تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 615-616

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53] ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَأْوِيلِهِ مَا

صفحات 615-616
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] ، قَالَ: «لَا تَعْتَدُوا إِلَى مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ: تَجَاوَزُ الْمَرْءِ مَالَهُ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] النَّهْيَ عَنِ الْعُدْوَانِ كُلِّهِ، كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا لِمَا عَمَّهُ بِالْعُمُومِ حَتَّى يَخُصَّهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا أَحَلَّ أَوْ حَرَّمَ، فَمَنْ تَعَدَّاهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] ، وَغَيْرُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَالرَّهْطِ الَّذِينَ هَمُّوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَكُونُ مُرَادًا بِحُكْمِهَا كُلَّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ، أَوْ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ تَجَاوَزَ حَدًّا حَدَّهُ اللَّهُ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ هَمُّوا بِمَا هَمُّوا بِهِ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ مَا أَحَلَّ لَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا عُوتِبُوا عَلَى مَا هَمُّوا بِهِ مِنْ تَجَاوِزِهِمْ مَا سَنَّ لَهُمْ وَحَّدَ إِلَى غَيْرِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رِزْقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 88] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: 57] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي رَزَقَكُمْ وَأَحَلَّهُ لَكُمْ حَلَالًا طَيِّبًا:

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رِزْقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 88] يَعْنِي: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 88] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَخَافُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْتَدُوا فِي حُدُودِهِ، فَتُحِلُّوا مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَتُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ لَكُمْ، وَاحْذَرُوهُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُخَالِفُوهُ فَيَنْزِلُ بِكُمْ سَخَطُهُ، أَوْ تَسْتَوْجِبُوا بِهِ عُقُوبَتَهُ.
﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 88] يَقُولُ: الَّذِي أَنْتُمْ بِوَحْدَانِيَّتِهِ

مُقِرُّونَ، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ مُصَدِّقُونَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الطَّيِّبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانُوا حَرَّمُوا ذَلِكَ بِأَيْمَانٍ حَلَفُوا بِهَا، فَنَهَاهُمْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يُؤَاخِذُكُمْ رَبُّكُمْ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا الَّتِي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] الْآيَةَ " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَيْمَانٍ حَلَفُوا بِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِمْ

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] بِتَشْدِيدِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: وَكَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ وَرَدَّدْتُمُوهَا.
وَقُرَّاءُ الْكُوفِيِّينَ: (بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ) بِتَخْفِيفِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَعَزَمَتْ عَلَيْهَا قُلُوبُكُمْ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَسْتَعْمِلُ فَعَّلْتُ فِي الْكَلَامِ، إِلَّا فِيمَا يَكُونُ فِيهِ تَرَدُّدٌ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: شَدَّدْتُ عَلَى فُلَانٍ فِي كَذَا إِذَا كَرَّرَ عَلَيْهِ الشَّدَّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَإِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ فَعَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً قِيلَ: شَدَدْتُ عَلَيْهِ بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي تَجِبُ بِالْحِنْثِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ تَلْزَمُ بِالْحِنْثِ فِي حَلِفِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْهَا الْحَالِفُ مَرَّاتٍ، وَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ مُؤَاخِذٌ الْحَالِفَ الْعَاقِدَ قَلْبَهُ عَلَى حَلِفِهِ وَإِنْ لَمْ يُكَرِّرْهُ وَلَمْ يُرَدِّدْهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَشْدِيدِ الْقَافِ مِنْ عَقَّدْتُمْ وَجْهٌ مَفْهُومٌ.
فَتَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِذَنْ: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَيْمَانُكُمْ بِمَا لَغَوْتُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا أَوْجَبْتُمُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنْهَا وَعَقَدَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْيَمِينَ الَّتِي هِيَ لَغْوٌ وَالَّتِي اللَّهُ مُؤَاخِذٌ الْعَبْدَ بِهَا، وَالَّتِي فِيهَا الْحِنْثُ وَالَّتِي لَا حِنْثَ فِيهَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

جارٍ التحميل