تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 5-16

سُورَةُ يُوسُفَ

صفحات 5-16
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٌ الْقَولُ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا يُوسُفُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنُ جَرِيرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] ، وَالْقَوْلُ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا

فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ: بَيِّنٌ حَلَالُهُ وَحَرَامُهَ، وَرُشْدُهُ وَهُدُاهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِلَسْطِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] قَالَ: بَيَّنَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] إِي وَاللَّهِ، لَمُبِينٌ تَرْكِيبُهُ هُدَاهُ وَرُشْدَهُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] قَالَ: بَيَّنَ اللَّهُ رُشْدَهُ وَهُدَاهُ " وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا:

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] قَالَ بَيَّنَ الْحُرُوفَ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْ أَلْسُنِ الْأَعَاجِمِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَحْرُفٍ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، لِمَنْ تَلَاهُ وَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ مِنْ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ وَنَهْيِهِ وَسَائِرِ مَا حَوَاهُ مِنْ صُنُوفِ مَعَانِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُبِينٌ، وَلَمْ يَخُص إِبَانَتَهُ عَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ دُونَ جَمِيعِهِ، فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِ، إِذْ كَانَ جَمِيعُهُ مُبِينًا عَمَّا فِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَا هَذَا الْكِتَابَ الْمُبِينَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا عَلَى الْعَرَبِ، لِأَنَّ لِسَانَهُمْ وَكَلَامَهُمْ عَرَبِيُّ، فَأَنْزَلْنَا هَذَا الْكِتَابَ بِلِسَانِهِمْ لِيَعْقِلُوهُ وَيَفْقَهُوا مِنْهُ، وَذَلِكَ

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِوَحْيِنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، فَنُخْبِرُكَ فِيهِ عَنِ الْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنْبَاءِ

الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَالْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا فِي الْعُصُورِ الْخَالِيَةِ.
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِ أَنْ نُوحِيَهُ إِلَيْكَ لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ، لَا تَعْلَمُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] مِنَ الْكُتُبِ الْمَاضِيَةِ، وَأُمُورِ اللَّهِ السَّالِفَةِ فِي الْأُمَمِ، ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] " وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِمَسْأَلَةِ أَصْحَابِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَقُصَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ:

حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامُ الرَّازِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو الْمُلَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سَيَّارٍ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَالُوا: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " مَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَّةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23] ثُمَّ مَلُّوا مَلَّةً أُخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ يَعْنُونَ الْقَصَصَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 2] فَأَرَادُوا الْحَدِيثَ فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْحَدِيثِ، وَأَرَادُوا الْقَصَصَ فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْقَصَصِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَلَّادٌ الصَّفَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: " أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ، قَالَ: فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2] . . الْآيَةَ.
قَالَ: ثُمَّ تَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَدَّثْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]

قَالَ خَلَّادٌ: وَزَادُوا فِيهِ رَجُلًا آخَرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ قَالَ أَبُو يَحْيَى: ذَهَبَتْ مِنْ كِتَابِي كَلِمَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ نَبَإِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ:

يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا؛ يَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيَ مَنَامِي أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا.
وَقِيلَ: إِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ وَحْيًا

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا "

وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4] قَالَ: كَانَتِ الرُّؤْيَا فِيهِمْ وَحْيًا " وَذُكِرَ أَنَّ الْأَحَدَ الْعَشْرَ، الْكَوَاكِبُ الَّتِي رَآهَا فِي مَنَامِهِ سَاجِدَةً مَعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ

مَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ يُقَالُ لَهُ بُسْتَانَةُ الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ سَاجِدَةً لَهُ، مَا أَسْمَاؤُهَا؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ وَأَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهَا.
قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «جَرْبَانُ وَالطَّارِقُ، وَالذَّيَّالُ، وَذُو الْكَتِفَيْنِ، وَقَابِسٌ، وَوَثَّابُ وَعَمُودَانِ، وَالْفَلِيقُ، وَالْمُصْبَحُ، وَالضَّرُوحُ، وَذُو الْفَرْغِ، وَالضِّيَاءُ، وَالنُّورُ» . فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ

إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] يَقُولُ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ فِي مَنَامِي سُجُودًا.
وَقَالَ ﴿سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: 120] وَالْكَوَاكِبُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِنَّمَا يُخْبَرُ عَنْهَا بِفَاعِلَةٍ وَفَاعِلَاتِ، لَا بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، إِنَّمَا هِيَ عَلَامَةُ جَمْعِ أَسْمَاءِ ذُكُورِ بَنِي آدَمَ أَوِ الْجِنِّ أَوِ الْمَلَائِكَةِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ

السُّجُودَ مِنْ أَفْعَالِ مَنْ يُجْمَعُ أَسْمَاءُ ذُكُورِهِمْ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ، أَوِ الْوَاوِ وَالنُّونِ، فَأَخْرَجَ جَمْعَ أَسْمَائِهَا مَخْرَجَ جَمْعِ أَسْمَاءِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنِكُمْ﴾ [النمل: 18] وَقَالَ: «رَأَيْتُهُمْ» وَقَدْ قِيلَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، فَكَرَّرَ الْفِعْلَ، وَذَلِكَ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: كَلَّمْتُ أَخَاكَ كَلِمَتَهُ، تَوْكِيدًا لُلْفِعْلِ بِالْتَكْرِيرِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْكَوَاكِبَ الْأَحَدَ عَشَرَ كَانَتْ إِخْوَتَهُ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَبَوَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4] إِخْوَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، يَعْنِي بِذَلِكَ: أَبَوَيْهِ "

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [يوسف: 4] . . الْآيَةَ، قَالَ: رَأَى أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتَهُ سُجُودًا لَهُ «. فَإِذَا قِيلَ لَهُ عَمَّنْ قَالَ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَهُ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4] قَالَ: الْكَوَاكِبُ: إِخْوَتُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ: أَبَوَاهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4] إِخْوَتَهُ ﴿وَالشَّمْسَ﴾ [يوسف: 4] أُمَّهُ ﴿وَالْقَمَرَ﴾ [يوسف: 4] أَبُوهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: «كَانَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتَهُ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ

سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4] هُمْ إِخْوَةُ يُوسُفَ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [يوسف: 4] هُمَا أَبَوَاهُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4] . . . الْآيَةَ، قَالَ: أَبَوَاهُ وَإِخْوَتُهُ.
قَالَ: فَنَعَاهُ إِخْوَتُهُ وَكَانُوا أَنْبِيَاءَ، فَقَالُوا: مَا رَضِيَ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ إِخْوَتُهُ حَتَّى سَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ حِينَ بَلَغَهُمْ " وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكَوَاكِبُ إِخْوَتُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ: أَبُوهُ وَخَالَتُهُ، مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، فَكَرِهْتُ ذِكْرَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5] يَقُولُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] يَعْقُوبُ لِابْنِهِ يُوسُفَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ [يوسف: 5] هَذِهِ ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: 5] فَيَحْسِدُوكَ ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5] يَقُولُ: فَيَبْغُوكَ الْغَوَائِلَ، وَيُنَاصِبُوكَ الْعَدَاوَةَ، وَيُطِيعُوا

فِيكَ الشَّيْطَانَ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5] يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِآدَمَ وَبَنِيهِ عَدُوٌّ، وَقَدْ أَبَانَ لَهُمْ عَدَاوَتَهُ وَأَظْهَرَهَا.
يَقُولُ: فَاحْذَرِ الشَّيْطَانَ أَنْ يُغْرِيَ إِخْوَتَكَ بِكَ بِالْحَسَدِ مِنْهُمْ لَكَ إِنْ أَنْتَ قَصَصْتَ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاكَ.
وَإِنَّمَا قَالَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ

إِخْوَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ حَسَدَهُ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " نَزَلَ يَعْقُوبُ الشَّامَ، فَكَانَ هَمُّهُ يُوسُفَ وَأَخَاهُ، فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ لَمَّا رَأَوْا حُبَّ أَبِيهِ لَهُ، وَرَأَى يُوسُفُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَآهُمْ لَهُ سَاجِدِينَ، فَحَدَّثَ بِهَا أَبَاهُ فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.
. .﴾ [يوسف: 5] الْآيَةَ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَاهُ: فَيَتَّخِذُوا لَكَ كَيْدًا، وَلَيْسَتْ مِثْلَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] تِلْكَ أَرَادُوا أَنْ يُوصَلَ الْفِعْلُ إِلَيْهَا بِاللَّامِ كَمَا يُوصَلُ بِالْبَاءِ، كَمَا تَقُولُ: قَدَّمْتُ لَهُ طَعَامًا، تُرِيدُ قَدَّمْتُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: 48] ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: 35] قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ كَانَ: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، فِي مَعْنَى: فَيَكِيدُوكَ، وَتَجْعَلُ اللَّامَ مِثْلَ: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] وَقَدْ قَالَ « لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» إِنَّمَا هُوَ بِمَكَانِ: «رَبَّهُمْ يَرْهَبُونَ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُدْخِلَتِ اللَّامُ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِمْ: حَمِدْتُ لَكَ وَشَكَرْتُ لَكَ، وَحَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ، وَقَالَ: هَذِهِ لَامٌ عَلَيْهَا الْفِعْلُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: 5] تَقُولُ: فَيَكِيدُوكَ، وَيَكِيدُوا لَكَ فَيَقْصِدُوكَ، وَيَقْصِدُوا لَكَ، قَالَ: «وَكَيْدًا» : تَوْكِيدٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ يَعْقُوبَ لِابْنِهِ يُوسُفَ لَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: 6] وَهَكَذَا يَجْتَبِيكَ

رَبُّكَ.
يَقُولُ: كَمَا أَرَاكَ رَبُّكَ الْكَوَاكِبَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكَ سُجُودًا، فَكَذَلِكَ يَصْطَفِيكَ رَبُّكَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو الْعَنْقَزِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: 6] قَالَ: يَصْطَفِيكَ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6] فَاجْتَبَاهُ وَاصْطَفَاهُ وَعَلَّمَهُ مِنْ عِبَرِ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6] يَقُولُ: وَيُعَلِّمُكَ رَبُّكَ مِنْ عِلْمِ مَا يُؤَوَّلُ إِلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّاسِ عَمَّا يَرَوْنَهُ فِي مَنَامِهِمْ، وَذَلِكَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6] قَالَ: عِبَارَةُ الرُّؤْيَا "

جارٍ التحميل