وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَمَدًا﴾ [آل عمران: 30] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: بَعِيدًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
نَفْسِهِ: لَعَلَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَعْرِفُ أَسْمَعُ كَلَامَ أَهْلِهَا وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَدِينَةً قُرْبَ مَدِينَتِنَا فَقَامَ كَالْحَيْرَانِ لَا يَتَوَجَّهُ وَجْهًا، ثُمَّ لَقِيَ فَتًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ يَا فَتًى؟ قَالَ: اسْمُهَا أفسوس، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَعَلَّ بِي مَسًّا، أَوْ بِي أَمْرٌ أَذْهَبَ عَقْلِي؟ وَاللَّهِ يَحِقُّ لِي أَنْ أُسْرِعَ الْخُرُوجَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ أَخْزَى فِيهَا أَوْ يُصِيبَنِي شَرٌّ فَأَهْلِكَ.
هَذَا الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ يمليخا أَصْحَابَهُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا بِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَفَاقَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ عَجَّلْتُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُفْطَنَ بِي لَكَانَ أَكْيَسَ لِي، فَدَنَا مِنَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطَّعَامَ، فَأَخْرَجَ الْوَرِقَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، فَأَعْطَاهَا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ: بِعْنِي بِهَذِهِ الْوَرِقِ يَا عَبْدَ اللَّهِ طَعَامًا.
فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ، فَنَظَرَ إِلَى ضَرْبِ الْوَرِقِ وَنَقْشِهَا، فَعَجِبَ مِنْهَا، ثُمَّ طَرَحَهَا إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَارَحُونَهَا بَيْنَهُمْ مِنْ رَجُلٍ إِلَى رَجُلٍ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُمْ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَصَابَ كَنْزًا خَبِيئًا فِي الْأَرْضِ مُنْذُ زَمَانٍ وَدَهْرٍ طَوِيلٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَتَشَاوَرُونَ مِنْ أَجَلِهِ فَرَقَ فَرَقًا شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَرْتَعِدُ وَيَظُنُّ أَنَّهُمْ قَدْ فَطِنُوا بِهِ وَعَرَفُوهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ دقينوس يُسْلِمُونَهُ إِلَيْهِ.
وَجَعَلَ أُنَاسٌ آخَرُونَ يَأْتُونَهُ فَيَتَعَرَّفُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ وَهُوَ شَدِيدُ الْفَرَقِ مِنْهُمْ: أَفْضِلُوا عَلَيَّ، فَقَدْ أَخَذْتُمْ وَرِقِي فَأَمْسِكُوا، وَأَمَّا طَعَامُكُمْ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ.
قَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ يَا فَتًى، وَمَا شَأْنُكَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتَ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْأَوَّلِينَ، فَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُخْفِيَهُ مِنَّا، فَانْطَلِقْ مَعَنَا فَأَرِنَاهُ وَشَارِكْنَا فِيهِ، نُخْفِ عَلَيْكَ مَا وَجَدْتَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ نَأْتِ بِكَ السُّلْطَانَ،
فَنُسْلِمُكَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلُكَ.
فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ، عَجِبَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: قَدْ وَقَعْتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كُنْتُ أحْذَرُ مِنْهُ ثُمَّ قَالُوا: يَا فَتًى إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكْتُمَ مَا وَجَدْتَ، وَلَا تَظُنُّ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ سَيَخْفَى حَالُكَ.
فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لَهُمْ وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، وَفَرَقَ حَتَّى مَا يَحِيرُ إِلَيْهِمْ جَوَابًا، فَلَمَّا رَأَوْهُ لَا يَتَكَلَّمُ أَخَذُوا كِسَاءَهُ فَطَوَّقُوهُ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ جَعَلُوا يَقُودُونَهُ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ مُلَبَّبًا، حَتَّى سَمِعَ بِهَ مَنْ فِيهَا، فَقِيلَ: أُخِذَ رَجُلٌ عِنْدَهُ كَنْزٌ.
وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا الْفَتَى مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَمَا رَأَيْنَاهُ فِيهَا قَطُّ، وَمَا نَعْرِفُهُ، فَجَعَلَ يمليخا لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ لَهُمْ، مَعَ مَا يَسْمَعُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَقَ فَسَكَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُصَدَّقْ.
وَكَانَ مُسْتَيْقِنًا أَنَّ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّ حَسَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِهَا، وَأَنَّهُمْ سَيَأْتُونَهُ إِذَا سَمِعُوا، وَقَدِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ عَشِيَّةِ أَمْسِ يَعْرِفُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْيَوْمَ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدًا.
فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ كَالْحَيْرَانَ يَنْتَظِرُ مَتَى يَأْتِهِ بَعْضُ أَهْلِهِ، أَبُوهُ أَوْ بَعْضُ إِخْوَتِهِ فَيُخَلِّصُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، إِذِ اخْتَطَفُوهُ فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى رِئَيسَيِ الْمَدِينَةِ وَمُدَبِّرَيْهَا اللَّذَيْنِ يُدَبِّرَانِ أَمْرَهَا، وَهُمَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ، كَانَ اسْمُ أَحَدِهِمَا أريوس، وَاسْمُ الْآخَرِ أسطيوس، فَلَمَّا انْطُلِقَ بِهِ
إِلَيْهِمَا، ظَنَّ يمليخا أَنَّهُ يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى دقينوس الْجَبَّارِ مَلِكِهِمُ الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَجَعَلَ النَّاسُ يَسْخَرُونَ مِنْهُ، كَمَا يُسْخَرُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالْحَيْرَانِ، فَجَعَلَ يمليخا يَبْكِي.
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَإِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَهَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَوْلِجْ مَعِي رُوحًا مِنْكَ الْيَوْمَ تُؤَيِّدُنِي بِهِ عِنْدَ هَذَا الْجَبَّارِ.
وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا لَقِيتُ، وَأَنَّى يُذْهَبُ بِي إِلَى دقينوس الْجَبَّارِ، فَلَوْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ فَيَأْتُونَ، فَنَقُومُ جَمِيعًا بَيْنَ يَدَيْ دقينوس، فَإِنَّا كُنَّا تَوَاثَقْنَا لَنَكُونَنَّ مَعًا، لَا نَكْفُرُ بِاللَّهِ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَا نَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ مِنْ دُونَ اللَّهِ، فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَلَنْ يَرَوْنِي وَلَنْ أَرَاهُمْ أَبَدًا، وَقَدْ كُنَّا تَوَاثَقْنَا أَنْ لَا نَفْتَرِقَ فِي حَيَاةٍ وَلَا مَوْتٍ أَبَدًا.
يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ بِي؟ أَقَاتِلِي هُوَ أَمْ لَا؟ ذَلِكَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ يمليخا نَفْسَهُ فِيمَا أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ حِينَ رَجَعَ إِلَيْهِمْ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ أريوس وَأسطيوس، فَلَمَّا رَأَى يمليخا أَنَّهُ لَمْ يُذْهَبْ بِهِ إِلَى دقينوس، أَفَاقَ وَسَكَنَ عَنْهُ الْبُكَاءُ، فَأَخَذَ أريوس وَأسطيوس الْوَرِقَ فَنَظَرَا إِلَيْهَا وَعَجِبَا مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَيْنَ الْكَنْزُ الَّذِي وَجَدْتَ يَا فَتًى؟ هَذَا الْوَرِقُ يَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ قَدْ وَجَدْتَ كَنْزًا فَقَالَ لَهُمَا يمليخا: مَا وَجَدْتُ كَنْزًا وَلَكِنْ هَذِهِ الْوَرِقُ وَرِقُ آبَائِي، وَنَقْشُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَضَرْبُهَا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا شَأْنِي، وَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ يمليخا: مَا أَدْرِي، فَكُنْتُ أَرَى أَنِّي مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالُوا: فَمَنْ أَبُوكَ وَمَنْ يَعْرِفُكَ بِهَا؟
فَأَنْبَأَهُمْ بِاسْمِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا يَعْرِفُهُ وَلَا أَبَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: أَنْتَ رَجُلٌ كَذَّابٌ لَا تُنْبِئُنَا بِالْحَقِّ، فَلَمْ يَدْرِ يمليخا مَا يَقُولُ لَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ نَكَّسَ بَصَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ.
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَوْلَهُ: هَذَا رَجُلٌ مَجْنُونٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وَلَكِنَّهُ يُحَمِّقُ نَفْسَهُ عَمْدًا لِكَيْ يَنْفَلِتَ مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا، وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا شَدِيدًا: أَتَظُنُّ أَنَّكَ إِذْ تَتَجَانَنُ نُرْسِلُكَ وَنُصَدِّقُكَ بِأَنَّ هَذَا مَالُ أَبِيكَ، وَضَرْبُ هَذِهِ الْوَرِقِ وَنَقْشُهَا مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مِائَةِ سَنَةٍ؟ وَإِنَّمَا أَنْتَ غُلَامٌ شَابٌّ تَظُنُّ أَنَّكَ تَأْفِكُنَا، وَنَحْنُ شُمْطٌ كَمَا تَرَى، وَحَوْلَكَ سُرَاةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَولَاةُ أَمْرِهَا، إِنِّي لَأَظُنُّنِي سَآمُرُ بِكَ فَتُعَذَّبُ عَذَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ أُوثِقُكَ حَتَّى تَعْتَرِفَ بِهَذَا الْكَنْزِ الَّذِي وَجَدْتَ.
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ يمليخا: أَنْبِئُونِي عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكُمْ عَنْهُ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ صَدَقْتُكُمْ عَمَّا عِنْدِي، أَرَأَيْتُمْ دقينوس الْمَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ عَشِيَّةَ أَمْسِ مَا فَعَلَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ اسْمُهُ دقينوس، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا مَلِكٌ قَدْ هَلَكَ مُنْذُ زَمَانٍ وَدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ يمليخا: فَوَاللَّهِ إِنِّي إِذًا لَحَيْرَانُ، وَمَا هُوَ بِمُصَدِّقٌ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِمَا أَقُولُ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، لَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الْجَبَّارِ دقينوس، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ أَمْسِ حِينَ دَخَلَ مَدِينَةَ أفسوس، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَمَدِينَةُ أفسوس هَذِهِ أَمْ لَا؟ فَانْطَلِقَا مَعِي إِلَى الْكَهْفِ الَّذِي فِي جَبَلِ بنجلوس أُرِيكُمْ أَصْحَابِي.
فَلَمَّا سَمِعَ أريوسَ مَا يَقُولُ يمليخا قَالَ: يَا قَوْمُ لَعَلَّ هَذِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ جَعَلَهَا لَكُمْ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْفَتَى، فَانْطَلِقُوا بِنَا مَعَهُ يُرِنَا أَصْحَابَهُ، كَمَا
قَالَ.
فَانْطَلَقَ مَعَهُ أريوس وَأسطيوس، وَانْطَلَقَ مَعَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ، نَحْوَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْهِمْ.
وَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَةُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ يمليخا قَدِ احْتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِهِ، ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ دقينوس الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يَظُنُّونَ ذَلِكَ وَيَتَخَوَّفُونَهُ، إِذْ سَمِعُوا الْأَصْوَاتَ وَجَلَبَةَ الْخَيْلِ مُصْعِدَةً نَحْوَهُمْ، فَظُنُّوا أَنَّهُمْ رُسُلُ الْجَبَّارِ دقينوس بَعَثَ إِلَيْهِمْ لِيُؤْتَى بِهِمْ، فَقَامُوا حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَسَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالُوا: انْطَلِقُوا بِنَا نَأْتِ أَخَانَا يمليخا، فَإِنَّهُ الْآنَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ دقينوس يَنْتَظِرُ مَتَى نَأْتِهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ جُلُوسٌ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْكَهْفِ، فَلَمْ يَرَوْا إِلَّا أريوس وَأَصْحَابَهُ وُقُوفًا عَلَى بَابِ الْكَهْفِ.
وَسَبَقَهُمْ يمليخا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَبْكِي.
فَلَمَّا رَأَوْهُ يَبْكِي بَكَوْا مَعَهُ، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ شَأْنِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِمُ النَّبَأَ كُلَّهُ، فَعَرَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا بِأَمْرِ اللَّهِ ذَلِكَ الزَّمَانَ كُلَّهُ، وَإِنَّمَا أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آيَةً لِلنَّاسٍ، وَتَصْدِيقًا لِلْبَعْثِ، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَثَرِ يمليخا أريوس، فَرَأَى تَابُوتًا مِنْ نُحَاسِ مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَامَ بِبَابِ الْكَهْفِ، ثُمَّ دَعَا رِجَالًا مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَفَتَحَ التَّابُوتَ عِنْدَهُمْ، فَوَجَدُوا فِيهِ لَوْحَيْنِ مِنْ رَصَاصٍ، مَكْتُوبًا فِيهِمَا كِتَابٌ، فَقَرَأَهُمَا فَوَجَدَ فِيهِمَا: أَنَّ مكسلمينا، وَمحسلمينا، وَيمليخا، وَمرطونس، وَكسطونس، وَيبورس، وَيكرنوس،
وَيطبيونس، وَقالوش، كَانُوا فِتْيَةً هَرَبُوا مِنْ مَلِكِهِمْ دقينوس الْجَبَّارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَفْتِنَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَدَخَلُوا هَذَا الْكَهْفَ، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَكَانِهِمْ أَمَرَ بِالْكَهْفِ فَسُدَّ عَلَيْهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَإِنَّا كَتَبْنَا شَأْنَهُمْ وَقِصَّةَ خَبَرِهِمْ، لِيَعْلَمَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ إِنْ عَثَرَعَلَيْهِمْ.
فَلَمَّا قَرَءُوهُ، عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ الَّذِي أَرَاهُمْ آيَةً لِلْبَعْثِ فِيهِمْ، ثُمَّ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَسْبِيحِهِ.
ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى الْفِتْيَةِ الْكَهْفَ، فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، مُشْرِقَةً وُجُوهُهُمْ، لَمْ تَبْلَ ثِيَابُهُمْ.
فَخَرَّ أريوس وَأَصْحَابُهُ سُجُودًا، وَحَمِدُوا اللَّهَ الَّذِي أَرَاهُمْ آيَةً مِنْ آيَاتِهِ.
ثُمَّ كَلَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْبَأَهُمُ الْفِتْيَةُ عَنِ الَّذِينَ لَقُوا مِنْ مَلِكِهِمْ دقينوس ذَلِكَ الْجَبَّارُ الَّذِي كَانُوا هَرَبُوا مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّ أريوس وَأَصْحَابَهُ بَعَثُوا بَرِيدًا إِلَى مَلِكِهِمُ الصَّالِحِ تيذوسيس، أَنْ عَجِّلْ لَعَلَّكَ تَنْظُرُ إِلَى آيَةٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُلْكِكَ، وَجَعَلَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ، لِتَكُونَ لَهُمْ نُورًا وَضِيَاءً، وَتَصْدِيقًا بِالْبَعْثِ، فَاعْجَلْ عَلَى فِتْيَةٍ بَعَثَهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ تَوَفَّاهُمْ مُنْذُ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِ مِائَةِ سَنَةٍ.
فَلَمَّا أَتَى الْمَلِكَ تيذوسيس الْخَبَرُ، قَامَ مِنَ الْمَسْنَدَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَرَجَعَ إِلَيْهِ رَأْيُهُ وَعَقْلُهُ، وَذَهَبَ عَنْهُ هَمُّهُ، وَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَعْبُدُكَ، وَأَحْمَدُكَ، وَأُسَبِّحُ لَكَ، تَطَوَّلْتَ عَلَيَّ، وَرَحِمْتَنِي بِرَحْمَتِكَ، فَلَمْ تُطْفِئِ النُّورَ الَّذِي كُنْتَ جَعَلْتَهُ لِآبَائِي، وَلِلْعَبْدِ الصَّالِحِ قسطيطينوس
الْمَلِكِ، فَلَمَّا نَبَّأَ بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ رَكِبُوا إِلَيْهِ، وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا مَدِينَةَ أفسوس، فَتَلَقَّاهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى صَعِدُوا نَحْوَ الْكَهْفِ حَتَّى أَتَوْهُ، فَلَمَّا رَأَى الْفِتْيَةَ تيذوسيس، فَرِحُوا بِهِ، وَخَرُّوا سُجُودًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَقَامَ تيذوسيس قُدَّامَهُمْ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُمْ وَبَكَى، وَهُمْ جُلُوسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيَحْمَدُونَهُ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أُشْبِهَ بِكُمْ إِلَّا الْحَوَارِيُّونَ حِينَ رَأَوُا الْمَسِيحَ.
وَقَالَ: فَرَّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ، كَأَنَّكُمُ الَّذِي تُدْعَوْنَ فَتُحْشَرُونَ مِنَ الْقُبُورِ فَقَالَ الْفِتْيَةُ لتيذوسيس: إِنَّا نُودِعُكَ السَّلَامَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَفِظَكَ اللَّهُ، وَحَفِظَ لَكَ مُلْكَكَ بِالسَّلَامِ، وَنُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، فَأَمَرَ بِعَيْشٍ مِنْ خُلَّرٍ وَنَشِيلٍ.
إِنَّ أَسْوَأَ مَا سَلَكَ فِي بَطْنِ الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَعْلَمَ شَيْئًا إِلَّا كَرَامَةً إِنْ أُكْرِمَ بِهَا، وَلَا هَوَانَ إِنْ أُهِينَ بِهِ.
فَبَيْنَمَا الْمَلِكُ قَائِمٌ، إِذْ رَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، فَنَامُوا، وَتَوَفَّى اللَّهُ أَنْفُسَهُمْ بِأَمْرِهِ.
وَقَامَ الْمَلِكُ إِلَيْهِمْ، فَجَعَلَ ثِيَابَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَابُوتًا مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا أَمْسَوْا وَنَامَ، أَتَوْهُ فِي الْمَنَامِ، فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ وَإِلَى التُّرَابِ نَصِيرُ، فَاتْرُكْنَا كَمَا كُنَّا فِي الْكَهْفِ عَلَى التُّرَابِ حَتَّى يَبْعَثَنَا اللَّهُ مِنْهُ، فَأَمَرَ الْمَلِكُ حِينَئِذٍ بِتَابُوتٍ مِنْ سَاجٍ، فَجَعَلُوهُمْ فِيهِ،
وَحَجَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِمْ بِالرُّعْبِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَرَ الْمَلِكُ فَجُعِلَ كَهْفُهُمْ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ، وَجُعِلَ لَهُمْ عِيدًا عَظِيمًا، وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى كُلَّ سَنَةٍ.
فَهَذَا حَدِيثُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَعَثَهُمُ اللَّهُ يَعْنِي الْفِتْيَةَ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَقَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مُسْلِمٌ، يَعْنِي عَلَى أَهْلِ مَدِينَتِهِمْ، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَى الْفِتْيَةِ الْجُوعَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19] قَالَ: فَرَدُّوا عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمْ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدُكُمْ بَوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: 19] وَإِذَا مَعَهُمْ وَرِقٌ مِنْ ضَرْبِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانُوا فِي زَمَانِهِ ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] أَيْ بِطَعَامٍ ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 19] فَخَرَجَ أَحَدُهُمْ فَرَأَى الْمَعَالِمَ مُتَنَكِّرَةً حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ لَا يَعْرِفُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَخَرَجَ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ، فَسَامَهُ بِطَعَامِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ: هَاتِ وَرِقَكَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ الْوَرِقَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْوَرِقُ؟ قَالَ: هَذِهِ وَرِقُنَا وَوَرِقُ أَهْلِ بِلَادِنَا فَقَالَ: هَيْهَاتَ هَذِهِ الْوَرِقُ مِنْ ضَرْبِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مُنْذُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ أَنْتَ أَصَبْتَ كَنْزًا، وَلَسْتُ بِتَارِكِكَ حَتَّى أَرْفَعَكَ إِلَى الْمَلِكِ.
فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، وَإِذَا الْمَلِكُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُهُ مُسْلِمُونَ، فَفَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ،
وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَمْرَهُ، وَأَخْبَرْهُمْ خَبَرَ أَصْحَابِهِ، فَبَعَثُوا إِلَى اللَّوْحِ فِي الْخِزَانَةِ، فَأَتَوْا بِهِ، فَوَافَقَ مَا وُصِفَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهِمْ هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ آبَائِنَا، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهِمْ، هُمْ مُسْلِمُونَ مِنَّا.
فَانْطَلَقُوا مَعَهُ إِلَى الْكَهْفِ، فَلَمَّا أَتَوْا بَابَ الْكَهْفِ، قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أَصْحَابِي حَتَّى أُبَشِّرَهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْكُمْ مَعِي أَرْعَبْتُمُوهُمْ، فَدَخَلَ فَبَشَّرَهُمْ، وَقَبَضَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ.
قَالَ: وَعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءُ آبَائِنَا، وَنَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا.
وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهِمْ، هُمْ مِنَّا، نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ، وَنَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ كَمَا بَيَّنَّا قَبْلُ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ، كَذَلِكَ أَخْبَرَ عِبَادَهُ فِي كِتَابِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْثَرَ عَلَيْهِمُ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَعْثَرَهُمْ عَلَيْهِمْ، لِيَتَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ بِبَعْثِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ مِنْ رَقْدَتِهِمْ بَعْدَ طُولِ مُدَّتِهَا بِهَيْئَتِهِمْ يَوْمَ رَقَدُوا، وَلَمْ يَشِيبُوا عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَهْرَمُوا عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ فِيهِمْ قُدْرَتُهُ عَلَى بَعْثِ مَنْ أَمَاتَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْرِهِ إِلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَخْبَرَنَا، فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعَدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: 21] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: 19]
فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ ﴿بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: 19] بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْقَافِ.
وَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (بِوَرْقِكُمْ) بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْقَافِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَإِدْغَامِ الْقَافِ فِي الْكَافِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَّفِقَاتُ الْمَعَانِي، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ مِنْهَا، وَهُنَّ لُغَاتٌ مَعْرُوفَاتٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ فَتْحُ الْوَاوِ وَكَسْرُ الرَّاءِ وَالْقَافِ، لِأَنَّهُ الْوَرِقُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ طَلَبُ التَّخْفِيفِ.
وَفِيهِ أَيْضًا لُغَةٌ أُخْرَى وَهُوَ «الْوَرْقُ» كَمَا يُقَالُ لِلْكَبِدْ كَبْدٌ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ، فَالْقِرَاءَةُ بِهِ إِلَيَّ أَعْجَبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَيَانِ مَدْفُوعَةً صِحَّتُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الَّذِي بُعِثَ مَعَهُ بِالْوَرِقِ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ اسْمُهُ يَمْلِيخَا.
وَقَدْ:
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُقَاتِلٍ، ﴿فَابْعَثُوا أَحَدُكُمْ بَوِرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: 19] اسْمُهُ يَمْلِيخُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَلْيَنْظُرْ أَيَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَكْثَرُ طَعَامًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] قَالَ: أَكْثَرُ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهُ أَكْثَرُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: أَيُّهَا أَحَلُّ طَعَامًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] قَالَ: أَحَلُّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: أَيُّهَا خَيْرٌ طَعَامًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] قَالَ: خَيْرٌ طَعَامًا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَحَلُّ وَأَطْهَرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ طَعَامًا لِلشِّرَاءِ مِنْهُ إِلَّا بِمَعْنَى إِذَا كَانَ
أَكْثَرَهُمْ طَعَامًا، كَانَ خَلِيقًا أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَهُ أَوْجَدَ، وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الْمَأْمُورِ الشِّرَاءُ مِنْ صَاحِبِ الْأَفْضَلِ، فَقَدْ أُمِرَ بِشَرَاءِ الْجَيِّدِ، كَانَ مَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ مِنْهُ قَلِيلًا الْجَيِّدُ أَوْ كَثِيرًا، وَإِنَّمَا وَجَّهَ مَنْ وَجَّهَ تَأْوِيلَ أَزْكَى إِلَى الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُ وَجَدَ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَدْ زَكَا مَالُ فُلَانٍ: إِذَا كَثُرَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ ... وَلَلسَّبْعُ أَزْكَى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَطْيَبُ
بِمَعْنَى: أَكْثَرُ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَلَالَ الْجَيِّدَ وَإِنَّ قَلَّ أَكْثَرُ مِنَ الْحَرَامِ الْخَبِيثِ وَإِنْ كَثُرَ.
وَقِيلَ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ [الكهف: 19] فَأُضِيفَ إِلَى كِنَايَةِ الْمَدِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَهْلُهَا، لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَلْيَنْظُرْ أَيَّ أَهْلِهَا أَزْكَى طَعَامًا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ بِالْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: 19] أَيُّهَا أَحَلُّ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فَارَقُوا قَوْمَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، فَلَمْ يَسْتَجِيزُوا أَكْلَ ذَبِيحَتِهِمْ