَانِ، قَالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ " ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12] قَالَ: قَالَ ذَلِكَ
أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا فَتْحَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَدْ حُصِرْنَا هَاهُنَا، حَتَّى مَا يَسْتَطِيعَ أَحَدُنَا أَنْ يَبْرُزَ لِحَاجَتِهِ، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِرَجُلٍ مِنْ صَحَابِةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا فُلَانُ، أَرَأَيْتَ إِذْ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا، وَأَحَدُنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ يَبُولُ مِنَ الْخَوْفِ؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12] فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَكَ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ: «مَا قُلْتَ؟» فَقَالَ: كَذَبَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا قُلْتُ شَيْئًا مَا خَرَجَ هَذَا مِنْ فَمِي قَطُّ قَالَ اللَّهُ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نُصَيْرٍ﴾ [التوبة: 74] ، قَالَ: فَهَذَا قَوْلُ اللَّهِ ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: 66]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، قَالَ: ثنا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ عَامَ ذُكِرَتِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَحْمَرَ الشَّيْخِينِ طَرَفِ بَنِي حَارِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ
الْمَذَادَ، ثُمَّ جَعَلَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ كُلِّ عَشَرَةٍ، فَاخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا، فَقَالَ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: سَلْمَانُ مِنَّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ»
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: فَكُنْتُ أَنَا وَسَلْمَانُ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ، وَسِتَّةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَحَفَرْنَا تَحْتَ دُوبَارٍ حَتَّى بَلَغْنَا الصَّرَى أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةً بَيْضَاءَ مُرُوهُ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا سَلْمَانُ، ارْقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَإِمَّا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا، فَإِنَّ الْمَعْدَلَ قَرِيبٌ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا فِيهَا بِأَمْرِهِ، فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّهُ، فَرَقِيَ سَلْمَانُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ضَارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَّا، خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ بَطْنِ الْخَنْدَقِ مُرُوهُ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا، حَتَّى مَا يَجِيءُ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَمُرْنَا فِيهَا بِأَمْرِكَ، فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ سَلْمَانَ فِي الْخَنْدَقِ، وَرَقَيْنَا نَحْنُ التِّسْعَةُ عَلَى شَفَةِ
الْخَنْدَقِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِعْوَلَ مِنْ سَلْمَانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَهَا، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، يَعْنِي: لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ.
ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّانِيَةَ، فَصَدَعَهَا وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونِ، ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةَ، فَكَسَرَهَا، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَتْ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ سَلْمَانَ فَرَقِيَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ شَيْئًا مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتُمْ مَا يَقُولُ سَلْمَانُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَّا وَقَدْ رَأَيْنَاكَ تَضْرِبُ فَيَخْرُجُ بَرْقٌ كَالْمَوْجِ فَرَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ، وَلَا نَرَى شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: «صَدَقْتُمْ، ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الْأُولَى فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُورُ الْحِيرَةِ وَمَدَائِنُ كِسْرَى، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّانِيَةَ، فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ، أَضَاءَ لِي مِنْهُ قُصُورُ الْحُمُرِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ وَأَخْبَرَنِي جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّالِثَةَ وَبَرَقَ مِنْهَا الَّذِي رَأَيْتُمْ، أَضَاءَتْ لِي مِنْهَا قُصُورُ صَنْعَاءَ، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، وَأَخْبَرَنِي جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، فَأَبْشِرُوا، يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ، وَأَبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ، وَأَبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ» . فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعُودُ صِدْقٍ، بِأَنْ وَعَدَنَا النَّصْرَ بَعْدَ الْحَصْرِ،
فَطُبِّقَتِ الْأَحْزَابُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22] . الْآيَةَ، وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: أَلَا تَعْجَبُونَ؟ يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ وَيَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ، يُخْبِرَكُمْ أَنَّهُ يُبْصِرُ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَحْفُرُونَ الْخَنْدَقَ مِنَ الْفَرَقِ وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبَرَّزُوا؟ وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: 13] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 13] وَإِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ويَثْرِبُ: اسْمُ أَرْضٍ، فَيُقَالُ: إِنَّ مَدِينَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ يَثْرِبَ.
وَقَوْلُهُ ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: 13] بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ مُقَامٍ.
يَقُولُ: لَا مَكَانَ لَكُمْ، تَقُومُونَ فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
فَأَيِّيُّ مَا وَأَيَكَ كَانَ شَرًّا ... فَقَيَّدَ إِلَى الْمُقَامَةِ لَا يَرَاهَا
قَوْلُهُ ﴿فَارْجِعُوا﴾ [النور: 28] يَقُولُ: فَارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْهَرَبِ مِنْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفِرَارِ مِنْهُ وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى رَأْيِهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ " ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: 13] . إِلَى ﴿فِرَارًا﴾ [الكهف: 18] يَقُولُ: أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، وَمَنْ كَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ ". وَالْقِرَاءَةُ عَلَى فَتْحِ الْمِيمِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 13] بِمَعْنَى: لَا مَوْضِعَ قِيَامٍ لَكُمْ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِخِلَافِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: 13] بِضَمِّ الْمِيمِ، يَعْنِي: لَا إِقَامَةَ لَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَسْتَأْذِنُ بَعْضُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِذْنِ بِالِانْصِرَافِ عَنْهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ الْفِرَارَ وَالْهَرَبَ مِنْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ
أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: 13] . إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13] قَالَ: هُمْ بَنُو حَارِثَةَ، قَالُوا: بُيُوتُنَا مَخْلِيَّةٌ، نَخْشَى عَلَيْهَا السَّرَقَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ " ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةً﴾ [الأحزاب: 13] قَالَ: نَخْشَى عَلَيْهَا السَّرَقَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ " ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةً وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: 13] وَإِنَّهَا مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ، وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْهَا السُّرَّاقَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَجِدُ بِهَا عَدُوًّا، قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13] يَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] إِنَّمَا كَانَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ شَدَّادٍ أَبُو طَالُوتَ، عَنْ أَبِيهِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: 13] قَالَ: ضَائِعَةٌ "
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: وَلَوْ دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] مِنْ أَقْطَارِهَا، يَعْنِي: مِنْ جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا، وَأَحَدُهَا: قُطْرٌ، وَفِيهَا لُغَةٌ أُخْرَى: قُتْرٌ، وَأَقْتَارٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
إِنْ شِئْتَ أَنْ تُدْهِنَ أَوْ تَمْرَا ... فَوَلِّهِنِّ قَتْرَكَ الْأَشَرَّا
وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: ثُمَّ سُئِلُوا الرُّجُوعَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الشِّرْكِ ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: لَفَعَلُوا وَرَجَعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَشْرَكُوا.
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: وَمَا احْتَبَسُوا عَنْ إِجَابَتِهِمْ إِلَى الشِّرْكِ إِلَّا يَسِيرًا قَلِيلًا، وَلَأَسْرَعُوا إِلَى ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: 14] أَيْ لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب: 14] أَيِ الشِّرْكَ ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: لَأَعْطَوْهَا ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: إِلَّا أَعْطُوهُ طَيِّبَةٌ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا يَحْتَبِسُونَهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: 14] يَقُولُ: لَوْ دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ نَوَاحِيهَا ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: 14] سُئِلُوا أَنْ يَكْفُرُوا لَكَفَرُوا قَالَ: وَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لَوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الْجُيُوشُ، وَالَّذِينَ يُرِيدُونَ قِتَالَهُمْ ثُمَّ سُئِلُوا أَنْ يَكْفُرُوا لَكَفَرُوا؛ قَالَ:
وَالْفِتْنَةُ: الْكُفْرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] أَيِ الْكُفْرُ يَقُولُ: يَحْمِلُهُمُ الْخَوْفُ مِنْهُمْ وَخُبْثُ الْفِتْنَةِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مِنَ النِّفَاقِ عَلَى أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ". وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: 14] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ: (لَأَتَوْهَا) بِقَصْرِ الْأَلِفِ، بِمَعْنَى جَاؤُوهَا.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: 14] ، بِمَدِّ الْأَلْفِ، بِمَعْنَى: لَأَعْطَوْهَا، لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب: 14] وَقَالُوا: إِذَا كَانَ سُؤَالٌ كَانَ إِعْطَاءٌ، وَالْمَدُّ أَحَبُّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ لِمَا ذَكَرْتُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ، وَيَقُولُونَ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ أَنْ لَا يُوَلُّوا عَدُوَّهُمُ
الْأَدْبَارَ إِنْ لَقَوْهُمْ فِي مَشْهَدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ، فَمَا أَوْفُوا بِعَهْدِهِمْ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ يَقُولُ: فَيَسْأَلُ اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي بَنِي حَارِثَةَ لِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِي الْخَنْدَقِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ بِأُحُدٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ
, « ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْشَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ بَنِي سَلِمَةَ حِينَ هَمَّا بِالْفَشَلِ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ عَاهَدُوا اللَّهَ لَا يَعُودُونَ لِمِثْلِهَا، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهُمُ الَّذِي أَعْطُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ " ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ قَالَ: كَانَ نَاسٌ غَابُوا عَنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَرَأَوْا مَا أَعْطَى اللَّهُ أَصْحَابَ بَدْرٍ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ، فَقَالُوا: لَئِنْ أَشْهَدَنَا اللَّهُ قِتَالًا لَنُقَاتِلَنَّ، فَسَاقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ حَتَّى كَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْكَ وَيَقُولُونَ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] ، ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: 16] يَقُولُ: لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْ مَا كَتَبَ اللَّهُ مِنْهُمَا وَاصِلٌ إِلَيْكُمْ بِكُلِّ حَالٍ كَرِهْتُمْ أَوْ أَحْبَبْتُمْ ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] يَقُولُ: وَإِذَا فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ لَمْ يَزِدْ فِرَارُكُمْ ذَلِكَ فِي أَعْمَارِكُمْ وَآجَالِكُمْ، بَلْ إِنَّمَا تُمَتَّعُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي كُتِبَ لَكُمْ، ثُمَّ يَأْتِيكُمْ مَا كُتِبَ لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] وَإِنَّمَا الدُّنْيَا كُلُّهَا قَلِيلٌ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، " ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] قَالَ: إِلَى آجَالِهِمْ ". حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] قَالَ: مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَجَلِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آجَالِهِمْ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82] ، قَالَ: لِيَضْحَكُوا فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا، وَلْيَبْكُوا فِي النَّارِ كَثِيرًا "
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] قَالَ: إِلَى آجَالِهِمْ ". أَحَدُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ رَفَعَهُ إِلَى رَبِيعِ
بْنِ خَيْثَمٍ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ " ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] قَالَ: الْأَجَلُ ". وَرُفِعَ قَوْلُهُ ﴿تُمَتَّعُونَ﴾ [الأحزاب: 16] وَلَمْ يُنْصَبْ بِإِذَنْ، لِلْوَاوِ الَّتِي مَعَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا وَاوٌ كَانَ مَعْنَى إِذًا التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَوْ فَرُّوا لَا يُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا إِذًا، وَقَدْ يُنْصَبُ بِهَا أَحْيَانًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَاوٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ مَتْرُوكٌ، فَكَأَنَّهَا لَأَوَّلِ الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَيَقُولُونَ ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: 13] هَرَبًا مِنَ الْقَتْلِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَمْنَعُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ هُوَ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا فِي أَنْفُسِكِمْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ بَلَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ عَافِيَةٍ
وَسَلَامَةٍ؟ وَهَلْ مَا يَكُونُ بِكُمْ فِي أَنْفُسِكِمْ مِنْ سُوءٍ أَوْ رَحْمَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ؟ كَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، " ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: 17] أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ إِلَّا مَا قَضَيْتُ "
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 173] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَجِدُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ سُوءًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يَلِيهِمْ بِالْكِفَايَةِ وَلَا نَصِيرًا يَنْصُرُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ
سُوءِ ذَلِكَ.