ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَسَاقُوا النَّعَمَ.
فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ , أَنْ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي.
قَالَ: فَرَكِبُوا لَا يَنْتَظِرُ فَارِسٌ فَارِسًا.
قَالَ: فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَثَرِهِمْ , فَلَمْ يَزَالُوا يَطْلُبُونَهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ , فَرَجَعَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَسَرُوا مِنْهُمْ , فَأَتَوْا بِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ , قَالَ: فَكَانَ نَفْيُهُمْ أَنْ نَفَوْهُمْ , حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ مَأْمَنَهُمْ وَأَرْضَهُمْ , وَنَفَوْهُمْ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ , وَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنْهُمْ وَصَلَّبَ وَقَطَّعَ وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ قَالَ: فَمَا مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
قَالَ: " نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ , وَقَالَ: وَلَا تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ " قَالَ: فَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَقُولُ ذَلِكَ , غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَ مَا قَتَلَهُمْ.
قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ , وَمِنْهُمْ مِنْ عُرَيْنَةَ وَنَاسٌ مِنْ بَجِيلَةَ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ , قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ هَنَّادٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ , عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ جَرِيرٍ , قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ عُرَيْنَةَ حُفَاةً مَضْرُورِينَ , فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,
فَلَمَّا صَحُّوا وَاشْتَدُّوا قَتَلُوا رِعَاءَ اللِّقَاحِ , ثُمَّ خَرَجُوا بِاللِّقَاحِ عَامِدِينَ بِهَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِهِمْ.
قَالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ بَعْدَ مَا أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادِ قَوْمِهِمْ , فَقَدِمْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ , وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ , وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: الْمَاءَ.
وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «النَّارُ» حَتَّى هَلَكُوا.
قَالَ: وَكَرِهَ اللَّهُ سَمْلَ الْأَعْيُنِ , فَأَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , وَحَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ , وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَابْنُ سَمْعَانَ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: أَغَارَ نَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَاسْتَاقُوهَا وَقَتَلُوا غُلَامًا لَهُ فِيهَا , فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُخِذُوا , فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ , عَنْ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ عَمْرٍو , شَكَّ يُونُسُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَنَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ: قَدِمَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَسْلَمُوا , ثُمَّ اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ , فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا , فَفَعَلُوا , فَقَتَلُوا رُعَاتِهَا , وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ.
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثَرِهِمْ قَافَةً , فَأُتِيَ بِهِمْ , فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ , وَتَرَكَهُمْ فَلَمْ يَحْسِمْهُمْ
حَتَّى مَاتُوا "
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: ثني سَعِيدُ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسٍ , قَالَ:.
كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ عُرَيْنَةَ وَثَلَاثَةً مِنْ عُكْلٍ , فَلَمَّا أُتِيَ بِهِمْ قَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ , وَتَرَكَهُمْ يَتَلَقَّمُونَ الْحِجَارَةَ بِالْحَرَّةِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ , كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكِ النَّفْرِ الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ , قَالَ أَنَسٌ: فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ , وَأَخَافُوا السَّبِيلَ , وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] قَالَ: " أُنْزِلَتْ فِي سُودَانِ عُرَيْنَةَ , قَالَ: أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِمُ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ , فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ , فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ , فَقَالَ: «اشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا , حَتَّى إِذَا صَحُّوا وَبَرِئُوا ,
قَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَرِّفَةً حُكْمَهُ عَلَى مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ الْقَصَصَ الَّتِي قَصَّهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَعْدَهَا مِنْ قِصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْبَائِهِمْ , فَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَوَسِّطًا مِنْهُ يُعَرِّفُ الْحُكْمُ فِيهِمْ وَفِي نُظَرَائِهِمْ , أَوْلَى وَأَحَقُّ.
وَقُلْنَا: كَانَ نُزُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْآيَةِ لَمَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيلُهَا: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ سَعَى بِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا , وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ , ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ , يَقُولُ: لَسَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادَ , وَقَاتِلُو النُّفُوسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَغَيْرِ سَعْي فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ حَرْبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ , فَإِنَّمَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْحَالِ الَّتِي ذَكَرْتَ مِنْ حَالِ نَقْضِ كَافِرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَهْدَهُ , وَمِنْ قَوْلِكَ إِنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمٌ
مِنَ اللَّهِ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ دُونَ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ قِيلَ: جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا وَمِلَّتِنَا وَاحِدٌ , وَالَّذِينَ عُنُوا بِالْآيَةِ كَانُوا أَهْلَ عَهْدٍ وَذِمَّةٍ , وَإِنْ كَانَ دَاخِلَا فِي حُكْمِهَا كُلُّ ذَمِّيٍّ وَمِلِّيٍّ , وَلَيْسَ يُبْطِلُ بِدُخُولِ مَنْ دَخَلَ فِي حُكْمِ الْآيَةِ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا نُزُولُهَا فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نَسْخِ حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُرَنِيِّينَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ , نَسَخَهُ نَهْيُهُ عَنِ الْمُثْلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ , أَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , وَقَالُوا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِتَابًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ فِعْلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُرَنِيِّينَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي نُظَرَائِهِمْ أَبَدًا , لَمْ يُنْسَخْ وَلَمْ يُبَدَّلْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ فِيمَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا بِالْحِرَابَةِ.
قَالُوا: وَالْعُرَنِيُّونَ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , فَحُكْمُهُمْ غَيْرُ حُكْمِ الْمُحَارِبِ السَّاعِي فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالذِّمَّةِ وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَسْمُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ , وَلَكِنَّهُ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْمُلَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ يُعَرِّفُهُ الْحُكْمَ فِيهِمْ وَنَهَاهُ عَنْ سَمْلِ أَعْيُنِهُمْ
ذِكْرُ الْقَائِلِينَ مَا وَصَفْنَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: ذَاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ
مَا كَانَ مِنْ سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرْكِهِ حَسْمَهُمْ حَتَّى مَاتُوا , فَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاتِبَةً فِي ذَلِكَ , وَعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَالنَّفْيِ , وَلَمْ يَسْمُلْ بَعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ.
قَالَ: وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِأَبِي عَمْرٍو , فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً , وَقَالَ: بَلَى كَانَتْ عُقُوبَةُ أُولَئِكَ النَّفْرِ بِأَعْيَانِهِمْ , ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مَنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ فَرَفَعَ عَنْهُمُ السَّمْلَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُتِيَ بِهِمْ , يَعْنِي الْعُرَنِيِّينَ , فَأَرَادَ أَنْ يَسْمُلَ أَعْيُنَهُمْ , فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الْحُدُودَ كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسْتَحِقِّ اسْمَ الْمُحَارِبِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ حُكْمُ هَذِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , قَالَا: هَذَا هُوَ اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ , فَهُوَ
مُحَارِبٌ "
وَقَالَ آخَرُونَ: " هُوَ اللِّصُّ الْمُجَاهِرُ بِلُصُوصِيَّتِهِ , الْمُكَابِرُ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْعَبَّاسُ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْهُ وَعَنْ مَالِكٍ , وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , وَابْنُ لَهِيعَةَ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: " تَكُونُ مُحَارَبَةٌ فِي الْمِصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ , وَالْمُحَارِبُ عِنْدَنَا مَنْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مِصْرٍ أَوْ خَلَاءٍ , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ نَائِرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَلَا ذَحْلٍ وَلَا عَدَاوَةٍ , قَاطِعًا لِلسَبِيلِ وَالطَّرِيقِ وَالدِّيَارِ , مُخِيفًا لَهُمْ بِسِلَاحِهِ , فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ كَقَتْلِهِ الْمُحَارِبَ لَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِيهِ عَفْوٌ وَلَا قَوَدٌ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ , وَابْنَ لَهِيعَةَ , قُلْتُ: تَكُونُ الْمُحَارَبَةُ فِي دُورِ الْمِصْرِ وَالْمَدَائِنِ وَالْقُرَى؟ فَقَالَا: " نَعَمْ , إِذَا هُمْ
دَخَلُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ عَلَانِيَةً , أَوْ لَيْلًا بِالنِّيرَانِ.
قُلْتُ: فَقَتَلُوا أَوْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يُقَتَّلُوا؟ فَقَالَ: نَعَمْ هُمُ الْمُحَارِبُونَ , فَإِنْ قَتَلُوا قُتِلُوا , وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُطِعُوا مِنْ خِلَافٍ إِذَا هُمْ خَرَجُوا بِهِ مِنَ الدَّارِ , لَيْسَ مَنْ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَلَاءِ وَالسَّبِيلِ بِأَعْظَمَ مِنْ مُحَارَبَةِ مَنْ حَارَبَهُمْ فِي حَرِيمِهِمْ وَدُورِهِمْ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَتَكُونُ الْمُحَارَبَةُ فِي الْمِصْرِ شَهَرَ عَلَى أَهْلِهِ بِسِلَاحِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ الْوَلِيدُ: وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّ قَتْلَ الْغِيلَةِ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَارَبَةِ.
قُلْتُ: وَمَا قَتْلُ الْغِيلَةِ؟ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَخْدَعُ الرَّجُلَ وَالصَّبِيَّ , فَيُدْخِلُهُ بَيْتًا أَوْ يَخْلُو بِهِ فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ , فَالْإِمَامُ وَلِيُّ قَتْلِ هَذَا , وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ وَالْجُرْحِ قَوَدٌ وَلَا قِصَاصٌ " وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُحَارِبُ: هُوَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ؛ فَأَمَّا الْمُكَابِرُ فِي الْأَمْصَارِ فَلَيْسَ بِالْمُحَارِبِ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِينَ.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , قَالَ: تَذَاكَرْنَا الْمُحَارِبَ وَنَحْنُ عِنْدَ ابْنِ هُبَيْرَةَ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ , فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ أَنَّ الْمُحَارِبَ مَا كَانَ خَارِجًا مِنَ الْمِصْرِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ , وَقَتْلُ النَّاسِ , وَإِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَنبَسَةَ , عنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] قَالَ: " الْفَسَادُ: الْقَتْلُ , وَالزِّنَا , وَالسَّرِقَةُ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُحَارِبُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَنْ حَارَبَ فِي سَابِلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَذِمَّتِهِمْ , وَالْمُغِيرُ عَلَيْهِمْ فِي أَمْصَارِهِمْ وَقُرَاهُمْ حِرَابَةٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْحُجَّةِ أَنَّ مَنْ نَصَبَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّلْمِ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ لَهُمْ مُحَارِبٌ , وَلَا خِلَافَ فِيهِ.
فَالَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ , لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَهُمْ مُنَاصِبٌ حَرْبًا ظُلْمًا.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاءٌ كَانَ نَصْبُهُ الْحَرْبَ لَهُمْ فِي مِصْرِهِمْ وَقُرَاهُمْ أَوْ فِي سُبُلِهِمْ وَطُرُقِهِمْ فِي أَنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَارِبٌ بِحَرْبِهِ مَنْ نَهَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ حَرْبِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] فَإِنَّهُ يَعْنِي: يَعْمَلُونَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْمَعَاصِي مِنْ إِخَافَةِ سُبُلِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَوْ سُبُلِ ذِمَّتِهِمْ وَقَطْعِ طُرُقِهِمْ , وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , وَالتَّوَثُّبِ عَلَى حُرُمِهِمْ فُجُورًا وَفُسُوقًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا لِلَّذِي حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ ذِمَّتِهِمْ إِلَّا بَعْضَ هَذِهِ الْخِلَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ أَتَلْزَمُ الْمُحَارِبَ بِاسْتِحْقَاقِهِ اسْمَ الْمُحَارَبَةِ , أَمْ يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ إِجْرَامِهِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ , مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ إِجْرَامِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «إِذَا حَارَبَ فَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ.
وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ , فَعَلَيْهِ الصَّلْبُ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ.
وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَذَ وَلَمْ يَقْتُلْ , فَعَلَيْهِ قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ.
وَإِذَا حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ , فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْي»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , وَأَبُو السَّائِبِ , قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «إِذَا خَرَجَ فَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ , قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ.
وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ وَقَتَلَ , صُلِبَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , فِيمَا
أَرَى , فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ مُحَارِبًا , قَالَ: " إِنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ , وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُتِلَ , وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ وَمَثَّلَ: صُلِبَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ.
قَالَ: إِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ صُلِبَ , وَإِذَا قَتَلَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُتِلَ , إِذَا أَخَذَ الْمَالَ لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ قُطِعَ , وَإِذَا كَانَ يُفْسِدُ نُفِيَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ ثنا الْحِمَّانِيُّ , قَالَ ثنا شَرِيكٌ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «إِذَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ نُفِيَ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ حُصَيْنٍ , قَالَ: كَانَ يُقَالَ: مَنْ حَارَبَ فَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ: " قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ.
وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقُتِلَ: صُلِبَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ أَنْزَلَهَا اللَّهُ.
فَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ جَمِيعًا: صُلِبَ؛ وَأَمَّا مَنْ أَصَابَ الدَّمَ وَكَفَّ عَنِ الْمَالِ: قُتِلَ؛ وَمَنْ أَصَابَ الْمَالَ وَكَفَّ عَنِ الدَّمِ: قُطِعَ؛ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنْ هَذَا: نُفِيَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يَسْمُلَ أَعْيُنَ الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الْحُدُودَ كَمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ.
فنَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَقَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ , يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى.
ونَظَرَ إِلَى مَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا فَقَتَلَهُ.
ونَظَرَ إِلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ فَصَلَبَهُ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ أَخَافَ طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَقَطَعَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إِنْ أُخِذَ وَقَدْ أَخَذَ مَالًا قُطِعَتْ يَدُهُ بِأَخْذِهِ الْمَالَ وَرِجْلُهُ بِإِخَافَةِ الطَّرِيقِ , وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ , وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: صُلْبَ "
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ , قَالَ سَمِعْتُ السُّدِّيَّ , يَسْأَلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيَّ , عَنْ رَجُلٍ مُحَارِبٍ , خَرَجَ فَأَخَذَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا وَلَمْ يُهْرِقْ دَمًا.
قَالَ: " النَّفْي بِالسَّيْفِ؛ وَإِنْ أَخَذَ مَالًا فَيَدُهُ بِالْمَالِ وَرِجْلُهُ بِمَا أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا: قُتِلَ؛ وَإِنْ هُوَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: صُلِبَ.
وأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , قَالَ: هَذَا اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ , فَهُوَ مُحَارِبٌ.
فَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا: صُلِبَ؛ وَإِنْ قَتَلَ , وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا: قُتِلَ؛ وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ؛ وَإِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: نُفِيَ "