تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 671-9

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139] فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ

صفحات 671-9
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]

يَقُولُ: «لَا تَتَّبِعُوا الضَّلَالَاتِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الْخَطِّ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا» ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153] فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153] فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ قَالَ: " سَبِيلُهُ الْإِسْلَامُ، وَصِرَاطُهُ: الْإِسْلَامُ، نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا السُّبُلَ سِوَاهُ، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] : عَنِ الْإِسْلَامِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبَانَ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؟ قَالَ: " تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَاهُ، وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ يَمِينِهِ جَوَادٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ جَوَادٌّ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ، فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَادِّ انْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ، وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاطِ انْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153] الْآيَةَ

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153] ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَأَنَّ﴾ [الأنعام: 153] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ (أَنَّ) ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] بِمَعْنَى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَإِنَّ) بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ (إِنَّ) ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْأَوَّلِ، إِذْ كَانَ الْكَلَامُ قَدِ انْتَهَى بِالْخَبَرِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي أَوْصَى اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ دُونَهُ عِنْدَهُمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ وَعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحٌ مَعْنَيَاهُمَا، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبُ الْحَقِّ فِي قِرَاءَتِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ سَبِيلِهِ، كَمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْأَشْيَاءِ، وَإِنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ مَدْخَلَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، فَفَتَحَ عَلَى ذَلِكَ (أَنَّ) فَمُصِيبٌ.
وَإِنْ كَسَرَهَا إِذْ كَانَتِ (التِّلَاوَةُ) قَوْلًا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْقَوْلِ لِبَعْدِهَا مِنْ قَوْلِهِ: (أَتْلُ) ، وَهُوَ يُرِيدُ إِعْمَالَ ذَلِكَ فِيهِ فَمُصِيبٌ.
وَإِنْ كَسَرَهَا بِمَعْنَى ابْتِدَاءٍ وَانْقِطَاعٍ عَنِ الْأَوَّلِ (وَالتِّلَاوَةُ) ، وَأَنَّ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلَاوَتِهِ عَلَى مَنْ أَمَرَ بِتَلَاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَدِ

انْتَهَى دُونَ ذَلِكَ، فَمُصِيبٌ.
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ: (وَأَنْ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ (أَنْ) ، وَتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْهَا، بِمَعْنَى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي فَخَفَّفَهَا، إِذْ كَانَتْ (أَنْ) فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] مُخَفَّفَةً، وَكَانَتْ (أَنْ) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي﴾ [الأنعام: 153] مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا، فَجَعَلَهَا نَظِيرَةَ مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا، فَلَا أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهِ لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ وَخِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي أَمْصَارِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 154] ، ثُمَّ قُلْ بَعْدَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ: آتَى رَبُّكَ مُوسَى الْكِتَابَ.
فَتَرَكَ ذِكْرَ (قُلْ) ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ

الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِيهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] ، فَقَصَّ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَأَحَلَّ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ قُلْ: آتَيْنَا مُوسَى، فَحَذَفَ (قُلْ) لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: (قُلْ) عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكَّ أَنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ مُوسَى بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِتِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِتِلَاوَتِهَا عَلَيْهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى أُوتِيَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِ أَمْرِ اللَّهِ مُحَمَّدًا بِتِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِتِلَاوَتِهَا عَلَيْهِ، وَ (ثُمَّ) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ

وَالْخَبَرِ بَعْدَ الَّذِي قَبْلَهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: تَمَامًا عَلَى الْمُحْسِنِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] قَالَ: «عَلَى الْمُؤْمِنِينَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] : «الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ» وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ آتَاهُ الْكِتَابَ فَضِيلَةً عَلَى مَا آتَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] فَيُوَحِّدَ (الَّذِي) ، وَالتَّأْوِيلُ عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا؟ قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَاصَّةً فِي الَّذِي وَفِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ إِذَا أَرَادَتْ بِهِ الْكُلَّ وَالْجَمِيعَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ، وَكَمَا قَالُوا: أَكْثَرُ الَّذِي هُمْ فِيهِ فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (تَمَامًا عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا) ، وَذَلِكَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مُجَاهِدٍ.

وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُ: (أَحْسَنَ) فِعْلًا مَاضِيًا، فَيَكُونُ نَصَبَهُ لِذَلِكَ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (أَحْسَنَ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، غَيْرَ أَنَّهُ نُصِبَ، إِذْ كَانَ (أَفْعَلَ) ، وَ (أَفْعَلَ) لَا يَجْرِي فِي كَلَامِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ خُفِضَ؟ قِيلَ: رَدًّا عَلَى (الَّذِي) ، إِذْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يَرْفَعُهُ.
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنَ، ثُمَّ حُذِفَ (هُوَ) ، وَجَاوَرَ (أَحْسَنَ) (الَّذِي) ، فَعُرِّفَ بِتَعْرِيفِهِ، إِذْ كَانَ كَالْمَعْرِفَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا يَدْخُلَانِهِ، (وَالَّذِي) مِثْلُهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٍ مِنْكَ وَشَرٍّ مِنْكَ، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] إِنَّ الزُّبَيْرِيَّ الَّذِي مِثْلُ الْحَلَمْ ... مَسَّى بِأَسْلَابِكُمْ أَهْلَ الْعَلَمْ فَأَتْبَعَ (مِثْلُ) (الَّذِي) فِي الْإِعْرَابِ.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مَرَرْتُ بِالَّذِي عَالِمٍ، لِأَنَّ (عَالِمًا) نَكِرَةٌ (وَالَّذِي) مَعْرِفَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ نَكِرَةٌ مَعْرِفَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى فِيمَا امْتَحَنَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] «فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّمَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] يَقُولُ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا تَمَّتْ عَلَيْهِ كَرَامَةُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ» وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الرَّبِيعُ يَكُونُ (أَحْسَنَ) نَصْبًا، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَ (الَّذِي) بِمَعْنَى (مَا) ، وَكَانَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى مَا أَحْسَنَ مُوسَى، أَيْ آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ لِأُتَمِّمَ لَهُ كَرَامَتِي فِي الْآخِرَةِ تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِهِ فِي الدُّنْيَا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: مَعْنَاهُ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى إِحْسَانِ اللَّهِ إِلَى أَنْبِيَائِهِ وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] قَالَ: «تَمَامًا مِنَ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَهَدَاهُمْ لِلْإِسْلَامِ، وَآتَاهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ تَمَامًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَإِحْسَانِهِ» (وَ ﴿أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: 154] ) عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ.
(وَالَّذِي) عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ بِمَعْنَى: (مَا)

وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ) رَفْعًا، بِتَأْوِيلِ: عَلَى الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ صَحِيحٌ، لِخِلَافِهَا مَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا لِنِعَمِنَا عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى فِي قِيَامِهِ بِأَمْرِنَا وَنَهْيِنَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ فِي الْكَلَامِ، وَأَنَّ إِيتَاءَ مُوسَى كِتَابَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمِنَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَنْعَمَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ لِمَا سَلَفَ لَهُ مِنْ صَالِحِ عَمَلٍ وَحُسْنِ طَاعَةٍ.
وَلَوْ

كَانَ التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ كَانَ الْكَلَامُ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَّا، أَوْ: ثُمَّ آتَى اللَّهُ مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ.
وَفِي وَصْفِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ بِإِيتَائِهِ الْكِتَابَ ثُمَّ صَرْفِهِ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ: (أَحْسَنَ) إِلَى غَيْرِ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِقُرْبِ مَا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ غَيْرُ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ تَوْجِيهِهِ (الَّذِي) إِلَى مَعْنَى الْجَمِيعِ فَلَا دَلِيلَ فِي الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ بِالَّذِي اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ أَشْبَهُ.
وَإِذَا تُنُوزِعَ فِي تَأْوِيلِ الْكَلَامِ كَانَ أَوْلَى مَعَانِيهِ بِهِ أَغْلَبُهُ عَلَى الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْعَقْلِ أَوِ الْخَبَرِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 154] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَتَبْيِينًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ تَمَامًا لِنِعَمِنَا عِنْدَهُ وَأَيَادِينَا قِبَلَهُ، تَتِمُّ بِهِ كَرَامَتُنَا عَلَيْهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَطَاعَتِهِ رَبَّهُ وَقِيَامِهِ بِمَا كَلَّفَهُ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِ، وَتَبْيِينًا لِكُلِّ مَا

لِقَوْمِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ

كَمَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 154] «فِيهِ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ

. ﴿وَهُدًى﴾ [البقرة: 97] يَعْنِي بِقَوْلِهِ (وَهُدًى) : تَقْوِيمًا لَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَبَيَانًا لَهُمْ سُبُلَ الرَّشَادِ لِئَلَّا يَضِلُّوا.
﴿وَرَحْمَةً﴾ [البقرة: 157] يَقُولُ: وَرَحْمَةً مِنَّا بِهِمْ وَرَأْفَةً، لِنُنْجِيهِمْ مِنَ الضَّلَالَةِ وَعَمَى الْحِيرَةِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154] فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِيتَائِي مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا لِكَرَامَةِ اللَّهِ مُوسَى عَلَى إِحْسَانِ مُوسَى، وَتَفْصِيلًا لِشَرَائِعِ دِينِهِ، وَهُدًى لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَرَحْمَةً لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ضَالًّا، لِيُنَجِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَلِيُؤْمِنْ بِلِقَاءِ رَبِّهِ إِذَا سَمِعَ مَوَاعِظَ اللَّهِ الَّتِي وَعَظَ بِهَا خَلْقَهُ

فِيهِ، فَيَرْتَدِعَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ، وَبِلِقَائِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَيُطِيعَ رَبَّهُ، وَيُصَدِّقَ بِمَا جَاءَهُ بِهِ نَبِيُّهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92] : وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ.
﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153] يَقُولُ: فَاجْعَلُوهُ إِمَامًا تَتَّبِعُونَهُ وَتَعْمَلُونَ

بِمَا فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ.
﴿وَاتَّقُوا﴾ [البقرة: 48] يَقُولُ: وَاحْذَرُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ، وَتَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَهُ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92] «وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» . ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 155] يَقُولُ: «فَاتَّبَعُوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ» وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155] يَقُولُ: لِتُرْحَمُوا فَتَنْجَوْا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعَامِلِ فِي (أَنْ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ [البقرة: 235] ،

وَفِي مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَقُولُوا: إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَلْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ قَالَ: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، اتَّقُوا أَنْ تَقُولُوا.
قَالَ: وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2] . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قَالَ: وَنَصْبُهُ مِنْ مَكَانَيْنِ: أَحَدُهُمَا (أَنْزَلْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُ: إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى) . وَالْآخَرُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا﴾ [البقرة: 212] قَالَ: وَلَا يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ أَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَصَبَ (أَنْ) لِتَعَلُّقِهَا بِالْإِنْزَالِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ لِئَلَّا تَقُولُوا: إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا.
فَأَمَّا الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، لِئَلَّا يَقُولَ الْمُشْرِكُونَ: لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنَا كِتَابٌ فَنَتَّبِعَهُ، وَلَمْ نُؤْمَرْ وَلَمْ نُنْهَ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا حُجَّةٌ فِيمَا نَأْتِي وَنَذَرُ، إِذْ لَمْ يَأْتِ مِنَ اللَّهِ كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ عَلَى

الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا الْكِتَابُ مِنْ قَبْلِنَا، فَإِنَّهُمَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَقُولُوا، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] : «وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] : «الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، نَخَافُ أَنْ تَقُولَهُ قُرَيْشٌ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] قَالَ: " الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ: أَنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا، إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] : «وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156] : " أَمَا الطَّائِفَتَانِ: فَالْيَهُودُ

وَالنَّصَارَى " وَأَمَّا ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] ، فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنْ تَقُولُوا: وَقَدْ كُنَّا عَنْ تِلَاوَةِ الطَّائِفَتَيْنِ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ غَافِلِينَ، لَا نَدْرِي مَا هِيَ، وَلَا نَعْلَمُ مَا يَقْرَءُونَ، وَمَا يَقُولُونَ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَهُ دُونَنَا، وَلَمْ نُعْنَ بِهِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِمَا فِيهِ، وَلَا هُوَ بِلِسَانِنَا، فَيَتَّخِذُوا ذَلِكَ حُجَّةً.
فَقَطَعَ اللَّهُ بِإِنْزَالِهِ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّتَهُمْ تِلْكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] يَقُولُ: «وَإِنْ كُنَّا عَنْ تِلَاوَتِهِمْ لَغَافِلِينَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] : «أَيْ عَنْ قِرَاءَتِهِمْ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] قَالَ: " الدِّرَاسَةُ: الْقِرَاءَةُ وَالْعِلْمُ، وَقَرَأَ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: 169] قَالَ: عَلِمُوا مَا فِيهِ، لَمْ يَأْتُوهُ بِجَهَالَةٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: 156] يَقُولُ: «وَإِنْ كُنَّا عَنْ قِرَاءَتِهِمْ، لَغَافِلِينَ، لَا نَعْلَمُ مَا هِيَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: 157] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ،

لِئَلَّا يَقُولَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ قُرَيْشٍ: إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا، أَوْ لِئَلَّا يَقُولُوا: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ﴾ [الأنعام: 157] كَمَا أُنْزِلَ عَلَى هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا، فَأُمِرْنَا فِيهِ وَنُهِينَا، وَبَيَّنَ لَنَا فِيهِ خَطَأَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ صَوَابِهِ.
﴿لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: 157] : أَيْ لَكُنَّا أَشَدَّ اسْتِقَامَةً عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعًا لِلْكِتَابِ، وَأَحْسَنَ عَمَلًا بِمَا فِيهِ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَنْزَلَ عَلَيْهِمَا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 157] يَقُولُ: فَقَدْ جَاءَكُمْ كِتَابٌ بِلِسَانِكُمْ عَرَبِيُّ مُبِينٌ، حُجَّةً عَلَيْكُمْ وَاضِحَةً بَيِّنَةً مِنْ رَبِّكُمْ.
﴿وَهُدًى﴾ [البقرة: 97] يَقُولُ: وَبَيَانٌ لِلْحَقِّ، وَفُرْقَانٌ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ

جارٍ التحميل