وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
عَطْفًا بِهَا عَلَى (الْأُنْثَيَيْنِ) . ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: خَبِّرُونِي بِعِلْمِ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ، أَيَّ ذَلِكَ حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وَكَيْفَ حَرَّمَ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] فِيمَا تَنْحِلُونَهُ رَبَّكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ وَتُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِكُمْ.
وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ﴾ [الأنعام: 143] اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ الْآيَةَ، «إِنَّ كُلَّ هَذَا لَمْ أُحَرِّمْ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ [الأنعام: 143] اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قَالَ: سَلْهُمْ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] ؟ أَيْ لَمْ أُحَرِّمْ مِنْ هَذَا شَيْئًا.
﴿بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: 143] فَذَكَرَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ نَحْوَ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: 143] " فِي شَأْنِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَحِيرَةِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: 143] قَالَ: " هَذَا فِي شَأْنِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسُّيَّبِ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَقُولُ: " مِنْ أَيْنَ حَرَّمْتُ هَذَا مِنْ قِبَلِ الذَّكَرَيْنِ أَمِ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ وَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيمُ؟ فَأَجَابُوا هُمْ: وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] ، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] ، يَقُولُ: " أَنْزَلْتُ لَكُمْ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ هَذَا الَّذِي عَدَدْتُ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟ يَقُولُ: أَيْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ مَا تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَمَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى مِنَ الثَّمَانِيَةِ، إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا مِنْ أَجْلِ مَا حَرَّمُوا مِنَ الْأَنْعَامِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] قَالَ: «مَا حَمَلَتِ الرَّحِمُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] قَالَ: هَذَا لِقَوْلِهِمْ: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامُ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139] ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ﴾ [الأنعام: 143] اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قَالَ: الْأَنْعَامُ: هِيَ الْإِبِلُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ، هَذِهِ الْأَنْعَامُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: 143] . قَالَ: وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: 138] نَحْتَجِرُهَا عَلَى مَنْ نُرِيدُ وَعَمَّنْ نُرِيدُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَانْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ قَالَ: لَا يَرْكَبُهَا أَحَدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 138] فَقَالَ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] أَيُّ هَذَيْنِ حَرَّمَ عَلَى هَؤُلَاءِ، أَيْ أَنْ تَكُونَ لِهَؤُلَاءِ حِلًّا وَعَلَى هَؤُلَاءِ حَرَامًا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] يَعْنِي: «هَلْ تَشْتَمِلُ الرَّحِمُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَهُمْ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَيُحِلُّونَ بَعْضًا؟»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَزْوَاجٍ، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] يَقُولُ: لَمْ أُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يَقُولُ: «كُلُّهُ حَلَالٌ» وَالضَّأْنُ: جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقَدْ يُجْمَعُ الضَّأْنُ: الضَّئِينَ وَالضِّئِينَ، مِثْلُ الشَّعِيرِ وَالشِّعِيرِ، كَمَا يُجْمَعُ الْعَبْدُ عَلَى عَبِيدٍ وَعِبِيدٍ.
وَأَمَّا الْوَاحِدُ مِنْ ذُكُورِهِ فَضَائِنٌ، وَالْأُنْثَى ضَائِنَةٌ، وجَمْعُ الضَّائِنَةِ: ضَوَائِنُ، وَكَذَلِكَ الْمَعْزُ جَمْعٌ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمِعْزَى، وَأَمَّا الْمَاعِزُ، فَجَمْعُهُ مَوَاعِزُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 144] وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 144] نَحْوُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 143] ، وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَزْوَاجٍ، عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الْأَرْبَعَةِ قَبْلُ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، فَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَزْوَاجٍ كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 144] فَإِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ
نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَصَّ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ، يَقُولُ لَهُ عَزَّ ذِكْرُهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، أَيُّ هَذِهِ سَأَلْتُكُمْ عَنْ تَحْرِيمِهِ حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ؟ فَإِنْ أَجَابُوكَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا سَأَلْتَهُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُمْ: أَخَبَرًا قُلْتُمْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا عَلَيْكُمْ أَخْبَرَكُمْ بِهِ رَسُولٌ عَنْ رَبِّكُمْ، أَمْ شَهِدْتُمْ رَبَّكُمْ فَرَأَيْتُمُوهُ فَوَصَّاكُمْ بِهَذَا الَّذِي تَقُولُونَ وَتَرُدُّونَ عَلَى اللَّهِ؟ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ مِنْ إِخْبَارِكُمْ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ حَرَامٌ بِمَا تَزْعُمُونَ عَلَى مَا تَزْعُمُونَ، لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِوَحْي مِنْ عِنْدِهِ مَعَ رَسُولٍ يُرْسِلُهُ إِلَى خَلْقِهِ، أَوْ بِسَمَاعٍ مِنْهُ، فَبِأَيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِرَسُولٍ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ؟ فَأَنْبِئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَمْ شَهِدْتُمْ رَبَّكُمْ، فَأَوْصَاكُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ لَكُمْ: حَرَّمْتُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَسَمِعْتُمْ تَحْرِيمَهُ مِنْهُ وَعَهْدَهُ إِلَيْكُمْ بِذَلِكَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 144] يَقُولُ: فَمَنْ أَشَدُّ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ، وَأَبْعَدُ عَنِ الْحَقِّ، مِمَّنْ تَخَرَّصَ عَلَى اللَّهِ قِيلَ الْكَذِبِ وَأَضَافَ إِلَيْهِ تَحْرِيمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْ وَتَحْلِيلَ مَا لَمْ يُحَلِّلْ.
﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 144] يَقُولُ: لِيَصُدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51] يَقُولُ: لَا يُوَفِّقُ اللَّهُ لِلرُّشْدِ مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ وَقَالَ عَلَيْهِ الزُّورَ وَالْكَذِبَ وَأَضَافَ إِلَيْهِ تَحْرِيمَ مَا لَمْ يُحَرِّمْ كُفْرًا بِاللَّهِ وَجُحُودًا لِنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَالَّذِي حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: 144] «الَّذِي تَقُولُونَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْبَحَائِرَ وَالسَّوَائِبَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَذَا.
فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 144]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ
لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا، ولِشُرَكَائِهِمْ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ مِثْلَهُ، وَالْقَائِلِينَ ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: 138] ، وَالْمُحَرِّمِينَ مِنْ أَنْعَامٍ أُخَرَ ظُهُورَهَا، وَالتَّارِكِينَ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَى أُخَرَ مِنْهَا، وَالْمُحَرِّمِينَ بَعْضَ مَا فِي بُطُونِ بَعْضِ أَنْعَامِهِمْ عَلَى إِنَاثِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَمُحِلِّيهِ لِذُكُورِهِمْ، الْمُحَرِّمِينَ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَإِضَافَةً مِنْهُمْ مَا يُحَرِّمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ: أَجَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ بِتَحْرِيمِهِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَأَنْبِئُونَا بِهِ، أَمْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مُشَاهَدَةً مِنْكُمْ لَهُ، فَسَمِعْتُمْ مِنْهُ تَحْرِيمَهُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَحَرَّمْتُمُوهُ؟ فَإِنَّكُمْ كُذُبَةٌ إِنِ ادَّعَيْتُمْ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُكُمْ دَعْوَاهُ، لِأَنَّكُمْ إِذَا ادَّعَيْتُمُوهُ عَلِمَ النَّاسُ كَذِبَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مِنْ كِتَابِهِ وآيِ تَنْزِيلِهِ شَيْئًا مُحَرَّمًا عَلَى آكِلٍ يَأْكُلُهُ مِمَّا تَذْكُرُونَ أَنَّهُ حَرَّمَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْعَامِ الَّتِي تَصِفُونَ، تَحْرِيمَ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مِنْهَا بِزَعْمِكُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً قَدْ مَاتَتْ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا وَهُوَ الْمُنْصَبُّ أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ.
﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: 145] يَقُولُ: أَوْ إِلَّا أَنْ
يَكُونَ فِسْقًا، يَعْنِي بِذَلِكَ: أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَذْبُوحًا ذَبَحَهُ ذَابِحٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِصَنَمِهِ وَآلِهَتِهِ فَذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ وَثَنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الذَّبْحَ فِسْقٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ، وَنَهَى مَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ أَكْلِ مَا ذُبِحَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ.
وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ بِمَا جَادَلُوهُمْ بِهِ أَنَّ الَّذِيَ جَادَلُوهُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَرَامُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ حَلَالٌ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَأَنَّهُمْ كُذُبَةٌ فِي إِضَافَتِهِمْ تَحْرِيمَهُ إِلَى اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ وَيُحِلُّونَ أَشْيَاءَ، فَقَالَ: قُلْ لَا أَجِدُ مِمَّا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَ وَتَسْتَحِلُّونَ إِلَّا هَذَا ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ، قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَ أَشْيَاءَ وَيُحَرِّمُونَ أَشْيَاءَ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] مِمَّا كُنْتُمْ تَسْتَحِلُّونَ إِلَّا هَذَا، وَكَانَتْ أَشْيَاءُ يُحَرِّمُونَهَا فَهِيَ حَرَامٌ الْآنَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: " مَا يُؤْكَلُ.
قُلْتُ: فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145]
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: «مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ، لَا أَجِدُ مُحَرَّمًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَوْ دَمًا مُسَالًا مُهْرَاقًا، يُقَالُ مِنْهُ: سَفَحْتُ دَمَهُ: إِذَا أَرَقْتُهُ، أَسْفَحُهُ سَفْحًا، فَهُوَ دَمٌ مَسْفُوحٌ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ:
[البحر الكامل]
إِنِّي وَجَدِّكَ مَا هَجَوْتُكَ وَالْـ ... أَنْصَابِ يُسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمُ
وَكَمَا قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
[البحر الوافر]
إِذَا مَا عَادَهُ مِنَّا نِسَاءٌ ... سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بَعْدِ الرَّنِينِ
يَعْنِي: صَبَبْنَ، وَأَسَلْنَ الدَّمْعَ.
وَفِي اشْتِرَاطِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الدَّمِ عِنْدَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ تَحْرِيمَهُ إِيَّاهُ الْمَسْفُوحَ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ مَسْفُوحًا فَحَلَالٌ غَيْرُ نَجِسٍ
وَذَلِكَ كَالَّذِي حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: «لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لِتَتَبَّعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعُرُوقِ مَا تَتَبَّعَتِ الْيَهُودُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَاتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، " فِي الْقِدْرِ يَعْلُوهَا الْحُمْرَةُ مِنَ الدَّمِ قَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: " سَأَلْتُهُ عَنِ الدَّمِ، وَمَا يَتَلَطَّخُ بِالْمَذْبَحِ مِنَ الرَّأْسِ، وَعَنِ الْقِدْرِ يُرَى فِيهَا الْحُمْرَةُ، قَالَ: «إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَنِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: «حَرَّمَ الدَّمَ مَا كَانَ مَسْفُوحًا، وَأَمَّا لَحْمٌ خَالَطَهُ دَمٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] : «يَعْنِي مُهْرَاقًا»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] قَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَتَتَبَّعَ الْمُسْلِمُونَ عُرُوقَ اللَّحْمِ مَا تَتَبَّعَهَا الْيَهُودُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُّ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَرَى بِلُحُومِ السِّبَاعِ بَأْسًا، وَالْحُمْرَةِ وَالدَّمِ يَكُونَانِ عَلَى الْقِدْرِ بَأْسًا.
وَقَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، ثني الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ، وَذَكَرَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] قُلْتُ: «وَإِنَّ الْبُرْمَةَ لِيُرَى فِي مَائِهَا الصُّفْرَةُ» وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْسِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَأَنَّهُ النَّجَسُ وَالنَّتْنُ، وَمَا يُعْصَى اللَّهُ بِهِ، بِشَوَاهِدِهِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْفِسْقِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] قَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ بِشَوَاهِدِهِ الْكَافِيَةِ مِنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ عَنْ تِكْرَارِهِ وَإِعَادَتِهِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145] فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ [الأنعام: 145] بِالْيَاءِ ﴿ (مَيْتَةً) ﴾ مُخَفَّفَةَ الْيَاءِ مَنْصُوبَةً عَلَى أَنَّ فِي (يَكُونَ) مَجْهُولًا، وَالْمَيْتَةُ فِعْلٌ لَهُ فَنُصِبَتْ عَلَى أَنَّهَا فِعْلُ (يَكُونَ) ، وَذَكَّرُوا (يَكُونَ) لِتَذْكِيرِ الْمُضْمَرِ فِي (يَكُونَ) . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ) بِالتَّاءِ (مَيْتَةً) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ مِنَ الْمَيْتَةِ وَنَصْبِهَا.
وَكَأَنَّ مَعْنَى نَصْبِهِمُ الْمَيْتَةَ مَعْنَى الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّثُوا (تَكُونَ) لِتَأْنِيثِ الْمَيْتَةِ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّهَا قَائِمَةٌ جَارِيَتُكَ، وَإِنَّهُ قَائِمٌ جَارِيَتُكَ، فَيُذَكَّرُ الْمَجْهُولُ مَرَّةً، وَيُؤَنَّثُ أُخْرَى لِتَأْنِيثِ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَيِّتَةٌ) بِالتَّاءِ فِي (تَكُونَ) ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ (مَيِّتَةٌ) وَرَفْعِهَا، فَجَعَلَ (الْمَيِّتَةَ) اسْمَ (تَكُونَ) ، وَأَنَّثَ (تَكُونَ) لِتَأْنِيثِ (الْمَيِّتَةِ) ، وَجَعَلَ (تَكُونَ) مُكْتَفِيَةً بِالِاسْمِ دُونَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَيِّتَةً) اسْتِثْنَاءٌ، وَالْعَرَبُ تَكْتَفِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَسْمَاءِ عَنِ الْأَفْعَالِ، فَيَقُولُونَ: قَامَ النَّاسُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَاكَ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخُوكَ، فَلَا تَأْتِي
لِيَكُونَ بِفِعْلٍ، وَتَجْعَلَهَا مُسْتَغْنِيَةً بِالِاسْمِ، كَمَا يُقَالُ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا أَخَاكَ وَإِلَّا أَخُوكَ، فَلَا يُعْتَدُّ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ نَفْلًا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ [الأنعام: 145] بِالْيَاءِ ﴿مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 139] بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَنَصْبِ الْمَيْتَةِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي (يَكُونَ) مِنَ الْمُكَنَّى مِنْ ذِكْرِ الْمُذَكَّرِ، وَإِنَّمَا هُوَ: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا.
فَأَمَّا قِرَاءَةُ (مَيْتَةٌ) بِالرَّفْعِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَرَبِيَّةِ غَيْرَ خَطَأٍ فَإِنَّهُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي قِرَاءَةِ الدَّمِ بِالنَّصْبِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (الْمَيْتَةِ) . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَيْتَةَ لَوْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً لَكَانَ الدَّمُ وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: 145] مَرْفُوعَيْنِ، وَلَكِنَّهَا مَنْصُوبَةٌ فَيُعْطَفُ بِهِمَا عَلَيْهَا بِالنَّصْبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145] وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: 173] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ:
فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ
مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ إِيَّاهُ تَلَذُّذًا، لَا لِضَرُورَةِ حَالَةٍ مِنَ الْجُوعِ، وَلَا عَادٍ فِي أَكْلِهِ بِتَجَاوُزِهِ مَا حَدَّهُ اللَّهُ وَأَبَاحَهُ لَهُ مِنْ أَكْلِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْخَوْفَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَرْكِ أَكْلِهِ مِنَ الْهَلَاكِ لَمْ يَتَجَاوَزْ ذَلِكَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ مَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ [الأنعام: 145] فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَسَاتِرٌ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَاءَ عَاقَبَهُ عَلَيْهِ.
﴿رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143] بِإِبَاحَتِهِ إِيَّاهُ أَكْلَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَوْ شَاءَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ وَمَنْعَهُ مِنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحَرَّمْنَا عَلَى الْيَهُودِ كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَهُوَ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مَا لَمْ
يَكُنْ مَشْقُوقَ الْأَصَابِعِ كَالْإِبِلِ وَالْأَنْعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: 146] «وَهُوَ الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: 146] قَالَ: « الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَابِّ»