تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 261-277

وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105] يَقُولُ: بِمَا كُنْتُمْ تُصِيبُونَ فِي الدُّنْيَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ فِيهَا طَاعَةَ اللَّهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ

صفحات 261-277
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفَرِّطُونَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ: وَتَقُولُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ وَتَفْتَرِيهِ ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: 62] فَأَنَّ فِي

مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّهَا تَرْجَمَةٌ عَنِ الْكَذِبِ وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَيَجْعَلُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى الَّذِي يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، الْبَنَاتُ يَجْعَلُونَهُنَّ للَّهِ تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأَمَّا الْحُسْنَى الَّتِي جَعَلُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ: فَالذُّكُورُ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَئِدُونَ الْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَيَسْتَبْقُونَ الذُّكُورَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُونَ: لَنَا الذُّكُورُ وَلِلَّهِ الْبَنَاتُ، وَهُوَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ للَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: 62] قَالَ: " قَوْلُ قُرَيْشٍ: لَنَا الْبَنُونَ وَلِلَّهِ الْبَنَاتُ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ، قَالَ: قَوْلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَيَجْعَلُونَ للَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 62] أَيْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى، أَيِ الْغِلْمَانُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى،﴾ [النحل: 62] قَالَ: «الْغِلْمَانُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَقًّا وَاجِبًا أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ للَّهِ الْبَنَاتِ، الْجَاعِلِينَ لَهُ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنْفُسِهِمُ الْحُسْنَى عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، النَّارَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: 22] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا

بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، مَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " قَوْلُهُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: 22] يَقُولُ: بَلَى "

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا جَرَمَ﴾ [هود: 22] كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: لَمْ تُنْصَبْ جَرَمَ بِ «لَا» كَمَا نُصِبَتِ الْمِيمُ مِنْ قَوْلِ: لَا غُلَامَ لَكَ، قَالَ: وَلَكِنَّهَا نُصِبَتْ لِأَنَّهَا فِعْلٌ مَاضٍ، مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَعَدَ فُلَانٌ وَجَلَسَ، وَالْكَلَامُ: لَا رَدَّ لِكَلَامِهِمْ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ هَكَذَا، جَرَمَ: كَسَبَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ

وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: نُصِبَ «جَرَمَ» بِ «لَا» ، وَإِنَّمَا بِمَعْنَى: لَا بُدَّ، وَلَا مَحَالَةَ، وَلَكِنَّهَا كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ «حَقًّا»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنَّهُمْ مُخَلَّفُونَ مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ، مَنْسِيُّونَ فِيهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَنْسِيُّونَ مُضَيَّعُونَ» . حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ، مَنْسِيُّونَ فِيهَا» . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ قَالَ: حُصَيْنٌ أَخْبَرَنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، بِمِثْلِهِ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَنْسِيُّونَ» . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو خَالِدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَنْسِيُّونَ»

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ: مُضَاعُونَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا بَدَلَ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مَنْسِيُّونَ فِي النَّارِ» . وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ مُقَدَّمُونَ إِلَيْهَا وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفْرَطْنَا فُلَانًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ، إِذَا قَدَّمُوهُ لِإِصْلَاحِ الدِّلَاءِ وَالْأَرْشِيَةِ وَتَسْوِيَةِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُفْرِطٌ، فَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُ نَفْسُهُ فَهُوَ فَارِطٌ، يُقَالُ: قَدْ فَرَطَ فُلَانٌ أَصْحَابَهُ يَفْرُطُهُمْ فُرْطًا وَفُرُوطًا: إِذَا تَقَدَّمَهُمْ وَجَمْعُ فَارِطٍ فُرَّاطٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَطَامِيِّ: [البحر البسيط] وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا ... كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» : أَيْ مُتَقَدِّمُكُمْ إِلَيْهِ وَسَابِقُكُمْ «حَتَّى تَرِدُوهُ»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] يَقُولُ: مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّارِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «قَدْ أَفْرَطُوا فِي النَّارِ، أَيْ مُعَجَّلُونَ» . وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: مُبْعَدُونَ فِي النَّارِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] قَالَ: «مُخْسَئُونَ مُبْعَدُونَ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِفْرَاطَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ، إِنَّمَا يُقَالُ فِيمَنْ قَدِمَ مَقْدَمًا لِإِصْلَاحِ مَا يَقْدَمُ إِلَيْهِ إِلَى وَقْتِ وُرُودِ مَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّمِ مِنْ قُدِّمَ إِلَى النَّارِ مِنْ أَهْلِهَا لِإِصْلَاحِ شَيْءٍ فِيهَا لِوَارِدٍ يَرِدُ عَلَيْهَا فِيهَا فَيُوَافِقُهُ مُصْلِحًا، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ مِنْ قُدِّمَ إِلَيْهَا لِعَذَابٍ يُعَجَّلُ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُ التَّعْجِيلِ فَفَسَدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ فِي الصِّحَّةِ، صَحَّ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ الَّذِي بِمَعْنَى التَّخْلِيفِ وَالتَّرْكِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحْكَى عَنِ الْعَرَبِ: مَا أَفْرَطْتُ وَرَائِي أَحَدًا: أَيْ مَا خَلَّفْتُهُ، وَمَا فَرَّطْتُهُ: أَيْ لَمْ أُخَلِّفُهُ.

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62] بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، عَلَى مَعْنَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِنْ أَفْرَطَ فَهُوَ مُفْرِطٌ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ: (وَأَنَّهُم مُفَرِّطُونَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا، بِتَأْوِيلِ: أَنَّهُمْ مُفَرِّطُونَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ للَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، مِنْ طَاعَتِهِ وَحُقُوقِهِ، مُضَيِّعُو ذَلِكَ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ . وَقَرَأَ نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ: (وَأَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يُونُسُ، عَنْ وَرْشٍ، عَنْهُ.
بِتَأْوِيلِ: أَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، مُسْرِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُكْثِرُونَ مِنْهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَفْرَطَ فُلَانٌ فِي الْقَوْلِ: إِذَا تَجَاوَزَ حَدَّهُ، وَأَسْرَفَ فِيهِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قِرَاءَتَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِمُوَافَقَتِهَا تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَخُرُوجُ الْقِرَاءَاتِ الْأُخْرَى عَنْ تَأْوِيلِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَالَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ

الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ إِلَى أُمَمِهَا بِمِثْلِ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى أُمَّتِكَ، مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ للَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ.
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النحل: 63] يَقُولُ: فَحَسَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مُقِيمِينَ، حَتَّى كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ [النحل: 63] يَقُولُ: فَالشَّيْطَانُ نَاصِرُهُمُ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا، وَبِئْسَ النَّاصِرُ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 10] فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ حِينَئِذٍ وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ، وَلَا هِيَ نَفَعَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَلْ ضَرَّتْهُمْ فِيهَا وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَضَرُّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَنْزَلْنَا يَا مُحَمَّدُ عَلَيْكَ كِتَابَنَا وَبَعَثْنَاكَ رَسُولًا إِلَى خَلْقِنَا إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ دِينِ اللَّهِ،

فَتُعَرِّفُهُمُ الصَّوَابَ مِنْهُ، وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَتُقِيمُ عَلَيْهِمْ بِالصَّوَابِ مِنْهُ حُجَّةَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 203] يَقُولُ: وَهُدًى بَيَانًا مِنَ الضَّلَالَةِ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْكِتَابَ، ﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 52] بِهِ، فَيُصَدِّقُونَ بِمَا فِيهِ،

وَيُقِرُّونَ بِمَا تَضَمَّنَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِهِ، وَعَطَفَ بِالْهُدَى عَلَى مَوْضِعِ «لِيُبَيِّنَ» ، لِأَنَّ مَوْضِعَهَا نَصْبٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا بَيَانًا لِلنَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ هُدًى وَرَحْمَةً

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُنَبِّهَ خَلْقِهِ عَلَى حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَاهُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَعْبُودَكُمُ الَّذِي لَهُ

الْعِبَادَةُ دُونَ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: 99] يَعْنِي: مَطَرًا، يَقُولُ: فَأَنْبَتَ بِمَا أَنْزَلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ الَّتِي لَا زَرْعَ بِهَا، وَلَا عُشْبَ، وَلَا نَبْتَ، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164] بَعْدَ مَا هِيَ مَيْتَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة: 248] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِحْيَائِنَا الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ لَدَلِيلًا وَاضِحًا وَحُجَّةً قَاطِعَةً عُذْرَ مَنْ فَكَّرَ فِيهِ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ هَذَا الْقَوْلَ فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَعْقِلُونَهُ، وَيُطِيعُونَ اللَّهَ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ

بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنََا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَعِظَةً فِي الْأَنْعَامِ الَّتِي نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ [النحل: 66] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، سِوَى عَاصِمٍ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبُو جَعْفَرٍ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ [النحل: 66] بِضَمِّ النُّونِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ أَسْقَاهُمْ شَرَابًا دَائِمًا، وَكَانَ الْكَسَائِيُّ يَقُولُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: أَسْقَيْنَاهُمْ نَهْرًا وَأَسْقَيْنَاهُمْ لَبَنًا: إِذَا جَعَلْتَهُ شَرْبًا دَائِمًا، فَإِذَا أَرَادُوا أَنَّهُمْ أَعْطُوهُ شَرْبَةً قَالُوا: سَقَيْنَاهُمْ، فَنَحْنُ نَسْقِيهِمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَاصِمٌ: (نَسْقِيكُمْ) بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ سَقَاهُ اللَّهُ فَهُوَ يَسْقِيهِ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُدْخِلُ الْأَلِفَ فِيمَا كَانَ مِنَ السَّقْيِ غَيْرَ دَائِمٍ وَتَنْزِعُهَا فِيمَا كَانَ دَائِمًا، وَإِنْ كَانَ أَشْهَرُ الْكَلَامَيْنِ عِنْدَهَا مَا قَالَ الْكَسَائِيُّ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ، قَوْلُ لَبِيدٍ فِي صِفَةِ سَحَابٍ: [البحر الوافر]

سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى ... نُمَيْرًا وَالْقَبَائِلَ مِنْ هِلَالِ فَجَمَعَ اللُّغَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيَّةِ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ قِرَاءَةَ ضَمِّ النُّونِ لِمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْكَلَامَيْنِ عِنْدَ الْعَرَبِ فِيمَا كَانَ دَائِمًا مِنَ السَّقْيِ أَسْقَى بِالْأَلِفِ فَهُوَ يَسْقِي، وَمَا أَسْقَى اللَّهُ عِبَادَهُ مِنْ بُطُونِ الْأَنْعَامِ فَدَائِمٌ لَهُمْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَنْهُمْ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] وَقَدْ ذَكَرَ الْأَنْعَامَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهِيَ جَمْعٌ وَالْهَاءُ فِي الْبُطُونِ مُوَحَّدَةٌ، فَإِنَّ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: النَّعَمُ وَالْأَنْعَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَمْعَانِ، فَرَدَّ الْكَلَامَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] إِلَى التَّذْكِيرِ مُرَادًا بِهِ مَعْنَى

النَّعَمِ، إِذْ كَانَ يُؤَدِّي عَنِ الْأَنْعَامِ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقَوْلِ ذَلِكَ بِرَجَزِ بَعْضِ الْأَعْرَابِ: [البحر الرجز] إِذَا رَأَيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الْأَسَدْ ...

جَبْهَتَهُ أَوِ الْخَرَاةِ وَالْكَتَدْ بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ ... وَطَابَ أَلْبَانُ اللِّقَاحِ فَبَرَدْ وَيَقُولُ: رَجَعَ بِقَوْلِهِ: «فَبَرَدْ» إِلَى مَعْنَى اللَّبَنِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ وَالْأَلْبَانَ تَكُونُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَفِي تَذْكِيرِ النَّعَمِ قَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الرجز] أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهْ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ فَذَكَّرَ النَّعَمَ وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] لِأَنَّهُ أَرَادَ: مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا، وَيُنْشِدُ فِي ذَلِكَ رَجَزًا لِبَعْضِهِمْ:

مِثْلُ الْفِرَاخِ نُتِّفَتْ حَوَاصِلُهْ وَقَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يُعْفُرَ: [البحر الكامل] إِنَّ الْمَنِيَّةَ وَالْحُتُوفَ كِلَاهُمَا ... يُوفِي الْمَخَارِمَ يَرْقُبَانِ سَوَادِي فَقَالَ: «كِلَاهُمَا» ، وَلَمْ يَقُلْ: «كِلْتَاهُمَا» ، وَقَوْلُ الصِّلْتَانِ الْعَبْدِيِّ: [البحر الكامل] إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ ضُمِّنَا ... قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] وَعَفْرَاءُ أَدْنَى النَّاسِ مِنِّي مَوَدَّةً ... وَعَفْرَاءُ عَنِّي الْمُعْرِضُ الْمُتَوَانِي وَلَمْ يَقُلِ: الْمُعْرِضَةُ الْمُتَوَانِيَةُ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الطويل] إِذِ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِغِبْطَةٍ ... وَإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُسَاعِفُ وَيَقُولُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى هَذَا الشَّيْءِ وَهَذَا الشَّخْصِ وَالسَّوَادِ، وَمَا

أَشْبَهَ ذَلِكَ وَيَقُولُ: مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 78] ، بِمَعْنَى: هَذَا الشَّيْءُ الطَّالِعُ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ.
فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 12] ، وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهَا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَ هَذَا الشَّيْءَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: 35] وَلَمْ يَقُلْ «جَاءَتْ» . وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: قِيلَ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] لِأَنَّ الْمَعْنَى: نُسْقِيكُمْ مِنْ أَيِّ الْأَنْعَامِ كَانَ فِي بُطُونِهِ وَيَقُولُ: فِيهِ اللَّبَنُ مُضْمَرٌ، يَعْنِي أَنَّهُ يَسْقِي مِنْ أَيِّهَا كَانَ ذَا لَبَنٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّهَا لَبَنٌ، وَإِنَّمَا يُسْقَى مِنْ ذَوَاتِ اللَّبَنِ، وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ أَصَحُّ مَخْرَجًا عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَيْنَ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: 66] يَقُولُ: نُسْقِيكُمْ لَبَنًا، نُخْرِجُهُ لَكُمْ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ خَالِصًا، يَقُولُ: خَلَصَ مِنْ مُخَالَطَةِ الدَّمِ وَالْفَرْثِ فَلَمْ يَخْتَلِطَا بِهِ ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] يَقُولُ: يَسُوغُ لِمَنْ شَرِبَهُ فَلَا يَغَصُّ بِهِ كَمَا يَغَصُّ الْغَاصُّ بِبَعْضِ مَا يَأْكُلُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُغَصَّ أَحَدٌ بِاللَّبِنِ قَطُّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكُمْ أَيْضًا أَيُّهَا النَّاسُ عِبْرَةً فِيمَا نُسْقِيكُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ مَا ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] مَعَ مَا نُسْقِيكُمْ مِنْ بُطُونِ

الْأَنْعَامِ مِنَ اللَّبَنِ الْخَارِجِ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، وَحُذِفَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ [النحل: 67] الِاسْمُ، وَالْمَعْنَى مَا وَصَفْتُ، وَهُوَ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ مَا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ، لِدَلَالَةِ «مِنْ» عَلَيْهِ، لِأَنَّ «مِنْ» تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ مُبَعِّضَةً، فَاسْتَغْنَى بِدَلَالَتِهَا وَمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا يَقْتَضِي مِنْ ذِكْرِ الِاسْمِ مَعَهَا، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا، وَيَقُولُ: إِنَّمَا ذُكِرَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ [النحل: 67] لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الشَّيْءَ، وَهُوَ عِنْدَنَا عَائِدٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ، وَهُوَ «مَا» ، وَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ [الأعراف: 74] مِنْ صِفَةِ «مَا» الْمَتْرُوكَةِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالسَّكَرِ: الْخَمْرَ، وَبِالرِّزْقِ الْحَسَنِ: التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ، وَقَالَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ السُّحَيْمِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] قَالَ: " السَّكَرُ: مَا حُرِّمَ مِنْ شَرَابِهِ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَا: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] قَالَ: " الرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتِهَا، وَالسُّكْرُ: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] قَالَ: " السَّكَرُ: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمْرَتَيْهِمَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أُحِلَّ مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا ". حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ

جارٍ التحميل