تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 480-493

﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾

صفحات 480-493
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَزْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: " وَلَدُ الْوَلَدِ: هُمُ الْوَلَدُ مِنَ الْوَرَاءِ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعَهُ ابْنُ ابْنِهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ ابْنِي، قَالَ: هَذَا وَلَدُكَ مِنَ الْوَرَاءِ.
قَالَ: فَكَأَنَّهُ شَقَّ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: " ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَوَلَدُ الْوَلَدِ: هُمُ الْوَرَاءُ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا ضَحِكَتْ سَارَةُ وَقَالَتْ: عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا هَؤُلَاءِ، إِنَّا نَخْدُمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا تَكْرُمَةً لَهُمْ وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا قَالَ لَهَا جِبْرِيلُ: أَبْشِرِي بِوَلَدٍ اسْمُهُ إِسْحَاقُ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَضَرَبَتْ وَجْهَهَا عَجَبًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: 29] وَقَالَتْ: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ قَالَتْ سَارَةُ: مَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِهِ عُودًا يَابِسًا فَلَوَاهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَاهْتَزَّ أَخْضَرَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: هُوَ لِلَّهِ إِذًا ذَبِيحًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] يَعْنِي سَارَةَ لَمَّا عَرَفَتْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَلَمَّا تَعْلَمُ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ بِابْنٍ وَبِابْنِ ابْنٍ، فَقَالَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا يُقَالُ: ضَرَبَتْ عَلَى جَبِينِهَا: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: 72] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73] " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ: «وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ» بِرَفْعِ «يَعْقُوبُ» ، وَيُعِيدُ ابْتِدَاءَ الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ﴾ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ خَبَرَ مُبْتَدَأِِ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَعْنَى التَّبْشِيرِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ نَصْبًا؛ فَأَمَّا الشَّامِيُّ مِنْهُمَا فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْحُو بِيَعْقُوبَ نَحْوَ النَّصْبِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ آخَرَ مُشَاكِلٍ لِلْبِشَارَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ «وَهَبْنَا» عَمِلَ فِيهِ التَّبْشِيرُ وَعَطَفَ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ «إِسْحَاقَ» ، إِذْ

كَانَ إِسْحَاقُ، وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمَنْصُوبِ بِعَمَلِ «بَشَّرْنَا» فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] جِئْنِي بِمِثْلِ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِهِمُ ... أَوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظُورِ بْنِ سَيَّارِ أَوْ عَامِرَ بْنَ طُفَيْلٍ فِي مُرَكَّبِهِ ... أَوْ حَارِثًا يَوْمَ نَادَى الْقَوْمُ يَا حَارِ وَأَمَّا الْكُوفِيُّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ قَرَأَهُ بِتَأْوِيلِ الْخَفْضِ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ نَصَبَهُ لِأَنَّهُ لَا يُجْرَى.
وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَجْلِ دُخُولِ الصِّفَةِ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالِاسْمِ، وَقَالُوا: خَطَأٌ أَنْ يُقَالَ: مَرَرْتُ بِعَمْرٍو فِي الدَّارِ وَفِي الدَّارِ زَيْدٌ، وَأَنْتَ عَاطِفٌ بِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو، إِلَّا بِتَكْرِيرِ الْبَاءِ وَإِعَادَتِهَا، فَإِنْ لَمْ تَعُدْ كَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمُ الرَّفْعَ وَجَازَ النَّصْبُ، فَإِنْ قُدِّمَ الِاسْمُ عَلَى الصِّفَةِ جَازَ حِينَئِذٍ الْخَفْضُ، وَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: مَرَرْتُ بِعَمْرٍو فِي الدَّارِ، وَزَيْدٍ فِي الْبَيْتِ.
وَقَدْ أَجَازَ الْخَفْضَ، وَالصِّفَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالِاسْمِ بَعْضُ نَحْوِيِِّي الْبَصْرَةِ،

وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالَّذِي لَا يَتَنَاكَرُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَمَا عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ.
فَأَمَّا النَّصْبُ فِيهِ فَإِنَّ لَهُ وَجْهًا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهِ، لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ نَزَلَ بِأَفْصَحِ أَلْسُنِ الْعَرَبِ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْعِلْمِ بِالَّذِي نَزَلَ بِهِ مِنَ الْفَصَاحَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ سَارَةُ لَمَّا بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ أَنَّهَا تَلِدُ تَعَجُّبًا مِمَّا قِيلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، إِذْ كَانَتْ قَدْ

بَلَغَتِ السِّنَّ الَّتِي لَا يَلِدُ مَنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهَا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الرِّوَايَةَ فِيمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَبْلُ وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «كَانَتْ سَارَةُ يَوْمَ بُشِّرَتْ بِإِسْحَاقَ فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ» ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ [هود: 72] وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ، وَالِاسْتِنْكَارِ لِلشَّيْءٍ، فَيَقُولُونَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ: وَيْلُ أُمِّهِ رَجُلًا مَا أَرْجَلَهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي هَذِهِ الْأَلِفِ الَّتِي فِي: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ [هود: 72] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هَذِهِ أَلِفُ حَقِيقَةً، إِذَا وَقَفْتَ قُلْتَ: يَا وَيْلَتَاهُ، وَهِيَ مِثْلُ أَلِفِ النُّدْبَةِ، فَلَطُفَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي السَّكْتِ، وَجُعِلَتْ بَعْدَهَا الْهَاءُ لِتَكُونَ أَبْيَنَ لَهَا، وَأَبْعَدَ فِي الصَّوْتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلِفَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَ حَرْفَيْنِ كَانَ لَهَا صَدًى كَنَحْوِ الصَّوْتِ يَكُونُ فِي جَوْفِ الشَّيْءِ، فَيَتَرَدَّدُ فِيهِ، فَتَكُونُ أَكْثَرَ وَأَبَيْنَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذِهِ أَلِفُ النُّدْبَةِ، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهَا فَجَائِزٌ، وَإِنْ وَقَفْتَ عَلَى الْهَاءِ فَجَائِزٌ؛ وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ وَقَفُوا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: 11] فَحَذَفُوا الْوَاوَ وَأَثْبَتُوهَا، وَكَذَلِكَ: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: 64] بِالْيَاءِ، وَغَيْرِ الْيَاءِ؟ قَالَ: وَهَذَا أَقْوَى مِنْ أَلِفِ النُّدْبَةِ وَهَائِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْأَلِفَ أَلِفُ النُّدْبَةِ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالْهَاءِ وَغَيْرِ الْهَاءِ جَائِزٌ فِي الْكَلَامِ لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: 72] تَقُولُ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَأَنَا عَجُوزٌ.
﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72] وَالْبَعْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الزَّوْجُ؛ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَيِّمُ أَمْرِهَا، كَمَا سَمَّوْا مَالِكَ الشَّيْءِ: بَعْلَهُ، وَكَمَا قَالُوا لِلْنِخْلِ الَّتِي تَسْتَغْنِي بِمَاءِ السَّمَاءِ عَنْ سَقْيِ مَاءِ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ الْبَعْلَ، لِأَنَّ مَالِكَ الشَّيْءِ الْقَيِّمُ بِهِ، وَالنَّخْلَ الْبَعْلَ بِمَاءِ السَّمَاءِ حَيَاتُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: 72] يَقُولُ: إِنَّ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْ مِثْلِي وَمِثْلِ بَعْلِي عَلَى السِّنِّ الَّتِي بِهَا نَحْنُ لَشَيْءٌ عَجِيبٌ.
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 73] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتِ الرُّسُلُ لَهَا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَكُونَ، وَقَضَاءٍ قَضَاهُ اللَّهُ فِيكِ وَفِي بَعْلِكِ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يَقُولُ: رَحْمَةُ اللَّهِ وَسَعَادَتُهُ لَكُمْ أَهْلَ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ.
وَجُعِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ خَلْفًا مِنَ الْإِضَافَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مَحْمُودٌ فِي تَفَضُّلِهِ عَلَيْكُمْ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْكُمْ، وَعَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ مَجِيدٌ؛ يَقُولُ: ذُو مَجْدٍ وَمَدْحٍ وَثَنَاءٍ كَرِيمٍ، يُقَالُ فِي فَعُلَ مِنْهُ: مَجُدَ الرَّجُلُ يَمْجُدُ مَجَادَّةً إِذَا صَارَ كَذَلِكَ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ مَدَحْتُهُ قُلْتَ: مَجَّدْتُهُ تَمْجِيدًا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَوْفُ الَّذِي أَوْجَسَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ رُسُلِنَا حِينَ رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَى طَعَامِهِ، وَأَمِنَ أَنْ يَكُونَ قُصِدَ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ بِسُوءٍ، وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِإِسْحَاقَ، ظَلَّ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ،﴾ [هود: 74] يَقُولُ: ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْفُ، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ [هود: 74] بِإِسْحَاقُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى،﴾ [هود: 74] بِإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ وَلَدًا مِنْ صُلْبِ إِسْحَاقَ، وَأَمِنَ مِمَّا كَانَ يَخَافُ؛ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهْبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّيَ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ " وَقَدْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ يُرِيدُونَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ [هود: 74] قَالَ: حِينَ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ أُرْسِلُوا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا إِيَّاهُ

يُرِيدُونَ "

قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثَنَا مَعْمَرٌ وَقَالَ آخَرُونَ: «بُشِّرَ بِإِسْحَاقَ» وَأَمَّا الرَّوْعُ: فَهُوَ الْخَوْفُ، يُقَالُ مِنْهُ: رَاعَنِي كَذَا يَرُوعُنِي رَوْعًا: إِذَا خَافَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَيْفَ لَكَ بِرَوْعَةِ الْمُؤْمِنِ» وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: [البحر الكامل] مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَةُ أَهْلِهَا ... وَسْطَ الدِّيَارِ تَسَفُّ حَبَّ الْخِمْخِمِ بِمَعْنَى: مَا أَفْزَعَنِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " الرَّوْعُ: الْفَرَقُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: 74] قَالَ: الْفَرَقُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿" فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ،﴾ [هود: 74] قَالَ: الْفَرَقُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: 74] قَالَ: ذَهَبَ عَنْهُ الْخَوْفُ " وَقَوْلُهُ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] يَقُولُ: يُخَاصِمُنَا.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [هود: 74] يُخَاصِمُنَا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [هود: 74] يُكَلِّمُنَا، وَقَالَ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يُجَادِلُ اللَّهَ إِنَّمَا يَسْأَلُهُ وَيَطْلُبُ مِنْهُ.
وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ جَهْلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُجَادِلُ فِي قَوْمِ لُوطٍ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِبْرَاهِيمُ لَا يُجَادِلُ، مُوهُمًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [هود: 74] يُخَاصِمُنَا، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يُخَاصِمُ رَبَّهُ جَهْلٌ مِنَ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ جِدَالُهُ الرُّسُلَ عَلَى وَجْهِ الْمُحَاجَّةِ لَهُمْ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُ رُسُلُنَا، وَلَكِنَّهُ لَمَّا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ حَذَفَ الرُّسُلَ.
وَكَانَ جِدَالُهُ إِيَّاهُمْ كَمَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، قَالَ: ثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ سَعِيدٍ، " ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] قَالَ: لَمَّا جَاءَ جَبْرَئِيلُ، وَمَنْ مَعَهُ قَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: 31] قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: أَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعُ مِائَةِ مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا ثَلَاثُ مِائَةِ مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا مِئَتَا مُؤْمِنٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُؤْمِنًا؟ قَالُوا: لَا.
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَعَدُّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بِامْرَأَةِ لُوطٍ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا الْحِمَّانِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ

جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ الْمَلَكُ لِإِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةٌ يُصَلُّونَ رُفِعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مُجَادَلَتُهُ إِيَّاهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَمُعَذِّبُوهَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا حَتَّى صَارَ ذَلِكَ إِلَى عَشَرَةٍ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةٌ أَمُعَذِّبُوهُمْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا.
وَهِيَ ثَلَاثُ قُرًى فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالْعَدَدِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: إِنْ كَانَ فِيهَا خَمْسُونَ لَمْ نُعَذِّبْهُمْ، قَالَ: أَرْبَعُونَ؟ قَالُوا: وَأَرْبَعُونَ.
قَالَ: ثَلَاثُونَ؟ قَالُوا: ثَلَاثُونَ.
حَتَّى بَلَغَ عَشَرَةً، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ، قَالَ: مَا قَوْمٌ لَا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ: قَالَ مَعْمَرٌ: بَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ فِي قَرْيَةِ

لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ، وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ [هود: 74] ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: 57] قَالُوا: إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ فَجَادَلَهُمْ فِي قَوْمِ لُوطٍ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مِائَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا: لَا، فَلَمْ يَزَلْ يَحُطُّ حَتَّى بَلَغَ عَشَرَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: لَا نُعَذِّبُهُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
ثُمَّ قَالُوا: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: 76] إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ لُوطٌ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى،﴾ [هود: 74] يَعْنِي: إِبْرَاهِيمَ جَادَلَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ لِيَرُدَّ عَنْهُمُ الْعَذَابَ قَالَ: فَيَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ مُجَادَلَةَ إِبْرَاهِيمَ إِيَّاهُمْ حِينَ جَادَلَهُمْ فِي قَوْمِ لُوطٍ لِيَرُدَّ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، إِنَّمَا قَالَ لِلرُّسُلِ فِيمَا يُكَلِّمُهُمْ بِهِ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مِائَةُ مُؤْمِنٍ أَتُهْلِكُونَهُمْ؟ قَالُوا:، لَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا تِسْعِينَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا ثَمَانِينَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سَبْعِينَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا سِتِّينَ؟ قَالُوا لَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانُوا خَمْسِينَ؟ قَالُوا لَا، قَالَ:

أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ رَجُلًا وَاحِدًا مُسْلِمًا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرُوا لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّ فِيهَا مُؤْمِنًا وَاحِدًا ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: 32] يَدْفَعُ بِهِ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: 32] قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَتُهْلِكُونَهُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ فِيهَا مِائَةُ مُؤْمِنٍ ثُمَّ تِسْعِينَ؟ حَتَّى هَبَطَ إِلَى خَمْسَةٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي قَرْيَةِ لُوطٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: ثَنَا صَفْوَانُ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى، وَمُسْلِمٌ أَبُو الْحَبِيلِ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَا: " ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود: 74] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَتُعَذِّبُ عَالَمًا مِنْ عَالَمِكَ كَثِيرًا فِيهِمْ مِائَةُ رَجُلٍ؟ قَالَ: لَا، وَعِزَّتِي وَلَا خَمْسِينَ قَالَ: فَأَرْبَعِينَ؟ فَثَلَاثِينَ؟ حَتَّى انْتَهَى إِلَى خَمْسَةٍ، قَالَ: لَا وَعِزَّتِي لَا أُعَذِّبُهُمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسَةٌ يَعْبُدُونَنِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36] أَيْ لُوطًا وَابْنَتَيْهِ، قَالَ: فَحَلَّ

بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: 37] وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74] «وَالْعَرَبُ لَا تَكَادُ تَتَلَقَّى» لَمَّا " إِذَا وَلِيَهَا فِعْلٌ مَاضٍ إِلَّا بِمَاضٍ، يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ قُمْتُ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: لَمَّا قَامَ أَقُومُ.
وَقَدْ يَجُوزُ فِيمَا كَانَ مِنَ الْفِعْلِ لَهُ تَطَاوُلٌ مِثْلُ الْجِدَالِ وَالْخُصُومَةِ وَالْقِتَالِ، فَيَقُولُونَ فِي ذَلِكَ: لَمَّا لَقِيتُهُ أُقَاتِلُهُ، بِمَعْنَى: جَعَلْتُ أُقَاتِلُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَبَطِيءُ الْغَضَبِ مُتَذَلِّلٌ لِرَبِّهِ خَاشِعٌ لَهُ، مُنْقَادٌ لَأَمْرِهِ، مُنِيبٌ رَجَّاعٌ إِلَى طَاعَتِهِ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75] قَالَ: الْقَانِتُ: الرَّجَّاعُ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَوَّاهُ فِيمَا مَضَى بِاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَالشَّوَاهِدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْلِ رَسُلِهِ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: 76] وَذَلِكَ قِيلُهُمْ لَهُ حِينَ جَادَلَهُمْ فِي قَوْمِ لُوطٍ، فَقَالُوا: دَعْ عَنْكَ الْجِدَالَ فِي أَمْرِهِمْ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 76] : بِعَذَابِهِمْ، وَحَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، وَمَضَى فِيهِمْ بِهَلَاكِهِمُ الْقَضَاءُ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76] ، يَقُولُ: وَإِنَّ قَوْمَ لُوطٍ نَازِلٌ بِهِمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ.
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِمَا ذَكَرْنَا فِيهِ عَمَّنْ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْهُ

جارٍ التحميل