وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثني هُشَيْمٌ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] قَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ: يَوْمٌ يَحِلُّ فِيهِ الْمُحْرِمُ، وَيُنْحَرُ فِيهِ الْبُدْنُ "
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَكَانَ أَبِي يَقُولُهُ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَالْحَجُّ يَفُوتُ بِفَوْتِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يَفُوتُ بِفَوْتِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنْ فَاتَهُ الْيَوْمُ لَمْ يَفُتْهُ اللَّيْلُ، يَقِفُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " يَوْمُ الْأَضْحَى: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: ثني رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُرْفَتِي هَذِهِ، حَسِبْتُهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ مُخَضْرَمَةٍ، فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] حِينَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَوَقْتُهُ.
قَالَ: وَذَلِكَ أَيَّامُ الْحَجِّ كُلُّهَا لَا يَوْمٌ بِعَيْنِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] حِينَ الْحَجِّ، أَيَّامُهُ كُلُّهُ "
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا، وَمَجَامِعُ الْمُشْرِكِينَ حِينَ كَانُوا بِذِي الْمَجَازِ وَعُكَاظٍ وَمَجَنَّةٍ، حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ: أَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَأَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ "
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: " يَوْمُ الْحَجِّ، وَيَوْمُ الْجَمَلِ، وَيَوْمُ صِفِّينَ: أَيْ أَيَّامُهُ كُلُّهَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] قَالَ حِينَ الْحَجِّ، أَيْ أَيَّامُهُ كُلُّهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ عِنْدَنَا: قَوْلُ مَنْ قَالَ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلِيًّا نَادَى بِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ بَرَاءَةَ يَوْمَ النَّحْرِ.
هَذَا مَعَ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ النَّحْرِ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ الْيَوْمَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى مَعْنَى الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، كَقَوْلِ النَّاسِ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ يَوْمُ وقُوفِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُضَحُّونَ فِيهِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُفْطِرُونَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْحَجِّ، يَوْمٌ يَحُجُّونَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا يَحُجُّ النَّاسُ وَيَقْضُونَ مَنَاسِكَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ فِي لَيْلَةِ نَهَارِ يَوْمِ النَّحْرِ الْوقُوفَ بِعَرَفَةَ كَانَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي صَبِيحَتِهَا يُعْمَلُ أَعْمَالُ
الْحَجِّ، فَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْوقُوفُ بِعَرَفَةَ فَغَيْرُ فَائِتٍ الْوقُوفُ بِهِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ كُلُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَأَمَّا مَا قَالَ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ أَيَّامُهُ كُلُّهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَلَيْسَ بِالْأَشْهَرِ الْأَعْرَفِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ مَعَانِيهِ، بَلْ غَلَبَ عَلَى مَعْنَى الْيَوْمِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ، وَإِنَّمَا مَحْمَلُ تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى الْأَشْهَرِ الْأَعْرَفِ مِنْ كَلَامِ مَنْ نَزَلَ الْكِتَابُ بِلِسَانِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ قِيلَ لِهَذَا الْيَوْمِ: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ الْحَجَّةَ الَّتِي حَجَّهَا، وَاجْتَمَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ، وَوَافَقَ أَيْضًا عِيدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: «يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ اجْتَمَعَ فِيهِ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ قَوْلُهُ: " ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُ يَوْمٌ حَجَّ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ، وَنُبِذَتْ فِيهِ الْعُهُودُ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْقِرَانُ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْإِفْرَادُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ يَقُولُ: " الْحَجُّ الْأَكْبَرُ وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ، فَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْقِرَانُ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: إِفْرَادُ الْحَجِّ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " الْحَجُّ الْأَكْبَرُ: الْحَجُّ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ "
قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: " قُلْتُ لَهُ: هَذَا الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، فَمَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الْعُمْرَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي
هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " الْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ "
قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " الْحَجُّ الْأَصْغَرُ: الْعُمْرَةُ "
قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: " يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: " أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يُسَمُّونَ الْحَجَّ الْأَصْغَرَ: الْعُمْرَةَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْعُمْرَةِ بِزِيَادَةِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِهَا، فَقِيلَ لَهُ الْأَكْبَرُ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَالْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهَا أَقَلُّ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا الْأَصْغَرُ لِنُقْصَانِ عَمَلِهَا عَنْ عَمَلِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ عَهْدِ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَّةِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، أَنَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ مِنْ عَهْدِ الْمُشْرِكِينَ بَرِيئَانِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] أَيْ بَعْدَ الْحَجَّةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 3] يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنْ تُبْتُمْ مِنْ كُفْرِكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، وَرَجَعْتُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، فَالرُّجُوعُ إِلَى ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ
الْإِقَامَةِ عَلَى الشِّرْكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [التوبة: 3] يَقُولُ: وَإِنْ أَدْبَرْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَأَبَيْتُمْ إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى شِرْكِكُمْ.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: 3] يَقُولُ: فَأَيْقِنُوا أَنَّكُمْ لَا تُفِيتُونَ اللَّهَ بِأَنْفُسِكُمْ مِنْ أَنْ يُحِلَّ بِكُمْ عَذَابَهُ الْأَلِيمَ وَعِقَابَهُ الشَّدِيدَ عَلَى إِقَامَتِكُمْ عَلَى الْكُفْرِ، كَمَا فُعِلَ بِذَوِيكُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، مِنْ إِنْزَالِ نِقَمِهِ بِهِ وَإِحْلَالِهِ الْعَذَابَ عَاجِلًا بِسَاحَتِهِ.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 3] يَقُولُ: وَأَعْلِمْ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ بِعَذَابٍ مُوجِعٍ يَحِلُّ بِهِمْ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [التوبة: 3] قَالَ آمَنْتُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ
شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] ﴿إِلَّا﴾ [البقرة: 9] مِنْ عَهْدٍ ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] مِنْ عَهْدِكُمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ [التوبة: 4] مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَيُعِينُوهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَلَا بِسِلَاحٍ وَلَا خَيْلٍ وَلَا رِجَالٍ.
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4] يَقُولُ: فَفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تَنْصِبُوا لَهُمْ حَرْبًا إِلَى انْقِضَاءِ أَجَلِ عَهْدِهِمُ الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَنِ اتَّقَاهُ بِطَاعَتِهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4] يَقُولُ: إِلَى أَجَلِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 4] أَيِ الْعَهْدُ الْخَاصُّ إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى.
﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ [التوبة: 4]
الْآيَةَ، قَالَ: هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَكَانَ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِمْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ إِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ، وَيَنْبُذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِلَّا ذَلِكَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مُدَّةُ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدُ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بَرَاءَةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ أُذِّنَ بِبَرَاءَةَ إِلَى عَشْرٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنْ نَقَضَ الْمُشْرِكُونَ عَهْدَهُمْ وَظَاهَرُوا عَدُوًّا فَلَا عَهْدَ لَهُمْ، وَإِنْ وَفَّوْا بَعْدِهِمُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، فَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَيَفِيَ بِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] فَإِذَا انْقَضَى وَمَضَى وَخَرَجَ،
يُقَالُ مِنْهُ: سَلَخْنَا شَهْرَ كَذَا نَسْلَخُهُ سَلْخًا وَسُلُوخًا، بِمَعْنَى: خَرَجْنَا مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: شَاةٌ مَسْلُوخَةٌ، بِمَعْنَى: الْمَنْزُوعَةُ مِنْ جِلْدِهَا الْمُخْرَجَةُ مِنْهُ.
وَيَعْنِي بِالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ذَا الْقَعْدَةَ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، أَوْ إِنَّمَا أُرِيدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ انْسِلَاخُ الْمُحَرَّمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ كَانَ بِبَرَاءَةَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَجَّلُّوا الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ كُلَّهَا، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِالشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَبْلَهُ الْحَرَامَيْنِ وَكَانَ هُوَ لَهُمَا ثَالِثًا وَهِيَ كُلُّهَا مُتَّصِلٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، قِيلَ: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الثَّلَاثَةُ عَنِ الَّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ، أَوْ عَنِ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ بِمُظَاهَرَتِهِمُ الْأَعْدَاءَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، أَوْ كَانَ عَهْدُهُمْ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِهِ مَعْلُومٍ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] يَقُولُ: فَاقْتُلُوهُمْ ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] يَقُولُ: حَيْثُ لَقِيتُمُوهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِ الْحَرَمِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] يَقُولُ: وَأْسِرُوهُمْ ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] يَقُولُ: وَامْنَعُوهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ.
﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] يَقُولُ: وَاقْعُدُوا لَهُمْ بِالطَّلَبِ لِقَتْلِهِمْ أَوْ أَسْرِهِمْ كُلَّ مَرْصَدٍ.
يَعْنِي: كُلَّ طَرِيقٍ وَمَرْقَبٍ، وَهُوَ مَفْعَلٍ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ رَصَدْتُ فُلَانًا أَرْصُدُهُ رَصْدًا، بِمَعْنَى: رَقَبْتُهُ.
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: 5] يَقُولُ: فَإِنْ رَجَعُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَجُحُودِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 277] يَقُولُ: وَأَدَّوْا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ بِحُدُودِهَا وَأَعْطَوُا الزَّكَاةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ أَهْلَهَا.
{فَخَلُّوا
سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] يَقُولُ: فَدَعُوهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أَمْصَارِكُمْ وَيَدْخُلُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] لِمَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَنَابَ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، سَاتِرٌ عَلَى ذَنْبِهِ، رَحِيمٌ بِهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الَّذِينَ أُجِّلُوا إِلَى انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَارَقَهَا وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ» قَالَ: وَقَالَ أَنَسٌ: هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي آخِرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] قَالَ: تَوْبَتُهُمْ خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعُبَادَةُ رَبِّهِمْ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ.
ثُمَّ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] حَتَّى خَتَمَ آخِرَ الْآيَةِ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: " خَلُّوا سَبِيلَ مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تُخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّمَا النَّاسُ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ: مُسْلِمٌ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَمُشْرِكٌ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَصَاحِبُ حَرْبٍ يَأْمَنُ بِتِجَارَتِهِ فِي الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَعْطَى عُشُورَ مَالِهِ "