الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[الأحقاف: 25]
وَقَوْلُهُ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تُخَرِّبُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْمِي بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَتُهْلِكُهُ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: وَكَانَ لَكُمْ كَبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّا ... رَغَا ظَهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمَارَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: دَمَّرَهُمْ: أَلْقَى بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ صَرْعَى هَلْكَى وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] مِمَّا أُرْسِلَتْ بِهَلَاكِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُدَمِّرْ هُودًا وَمَنْ كَانَ آمَنَ بِهِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا طَلْقٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ خَاتَمِي هَذَا، فَنَزَعَ خَاتَمَهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25] يَقُولُ: فَأَصْبَحَ قَوْمُ هُودٍ وَقَدْ هَلَكُوا وَفَنُوا، فَلَا يُرَى فِي بِلَادِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ (لَا تَرَى إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ) بِالتَّاءِ نَصْبًا،
بِمَعْنَى: فَأَصْبَحُوا
لَا تَرَى أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25] بِالْيَاءِ فِي ﴿يُرَى﴾ [البقرة: 165] وَرَفْعِ الْمَسَاكِنِ، بِمَعْنَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ أَنَّهُ لَا يُرَى فِي بِلَادِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ وَرَوَى الْحَسَنُ الْبُصْرَى (لَا تُرَى) بِالتَّاءِ، وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ بِرَفْعِ الْمَسَاكِنِ إِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ ﴿يُرَى﴾ [البقرة: 165] بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا.
وَبِنَصْبِ الْمَسَاكِنِ إِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ: (تَرَى) بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَأَمَّا الَّتِي حَكَيْتُ عَنِ الْحَسَنِ فَهِيَ قَبِيحَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً، وَإِنَّمَا قَبُحَتْ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ الْأَفْعَالَ الَّتِي قَبْلَ إِلَّا، وَإِنْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي بَعْدَهَا أَسْمَاءَ إِنَاثٍ، فَتَقُولُ: مَا قَامَ إِلَّا أُخْتُكَ، مَا جَاءَنِي إِلَّا جَارِيَتُكَ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: مَا جَاءَتْنِي إِلَّا جَارِيَتُكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْذُوفَ قَبْلَ إِلَّا أَحَدٌ، أَوْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَيْءٌ يُذَكِّرُ فِعْلَهُمَا الْعَرَبُ، وَإِنْ عُنِيَ بِهِمَا الْمُؤَنَّثُ، فَتَقُولُ: إِنْ جَاءَكَ مِنْهُنَّ أَحَدٌ فَأَكْرِمْهُ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنَّ جَاءَتْكَ، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يُجِيزُهَا عَلَى الِاسْتِكْرَاهِ، وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَنْشَدَهُ:
وَنَارُنَا لَمْ تُرَ نَارًا مِثْلُهَا ... قَدْ عَلِمَتْ ذَاكَ مَعَدٌّ أَكْرَمَا
فَأَنَّثَ فِعْلَ مِثْلُ لِأَنَّهُ لِلنَّارٍ، قَالَ: وَأَجْوَدُ الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: مَا رُؤِيَ مِثْلُهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا جَزَيْنَا عَادًا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابِنَا، كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ مِنْ خَلْقِنَا، إِذْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ وَطَغَوْا عَلَى رَبِّهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَكَنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزءُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ: وَلَقَدْ مَكَّنَّا أَيُّهَا الْقَوْمُ عَادًا
الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِكُفْرِهِمْ فِيمَا لَمْ نُمَكِّنْكُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ مِنْهَا الَّذِي لَمْ نُعْطِكُمْ مِنْهُمْ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ، وَبَسْطَةِ الْأَجْسَامِ، وَشِدَّةِ الْأَبْدَانِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنِي أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: 26] يَقُولُ: «لَمْ نُمَكِّنْكُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: 26] : «أَنْبَأَكُمْ أَنَّهُ أَعْطَى الْقَوْمَ مَا لَمْ يُعْطِكُمْ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ [الأحقاف: 26] يَسْمَعُونَ بِهِ مَوَاعِظَ رَبِّهِمْ، وَأَبْصَارًا يُبْصِرُونَ بِهَا حُجَجَ اللَّهِ، وَأَفْئِدَةً يَعْقِلُونَ بِهَا مَا يَضُرُّهُمْ وَيَنْفَعُهُمْ ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] يَقُولُ: فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْفُؤَادِ إِذْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا أُعْطُوهَا لَهُ، وَلَمْ
يُعْمِلُوهَا فِيمَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهَا فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ سَخَطِهِ ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾ [الأحقاف: 26] يَقُولُ: إِذْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَهُمْ رُسُلُهُ، وَيُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُمْ ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: 48] يَقُولُ: وَعَادَ عَلَيْهِمْ مَا
اسْتَهْزَءُوا بِهِ، وَنَزَلَ بِهِمْ مَا سَخِرُوا بِهِ، فَاسْتَعْجَلُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِقُرَيْشٍ، يَقُولُ لَهُمْ: فَاحْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ وَتَكْذِيبِكُمْ رُسُلَهُ، مَا حَلَّ بِعَادٍ، وَبَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ النِّقْمَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ مُحَذِّرَهُمْ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾ [يونس: 13] أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنَ الْقُرَى مَا حَوْلَ قَرْيَتِكُمْ، كَحِجْرِ ثَمُودَ وَأَرْضِ سَدُومَ وَمَأْرِبَ وَنَحْوِهَا، فَأَنْذَرْنَا أَهْلَهَا بِالْمَثُلَاتِ، وَخَرَّبْنَا دِيَارَهَا، فَجَعَلْنَاهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأحقاف: 27] يَقُولُ: وَوَعَظْنَاهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعِظَاتِ، وَذَكَّرْنَاهُمْ بِضُرُوبٍ مِنَ الذِّكْرِ وَالْحُجَجِ، وَبَيَّنَّا لَهُمْ ذَلِكَ
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأحقاف: 27] قَالَ " بَيَّنَّاهَا ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: 27] يَقُولُ لِيَرْجِعُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ " وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِدِلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ: فَأَبَوْا إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَالتَّمَادِي فِي غَيِّهِمْ، فَأَهْلَكْنَاهُمْ، فَلَنْ يَنْصُرَهُمْ مِنَّا نَاصِرٌ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَلَوْلَا نَصَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ قَبْلَهُمْ أَوْثَانُهُمْ وَآلِهَتُهُمُ الَّتِي اتَّخَذُوا عِبَادَتَهَا قُرْبَانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهَا فِيمَا زَعَمُوا إِلَى رَبِّهِمْ مِنَّا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا، فَتُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِنَا إِنْ كَانَتْ تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَمَا
يَزْعُمُونَ، وَهَذَا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ، يَقُولُ لَهُمْ: لَوْ كَانَتْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا، أَوْ تَنْفَعُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ إِنَّمَا تَعْبُدُونَهَا لِتُقَرِّبَكُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، لَأَغْنَتْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكْتُهَا بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا، فَدَفَعَتْ عَنْهَا الْعَذَابَ إِذَا نَزَلَ، أَوْ لَشَفَعَتْ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَقَدْ كَانُوا مِنْ عِبَادَتِهَا عَلَى مِثْلِ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْتُمْ، وَلَكِنَّهَا ضَرَّتْهُمْ وَلَمْ تَنْفَعْهُمْ: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: 28] يَقُولُ: بَلْ تَرَكَتْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَأَخَذَتْ غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، لِأَنَّ عَبَدَتَهَا هَلَكَتْ، وَكَانَتْ هِيَ حِجَارَةً أَوْ نُحَاسًا، فَلَمْ يُصِبْهَا مَا أَصَابَهُمْ وَدَعَوْهَا، فَلَمْ تُجِبْهُمْ، وَلَمْ تُغِثْهُمْ، وَذَلِكَ ضَلَالُهَا عَنْهُمْ، وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآلِهَةُ الَّتِي ضَلَّتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، وَفِي حَالِ طَمَعِهِمْ فِيهَا أَنْ تُغِيثَهُمْ، فَخَذَلَتْهُمْ، هُوَ إِفْكُهُمْ: يَقُولُ: هُوَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَيَقُولُونَ بِهِ هَؤُلَاءِ آلِهَتُنَا وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، يَقُولُ: وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَفْتَرُونَ، فَيَقُولُونَ: هِيَ تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَهِيَ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُخْرِجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْفِعْلِ، وَالْمَعْنِي الْمَفْعُولُ بِهِ، فَقِيلَ: وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ، وَالْمَعْنِي فِيهِ: الْمَأْفُوكُ بِهِ لِأَنَّ الْإِفْكَ إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْآفِكِ، وَالْآلِهَةُ مَأْفُوكٌ بِهَا وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ قَبْلُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: 28] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ [الأحقاف: 28] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ [الأحقاف: 28] بِكَسْرِ الْأَلْفِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ بِالْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا» وَذَلِكَ «أَفَكَهُمْ» يَعْنِي بِفَتْحِ الْأَلْفِ وَالْكَافِ وَقَالَ: أَضَلَّهُمْ " فَمَنْ قَرَأَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ وَمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ صَرَفَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قَضَى وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقَرِّعًا كُفَّارَ قُرَيْشٍ بِكُفْرِهِمْ بِمَا آمَنَتْ بِهِ الْجِنُّ ﴿وَإِنَّمَا صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] ذُكِرَ أَنَّهُمْ صُرِفُوا إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَادِثِ الَّذِي حَدَثَ مِنْ رَجْمِهِمْ بِالشُّهُبِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " كَانَتِ الْجِنُّ تَسْتَمِعُ، فَلَمَّا رُجِمُوا قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاءِ لِشَيْءٍ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ حَتَّى رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجًا مِنْ سُوقِ عُكَاظَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْفَجْرَ، فَذَهَبُوا إِلَى قَوْمِهِمْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِسَتِ السَّمَاءُ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ: مَا حُرِسَتْ إِلَّا لِأَمْرٍ قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ فَبَعَثَ سَرَايَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَوَجَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ بِأَصْحَابِهِ بِنَخْلَةَ، وَهُوَ يَقْرَأُ فَاسْتَمَعُوا حَتَّى إِذَا فَرَغَ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29] إِلَى قَوْلِهِ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: " لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ تُحْرَسُ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا يَقْعُدُونَ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ؛ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِسَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا، وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: ﴿لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10] فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الْجِنُّ، فَقَالَ: تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ، فَأَخْبِرُونِي مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاءِ، وَكَانَ أَوَّلُ بَعْثٍ رَكِبَ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، وَهِيَ أَشْرَافُ الْجِنِّ وَسَادَاتُهُمْ، فَبَعَثَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ، فَانْدَفَعُوا حَتَّى بَلَغُوا الْوَادِيَ، وَادِيَ نَخْلَةَ، فَوَجَدُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَاسْتَمَعُوا؛ فَلَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ، قَالُوا: أَنْصِتُوا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُمُ اسْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ فَلَمَّا قَضَى وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ عَدَدِ النَّفَرِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29] قَالَ: «كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ فِيهِمْ زَوْبَعَةُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: " أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ [الأحقاف: 29] قَالَ: كَانُوا تِسْعَةً أَحَدُهُمْ زَوْبَعَةُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ [الأحقاف: 29] يَقُولُ: فَلَمَّا حَضَرَ هَؤُلَاءِ النَّفْرُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ صَرَفَهُمُ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِفَةِ حُضُورِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَضَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَرَّفُونَ الْأَمْرَ الَّذِي حَدَثَ مِنْ قِبَلِهِ مَا حَدَثَ فِي السَّمَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشْعُرُ بِمَكَانِهِمْ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلُ
وَكَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا هَوْذَةُ، قَالَ: ثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29] قَالَ: مَا شَعَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءُوا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ فِيهِمْ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُمْ جُمِعُوا لَهُ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِإِنْذَارِهِمْ، وَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29] قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ صُرِفُوا إِلَيْهِ مِنْ نِينَوَى، قَالَ: فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الْجِنِّ، فَأَيُّكُمْ يَتَّبِعُنِي؟» فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمْ فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ اسْتَتْبَعَهُمُ الثَّالِثَةَ فَأَطْرَقُوا "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَذُو نَدْبَةٍ، فَاتَّبَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعْبًا يُقَالُ لَهُ شِعْبُ الْحَجُونِ قَالَ: وَخَطَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ خَطًّا لِيُثَبِّتَهُ بِهِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ تَهْوِي بِي وَأَرَى أَمْثَالَ النُّسُورِ تَمْشِي فِي دُفُوفِهَا، وَسَمِعْتُ
لَغَطًا شَدِيدًا، حَتَّى خِفْتُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَلَا الْقُرْآنَ؛ فَلَمَّا رَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا اللَّغَطُ الَّذِي سَمِعْتُ؟ قَالَ: «اجْتَمَعُوا إِلَيَّ فِي قَتِيلٍ كَانَ بَيْنَهُمْ، فَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ رَأَى شُيُوخًا شُمْطًا مِنَ الزُّطِّ، فَرَاعُوهُ، قَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ، قَالَ: مَا أُرِيتُ لِلَّذِينَ قَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ مِنَ الْجِنِّ شَبَهًا أَدْنَى مِنْ هَؤُلَاءِ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ وَابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ دَعَا الْجِنَّ، فَخَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «لَا تَخْرُجْ مِنْهُ» ثُمَّ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْجِنِّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟» قَالَ: سَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا، قَالَ: «إِنَّ الْجِنَّ تَدَارَأَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: «كُلُّ عَظْمٍ لَكُمْ عَرْقٌ، وَكُلُّ رَوْثٍ لَكُمْ خَضِرَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُقَذِّرُهَا النَّاسُ عَلَيْنَا، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَنْجَى بِأَحَدِهِمَا " فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْكُوفَةَ رَأَى الزُّطَّ، وَهُمْ قَوْمٌ طُوَالٌ سُودٌ، فَأَفْزَعُوهُ، فَقَالَ: أَظَهَرُوا؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الزُّطِّ، فَقَالَ: مَا أَشْبَهَهُمْ بِالنَّفَرِ الَّذِينَ صُرِفُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: حُدِّثْتُ أَنَّكَ كُنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ وَفْدِ
الْجِنِّ، قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَّ عَلَيْهِ خَطًّا وَقَالَ: «لَا تَبْرَحْ مِنْهَا» ، فَذَكَرَ أَنَّ مِثْلَ الْعَجَاجَةِ السَّوْدَاءِ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذُعِرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصُّبْحِ، أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَنِمْتَ؟» قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ مِرَارًا أَنْ أَسْتَغِيثَ بِالنَّاسِ حَتَّى سَمِعْتُكَ تَقْرَعُهُمْ بِعَصَاكَ تَقُولُ: «اجْلِسُوا» ، قَالَ: «لَوْ خَرَجْتَ لَمْ آمَنْ أَنْ يَخْتَطِفَكَ بَعْضُهُمْ» ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟» قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ رِجَالًا سُودًا مُسْتَشْعِرِي ثِيَابٍ بِيضٍ، قَالَ: «أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ، سَأَلُونِي الْمَتَاعَ، وَالْمَتَاعُ الزَّادُ، فَمَتَّعْتُهُمْ بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ أَوْ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: «إِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَظْمًا إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ يَوْمَ أُكِلَ، وَلَا رَوْثَةً إِلَّا وَجَدُوا فِيهَا حَبَّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ، فَلَا يَسْتَنْقِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ بِعَظْمٍ وَلَا بَعْرَةٍ وَلَا رَوْثَةٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَهْبُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: قَالَ يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ شَبَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ الْجِنِّ اللَّيْلَةَ فَلْيَفْعَلْ» فَلَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ، خَطَّ لِي بِرِجْلِهِ خَطًّا، ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ،
ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَبِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ، فَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْفَجْرِ، فَانْطَلَقَ مُتَبَرِّزًا، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الرَّهْطُ؟» قُلْتُ: هُمْ أُولَئِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ عَظْمًا أَوْ رَوْثًا أَوْ جُمْجُمَةً فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ زَادًا، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ " حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: ثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ شَبَّةَ الْخُزَاعِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّأْمِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَأَعْطَاهُمْ رَوْثًا أَوْ عَظْمًا زَادًا، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْجُمَةَ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بِتُّ اللَّيْلَةَ أَقْرَأُ عَلَى الْجِنِّ رُبْعًا بِالْحَجُونِ» وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ مَسْعُودٍ: قَرَأَ عَلَيْهِمْ بِالْحَجُونِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: قَرَأَ عَلَيْهِمْ بِنَخْلَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ مَنْ لَمْ نَذْكُرْهُ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا خَلَّادٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ النَّفْرَ الَّذِينَ، أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ أَتَوْهُ وَهُوَ بِنَخْلَةَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: 29] قَالَ: لَقِيَهُمْ بِنَخْلَةَ لَيْلَتَئِذٍ "
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا حَضَرُوا الْقُرْآنَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنْصِتُوا لِنَسْتَمِعَ الْقُرْآنَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: 29] قَالُوا: صَهٍ " قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: 29] «قَدْ عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ لَنْ يَعْقِلُوا حَتَّى يُنْصِتُوا»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ [الأحقاف: 29] يَقُولُ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ