تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 469-479

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 469-479
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: «الشَّابُّ وَالشَّيْخُ»

قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «الشَّابُّ وَالشَّيْخُ»

قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: «كُهُولًا وَشُبَّانًا»

قَالَ: ثنا حَيْوَةُ أَبُو يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ: «كُهُولًا وَشُبَّانًا»

حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: شُبَّانًا وَكُهُولًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي

نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: شَبَابًا وَشُيُوخًا، وَأَغْنِيَاءَ وَمَسَاكِينَ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: «شُيُوخًا وَشُبَّانًا»

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ، قَالَ: ثنا حَرِيزٌ، قَالَ: ثني حِبَّانُ بْنُ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيُّ، قَالَ: " نَفَرْنَا مَعَ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصَ قِبَلَ الْأُفْسُوسِ إِلَى الْجَرَاجِمَةِ، فَلَقِيتُ شَيْخًا كَبِيرًا هِمًّا، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِيمَنْ أَغَارَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ، قَالَ: فَرَفَعَ حَاجِبَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي اسْتَنْفَرَنَا اللَّهُ خِفَافًا وَثِقَالًا، مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيُبْقِيهِ، وَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ شَكَرَ وَصَبَرَ وَذَكَرَ وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: كُلُّ شَيْخٍ وَشَابٍّ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مَشَاغِيلُ وَغَيْرُ مَشَاغِيلَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: مَشَاغِيلُ وَغَيْرُ مَشَاغِيلَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: انْفِرُوا أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: نِشَاطًا وَغَيْرَ نِشَاطٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] يَقُولُ: انْفِرُوا نِشَاطًا وَغَيْرَ نِشَاطٍ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: نِشَاطًا وَغَيْرَ نِشَاطٍ "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: رُكْبَانًا وَمُشَاةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: «إِذَا كَانَ النَّفْرُ إِلَى دُرُوبِ الشَّأْمِ نَفَرَ النَّاسُ إِلَيْهَا خِفَافًا رُكْبَانًا، وَإِذَا كَانَ النَّفْرُ إِلَى هَذِهِ السَّوَاحِلِ وَنَفَرُوا إِلَيْهَا خِفَافًا وَثِقَالًا رُكْبَانًا وَمُشَاةً» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ذَا ضَيْعَةٍ، وَغَيْرَ ذِي ضَيْعَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: الثَّقِيلُ الَّذِي لَهُ الضَّيْعَةُ، فَهُوَ ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أَنْ يُضَيِّعَ ضَيْعَتَهُ وَيَخْرُجَ، وَالْخَفِيفُ الَّذِي لَا ضَيْعَةَ لَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: زَعَمَ حَضْرَمِيُّ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ " أَنَّ نَاسًا كَانُوا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ عَلِيلًا أَوْ كَبِيرًا، فَيَقُولُ: إِنِّي أَحْسِبُهُ قَالَ: أَنَا لَا آثَمُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: شَهِدَ أَبُو أَيُّوبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا، ثُمَّ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَهُوَ فِي أُخْرَى إِلَّا عَامًا وَاحِدًا، وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] فَلَا أَجِدُنِي إِلَّا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا "

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَمَّنْ رَأَى الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيتِ الصَّيَارِفَةِ بِحِمْصَ، وَقَدْ فَضُلَ عَنْهُ مِنْ عَظْمِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: " أَتَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ الْبَحُوثِ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] "

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، قَالَ: ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: ثني أَبُو رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيُّ، قَالَ: وَافَيْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيتِ الصَّيَارِفَةِ

بِحِمْصَ، قَدْ فَضُلَ عَنْهُ مِنْ عَظْمِهِ، يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ: " أَتَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ الْبَحُوثِ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْرِ لِجِهَادِ أَعْدَائِهِ فِي سَبِيلِهِ خِفَافًا وَثِقَالًا، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْخِفَافِ كُلُّ مَنْ كَانَ سَهْلًا عَلَيْهِ النَّفْرُ لِقُوَّةِ بَدَنِهِ عَلَى ذَلِكَ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ وَشَبَابِهِ، وَمَنْ كَانَ ذَا تَيَسُّرٍ بِمَالٍ وَفَرَاغٍ مِنَ الِاشْتِغَالِ وَقَادِرًا عَلَى الظَّهْرِ وَالرِّكَابِ.
وَيَدْخُلُ فِي الثِّقَالِ كُلُّ مَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ ضَعِيفِ الْجِسْمِ وَعَلِيلِهِ وَسَقِيمِهِ، وَمِنْ مُعَمَّرٍ مِنَ الْمَالِ وَمُشْتَغِلٍ بِضَيْعَةٍ وَمَعاشٍ، وَمَنْ كَانَ لَا ظَهْرَ لَهُ وَلَا رِكَابَ، وَالشَّيْخُ وَذُو السِّنِّ وَالْعِيَالِ.
فَإِذْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْخَفَّافِ وَالثِّقَالِ مَنْ وَصَفْنَا مِنْ أَهْلِ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ صِنْفًا دُونَ صِنْفٍ فِي الْكِتَابِ، وَلَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَصَبَ عَلَى خُصُوصِهِ دَلِيلًا، وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ بِالنَّفْرِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ خِفَافًا وَثِقَالًا مَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ

مَسْرُوقٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: " أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] ". حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25] قَالَ: يُعَرِّفُهُمْ نَصْرَهُ، وَيُوَطِّنُهُمْ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَاهِدُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْكُفَّارَ بِأَمْوَالِكُمْ، فَأَنْفِقُوهَا فِي مُجَاهَدَتِهِمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ

لَكُمْ، حَتَّى يَنْقَادُوا لَكُمْ فَيَدْخُلُوا فِيهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، أَوْ يُعْطُوكُمُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ صِغَارًا إِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، أَوْ تَقْتُلُوهُمْ.
﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 61] يَقُولُ: وَبِأَنْفُسِكُمْ فَقَاتِلُوهُمْ بِأَيْدِيكُمْ يُخْزِهِمُ اللَّهُ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 54] يَقُولُ: هَذَا الَّذِي آمُرُكُمْ بِهِ مِنَ النَّفْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى خِفَافًا وَثِقَالًا وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ التَّثَاقُلِ إِلَى الْأَرْضِ إِذَا

اسْتُنْفِرْتُمْ وَالْخُلُودِ إِلَيْهَا وَالرِّضَا بِالْقَلِيلِ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِوَضًا مِنَ الْآخِرَةِ، إِنْ كُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ مَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ فَضْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقُعُودِ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرْجَنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدِ اسْتَأْذَنُوهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ

حِينَ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ فَأَذِنَ لَهُمْ: لَوْ كَانَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْكَ وَالْمُسْتَأْذِنِيكَ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَكَ إِلَى مَغْزَاكَ الَّذِي اسْتَنْفَرْتَهُمْ إِلَيْهِ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: 42] يَقُولُ: غَنِيمَةً حَاضِرَةً ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ [التوبة: 42] يَقُولُ: وَمَوْضِعًا قَرِيبًا سَهْلًا.
﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة: 42] وَنَفَرُوا مَعَكَ إِلَيْهِمَا، وَلَكِنَّكَ اسْتَنْفَرْتَهُمْ إِلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ، وَكَلَّفْتَهُمْ سَفَرًا شَاقًّا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّكَ اسْتَنْهَضْتَهُمْ فِي وَقْتِ الْحَرِّ وَزَمَانِ الْقَيْظِ وَحِينَ الْحَاجَةِ إِلَى الْكِنِّ.

﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَسَيَحْلِفُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَأْذِنُوكَ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَكَ اعْتِذَارًا مِنْهُمْ إِلَيْكَ بِالْبَاطِلِ، لِتَقْبَلَ مِنْهُمْ عُذْرَهُمْ، وَتَأْذَنَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ: لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ، يَقُولُ: لَوْ أَطَقْنَا الْخُرُوجَ مَعَكُمْ بِوُجُودِ

السَّعَةِ وَالْمَرَاكِبِ وَالظُّهُورِ وَمَا لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ وَالْغَازِي مِنْهُ، وَصِحَّةِ الْبَدَنِ وَالْقُوَى، لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ.
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: 42] يَقُولُ: يُوجِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِحَلِفِهِمْ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ الْهَلَاكَ وَالْعَطَبَ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَهَا سَخَطَ

اللَّهِ وَيُكْسِبُونَهَا أَلِيمَ عِقَابِهِ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42] فِي حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لِلْخُرُوجِ مُطِيقِينَ بِوُجُودِ السَّبِيلِ إِلَى ذَلِكَ بِالَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْغَازِي فِي غَزْوِهِ وَالْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ وَقُوَى الْأَجْسَامِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: 42] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42] إِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، وَلَكِنْ كَانَ تَبْطِئَةً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وَالشَّيْطَانِ وَزَهَادَةً فِي الْخَيْرِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: 42] قَالَ هِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: 42] أَيْ: إِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ " ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 43] وَهَذَا عَتَّابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَاتَبَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِذْنِهِ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ حِينَ شَخَصَ إِلَى تَبُوكَ لِغَزْوِ الرُّومِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.

يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: 43] يَا مُحَمَّدُ مَا كَانَ مِنْكَ فِي إِذْنِكَ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِي اسْتَأْذَنُوكَ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَكَ، وَفِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] لِأَيِّ شَيْءٍ أَذِنْتَ لَهُمْ.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 43] يَقُولُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ؛ إِذْ قَالُوا لَكَ: لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكَ، حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ لَهُ الْعُذْرُ مِنْهُمْ فِي تَخَلُّفِهِ وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ إِذْنُكَ لِمَنْ أَذِنْتَ لَهُ مِنْهُمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْكَ بِعُذْرِهِ، وَتَعْلَمَ مَنِ الْكَاذِبُ مِنْهُمُ الْمُتَخَلِّفُ نِفَاقًا وَشَكًّا فِي دِينِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] قَالَ: نَاسٌ قَالُوا: اسْتَأْذِنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَاقْعُدُوا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ فَاقْعُدُوا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [التوبة: 43] الْآيَةَ، عَاتَبَهُ كَمَا تَسْمَعُونَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ إِنْ شَاءَ، فَقَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62]

فَجَعَلَهُ اللَّهُ رُخْصَةً فِي ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ "

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، قَالَ: " اثْنَتَانِ فَعَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِمَا بِشَيْءٍ: إِذْنُهُ لِلْمُنَافِقِينَ، وَأَخْذُهُ مِنَ الْأُسَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: " ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] الْآيَةَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ مُوَرِّقًا عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: 43] قَالَ: عَاتَبَهُ رَبُّهُ "

جارٍ التحميل