وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَقُولُ: وَلَكُمْ يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاشٌ تَمْتَهِدُونَهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
تَفَحَّجُ لَهُمْ، فَيَحْتَلِبُونَ مَا شَاءُوا مِنْ لَبَنٍ، فَيَشْرَبُونَ وَيَدَّخِرُونَ حَتَّى يَمْلَئُوا كُلَّ آنِيَتِهِمْ، ثُمَّ تَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الْفَجِّ الَّذِي مِنْهُ وَرَدَتْ، لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَصْدُرَ مِنْ حَيْثِ تَرِدُ لِضِيقِهِ عَنْهَا، فَلَا تَرْجِعُ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ كَانَ يَوْمُهُمْ، فَيَشْرَبُونَ مَا شَاءُوا مِنَ الْمَاءِ، وَيَدَّخِرُونَ مَا شَاءُوا لِيَوْمِ النَّاقَةِ، فَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ.
وَكَانَتِ النَّاقَةُ فِيمَا يَذْكُرُونَ تَصِيفُ إِذَا كَانَ الْحَرُّ بِظَهْرِ الْوَادِي، فَتَهْرَبُ مِنْهَا الْمَوَاشِي أَغْنَامُهُمْ وَأَبْقَارُهُمْ وَإِبِلُهُمْ، فَتَهْبِطُ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي فِي حَرِّهِ وَجَدْبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوَاشِيَ تَنْفِرُ مِنْهَا إِذَا رَأَتْهَا، وَتَشْتَوِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ، فَتَهْرَبُ مَوَاشِيهِمْ إِلَى ظَهْرِ الْوَادِي فِي الْبَرْدِ وَالْجَدْبِ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِمَوَاشِيهِمْ لِلْبَلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ.
وَكَانَتْ مَرَاتِعُهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ الْجِنَابَ وَحِسْمَى، كُلُّ ذَلِكَ تَرْعَى مَعَ وَادِي الْحِجْرِ.
فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وَأَجْمَعُوا فِي عَقْرِ النَّاقَةِ رَأْيَهُمْ.
وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ ثَمُودَ يُقَالُ لَهَا عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمِ بْنِ مِجْلَزٍ، تُكَنَّى بِأُمِّ غَنْمٍ، وَهِيَ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ الْمُهِلِّ أَخِي دُمَيْلِ بْنِ الْمُهِلِّ، وَكَانَتِ امْرَأَةَ ذُوَابَ بْنِ مْرٍو، وَكَانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً، وَكَانَتْ ذَاتَ بَنَاتٍ حِسَانٍ، وَكَانَتْ ذَاتَ مَالٍ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَامْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا: صَدُوفُ بِنْتُ الْمَحْيَا بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْمُحَيَّا
سَيِّدِ بَنِي عُبَيْدٍ وَصَاحِبِ أَوْثَانِهِمْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ.
وَكَانَ الْوَادِي يُقَالُ لَهُ: وَادِي الْمَحْيَا، وَهُوَ الْمَحْيَا الْأَكْبَرُ جَدُّ الْمَحْيَا الْأَصْغَرِ أَبِي صَدُوفٍ.
وَكَانَتْ صَدُوفٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، وَكَانَتْ غَنِيَّةً ذَاتَ مَالٍ مِنْ إِبِلٍ وَغَنَمٍ وَبَقَرٍ، وَكَانَتَا مِنْ أَشَدِّ امْرَأَتَيْنِ فِي ثَمُودَ عَدَاوَةً لِصَالِحٍ وَأَعْظَمِهِمْ بِهِ كُفْرًا، وَكَانَتَا تُحِبَّانِ أَنْ تُعْقَرَ النَّاقَةُ مَعَ كُفْرِهِمَا بِهِ لِمَا أَضَرَّتْ بِهِ مِنْ مَوَاشِيهِمَا.
وَكَانَتْ صَدُوفٌ عِنْدَ ابْنِ خَالٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ صَنْتَمُ بْنُ هِرَاوَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ النِّطْرِيفِ مِنْ بَنِي هُلَيْلٍ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَتْ صَدُوفٌ قَدْ فَوَّضَتْ إِلَيْهِ مَالَهَا، فَأَنْفَقَهُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ صَالِحٍ حَتَّى رَقَّ الْمَالُ.
فَاطَّلَعَتْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِسْلَامِهِ صَدُوفٌ، فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَظْهَرَ لَهَا دِينَهُ وَدَعَاهَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبَتْ عَلَيْهِ، وَسَبَتْ وَلَدَهُ، فَأَخَذَتْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ مِنْهُ فَغَيَّبَتْهُمْ فِي بَنِي عُبَيْدٍ بَطْنِهَا الَّذِي هِيَ مِنْهُ.
وَكَانَ صَنْتَمُ زَوْجُهَا مِنْ بَنِي هُلَيْلٍ، وَكَانَ ابْنَ خَالِهَا، فَقَالَ لَهَا: رُدِّي عَلَيَّ وَلَدِي، فَقَالَتْ: حَتَّى أُنَافِرَكَ إِلَى بَنِي صَنْعَانَ بْنِ عُبَيْدٍ أَوْ إِلَى بَنِي جُنْدُعِ بْنِ عُبَيْدٍ.
فَقَالَ لَهَا صَنْتَمُ: بَلْ أَنَا أَقُولُ إِلَى بَنِي مِرْدَاسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِيَ مِرْدَاسَ بْنِ عُبَيْدٍ كَانُوا قَدْ سَارَعُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَبْطَأَ عَنْهُ الْآخَرُونَ، فَقَالَتْ: لَا أُنَافِرُكَ إِلَّا إِلَى مَنْ دَعَوْتُكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَنُو مِرْدَاسَ: وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَلَدَهُ طَائِعَةً أَوْ كَارِهَةً، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ إِيَّاهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ صَدُوفَ وَعُنَيْزَةَ تَحَيَّلَا فِي عَقْرِ النَّاقَةِ لِلشَّقَاءِ الَّذِي نَزَلَ، فَدَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِنْ ثَمُودَ يُقَالُ لَهُ الْحُبَابُ، لِعَقْرِهِ النَّاقَةَ، وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا بِذَلِكَ إِنْ هُوَ فَعَلَ، فَأَبَى عَلَيْهَا.
فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَهَا يُقَالُ مِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجَ بْنِ الْمَحْيَا، وَجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا عَلَى أَنْ يَعْقِرَ النَّاقَةَ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ.
وَكَانَتْ غَنِيَّةً كَثِيرَةَ الْمَالِ، فَأَجَابَهَا إِلَى ذَلِكَ.
وَدَعَتْ عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمٍ قِدَارَ بْنَ سَالِفِ بْنِ جُنْدُعٍ، رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قُرْحَ.
وَكَانَ قِدَارُ رَجُلًا أَحْمَرَ أَزْرَقَ قَصِيرًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِزَنْيَةٍ مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ صِهْيَادُ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ سَالِفٍ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ سَالِفٍ، وَكَانَ يُدْعَى لَهُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: أُعْطِيكَ أَيَّ بَنَاتِي شِئْتَ عَلَى أَنْ تَعْقِرَ النَّاقَةَ، وَكَانَتْ عُنَيْزَةُ شَرِيفَةً مِنْ نِسَاءِ ثَمُودَ، وَكَانَ زَوْجُهَا ذُؤَابُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ أَشْرَافِ رِجَالِ ثَمُودَ.
وَكَانَ قِدَارٌ عَزِيزًا مَنِيعًا فِي قَوْمِهِ.
فَانْطَلَقَ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ وَمِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ، فَاسْتَنْفَرَا غُوَاةً مِنْ ثَمُودَ، فَاتَّبَعَهُمَا سَبْعَةُ نَفَرٍ، فَكَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ، أَحَدُ النَّفْرِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ هُوَيْلُ بْنُ مَيْلَغٍ خَالُ قِدَارِ بْنِ سَالِفٍ أَخُو أُمِّهِ لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا، وَكَانَ عَزِيزًا مِنْ أَهْلِ حِجْرٍ، وَدُعَيْرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دَاعِرٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي حَلَاوَةَ بْنِ الْمُهِلِّ.
وَدَأْبُ بْنُ مِهْرَجٌ أَخُو مِصْدَعِ بْنِ مِهْرَجٍ، وَخَمْسَةٌ لَمْ تُحْفَظْ لَنَا
أَسْمَاؤُهُمْ.
فَرَصَدُوا النَّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الْمَاءِ، وَقَدْ كَمَنْ لَهَا قِدَارُ فِي أَصْلِ صَخْرَةٍ عَلَى طَرِيقِهَا، وَكَمَنَ لَهَا مِصْدَعٌ فِي أَصْلِ أُخْرَى، فَمَرَّتْ عَلَى مِصْدَعٍ فَرَمَاهَا بِسَهْمٍ، فَانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ سَاقِهَا.
وَخَرَجَتْ أُمُّ غَنْمٍ عُنَيْزَةُ وَأَمَرَتِ ابْنَتَهَا وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا.
فَأَسْفَرَتْ عَنْهُ لِقِدَارٍ وَأَرَتْهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ ذَمَّرَتْهُ، فَشَدَّ عَلَى النَّاقَةِ بِالسَّيْفِ، فَكَشَفَ عُرْقُوبَهَا، فَخَرَّتْ وَرَغَّتْ رَغَاةً وَاحِدَةً تَحْذَرُ سَقْبَهَا.
ثُمَّ طَعَنَ فِي لَبَنِهَا فَنَحَرَهَا.
وَانْطَلَقَ سَقْبُهَا حَتَّى أَتَى جَبَلًا مَنِيعًا، ثُمَّ أَتَى صَخْرَةً فِي رَأْسِ الْجَبَلِ فَرَغَا وَلَاذَ بِهَا وَاسْمُ الْجَبَلِ فِيمَا يَزْعُمُونَ صَوْرٌ فَأَتَاهُمْ صَالِحٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّاقَةَ قَدْ عُقِرَتْ قَالَ: انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ، فَأَبْشِرُوا بِعَذَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَنِقْمَتِهِ فَاتَّبَعَ السَّقْبَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنَ التِّسْعَةِ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَفِيهِمْ مِصْدَعُ بْنُ مِهْرَجٍ، فَرَمَاهُ مِصْدَعٌ بِسَهْمٍ، فَانْتَظَمَ قَلْبَهُ، ثُمَّ جَرَّ بِرِجْلِهِ فَأَنْزَلَهُ، ثُمَّ أَلْقَوْا لَحْمَهُ مَعَ لَحْمِ أُمِّهِ.
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: أَبْشِرُوا بِعَذَابِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، قَالُوا لَهُ وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا صَالِحُ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ فِيهِمُ: الْأَحَدُ: أَوَّلُ،
وَالِاثْنَيْنِ: أَهْوَنُ، وَالثُّلَاثَاءُ: دُبَارٌ، وَالْأَرْبِعَاءُ: جُبَارٌ، وَالْخَمِيسُ: مُؤْنِسٌ، وَالْجُمُعَةُ: الْعُرُوبَةُ، وَالسَّبْتُ: شِيَارٌ، وَكَانُوا عَقَرُوا النَّاقَةَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ حِينَ قَالُوا ذَلِكَ: تُصْبِحُونَ غَدَاةَ يَوْمِ مُؤْنِسٍ يَعْنِي يَوْمَ الْخَمِيسِ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ الْعُرُوبَةِ يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوُجُوهُكُمْ مُحْمَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِيَارٍ يَعْنِي يَوْمَ السَّبْتِ وَوُجُوهُكُمْ مِسْوَدَّةٌ.
ثُمَّ يَصْحَبُكُمُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْأَوَّلِ يَعْنِي يَوْمَ الْأَحَدِ.
فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ ذَلِكَ قَالَ التِّسْعَةُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ: هَلُمُّوا فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا إِنْ كَانَ صَادِقًا عَجِلْنَاهُ قَبْلَنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا يَكُونُ قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ، فَأَتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ، فَدَمَغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ.
فَلَمَّا أَبْطَئُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ أَتَوْا مَنْزِلَ صَالِحٍ، فَوَجَدُوهُمْ مُشَدَّخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَقَالُوا لَهُمْ: وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا، فَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ إِلَّا غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ.
فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ، وَالنَّفَرُ الَّذِينَ رَضَخَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ التِّسْعَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52] ، فَأَصْبَحُوا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ
الَّتِي انْصَرَفُوا فِيهَا عَنْ صَالِحٍ وُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، فَأَيْقَنُوا بِالْعَذَابِ، وَعَرَفُوا أَنَّ صَالِحًا قَدْ صَدَقَهُمْ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، وَخَرَجَ صَالِحٌ هَارِبًا مِنْهَا حَتَّى لَجَأَ إِلَى بَطْنٍ مِنْ ثَمُودَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو غَنْمٍ، فَنَزَلَ عَلَى سَيِّدِهِمْ: رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ نُفَيْلٌ يُكَنَّى بِأَبِي دَبٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَغَيَّبَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
فَغَدَوْا عَلَى أَصْحَابِ صَالِحٍ، فَعَذَّبُوهُمْ لِيَدُلُّوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ صَالِحٍ يُقَالُ لَهُ مَيْدَعُ بْنُ رِمٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيُعَذِّبُونَنَا لِنَدُلَّهُمْ عَلَيْكَ، أَفَنَدُلُّهُمْ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ مَيْدَعُ بْنُ هَرِمٍ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِمَكَانِ صَالِحٍ أَتَوْا أَبَا هَدَبٍ فَكَلَّمُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: عِنْدِي صَالِحٌ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ، وَشَغَلَهُمْ عَنْهُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُخْبِرُ بَعْضًا بِمَا يَرَوْنَ فِي وُجُوهِهِمْ حِينَ أَصْبَحُوا مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَذَلِكَ أَنَّ وُجُوهَهُمْ أَصْبَحَتْ مُصْفَرَّةً، ثُمَّ أَصْبَحُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ، ثُمَّ أَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَوُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ خَرَجَ صَالِحٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ، وَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ مَيْدَعُ بْنُ هَرِمٍ، فَنَزَلَ قُرْحَ وَهِيَ وَادِي الْقُرَى، وَبَيْنَ الْقُرْحِ وَبَيْنَ الْحَجَرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، فَنَزَلَ عَلَى سَيِّدِهِمْ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ غَنْمٍ، وَقَدْ كَانَ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ النَّاقَةِ وَلَمْ يَشْتَرِكْ فِي قَتْلِهَا، فَقَالَ لَهُ مَيْدَعُ بْنُ هَرِمٍ: يَا عَمْرُو بْنَ غَنْمٍ، اخْرُجْ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ، فَإِنَّ صَالِحًا قَالَ مَنْ
أَقَامَ فِيهِ هَلَكَ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ نَجَا، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا شَرَكْتُ فِي عَقْرِهَا، وَمَا رَضِيتُ مَا صُنِعَ بِهَا.
فَلَمَّا كَانَتْ صَبِيحَةُ الْأَحَدِ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِلَّا هَلَكَ، إِلَّا جَارِيَةٌ مُقْعَدَةٌ يُقَالُ لَهَا الدَّرِيعَةُ، وَهِيَ كَلْبِيَّةُ ابْنَةُ السِّلْقِ، كَانَتْ كَافِرَةً شَدِيدَةَ الْعَدَاوَةِ لِصَالِحٍ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ لَهَا رِجْلَيْهَا بَعْدَمَا عَايَنَتِ الْعَذَابَ أَجْمَعَ، فَخَرَجَتْ كَأَسْرَعِ مَا يُرَى شَيْءٌ قَطُّ، حَتَّى أَتَتْ حَيًّا مِنَ الْأَحْيَاءِ، فَأَخْبَرَتْهُمْ بِمَا عَايَنَتْ مِنَ الْعَذَابِ وَمَا أَصَابَ ثَمُودَ مِنْهُ، ثُمَّ اسْتَسْقَتْ مِنَ الْمَاءِ فَسُقِيَتْ، فَلَمَّا شَرِبَتْ مَاتَتْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: أَخْبَرَنِي مَنْ، سَمِعَ الْحَسَنَ، يَقُولُ: " لَمَّا عَقَرَتْ ثَمُودُ النَّاقَةَ ذَهَبَ فَصِيلُهَا حَتَّى صَعِدَ تَلًّا، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ أُمِّي؟ ثُمَّ رَغَا رَغْوَةً، فَنَزَلَتِ الصَّيْحَةُ، فَأَخْمَدَتْهُمْ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَصْعَدَ تَلًّا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ " أَنَّ صَالِحًا، قَالَ لَهُمْ حِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ: تَمَتَّعُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ لَهُمْ: آيَةُ هَلَاكِكُمْ أَنْ
تُصْبِحَ وُجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً، ثُمَّ تُصْبِحُ الْيَوْمَ الثَّانِي مُحْمَرَّةً، ثُمَّ تُصْبِحُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مُسْوَدَّةً، فَأَصْبَحَتْ كَذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ تَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا، ثُمَّ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأَهْمَدَتْهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عَاقِرُ النَّاقَةِ لَهُمْ: لَا أَقْتُلُهَا حَتَّى تَرْضَوْا أَجْمَعِينَ.
فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي خِدْرِهَا، فَيَقُولُونَ: أَتَرْضَيْنَ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، وَالصَّبِيُّ، حَتَّى رَضُوا أَجْمَعِينَ، فَعَقَرَهَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ: «لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ، فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنَ الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، أَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ» ، قِيلَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «أَبُو رِغَالٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ»
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ» ، قَالُوا فَمَنْ أَبُو رِغَالٍ؟ قَالَ: «رَجُلٌ مِنْ ثَمُودَ كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ عَذَابَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ، فَدُفِنَ هَهُنَا، وَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ» فَنَزَلَ الْقَوْمُ فَابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، فَبَحَثُوا عَلَيْهِ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَبُو رِغَالٍ: أَبُو ثَقِيفٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَبُو رِغَالٍ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «كَانَ يُقَالُ أَنَّ أَحْمَرَ، ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، كَانَ وَلَدَ زِنْيَةٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، قَالَ: ثنا عَنْبَسَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: «أَتَيْتُ أَرْضَ ثَمُودَ، فَذَرَّعْتُ مَصْدَرَ النَّاقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِرَاعًا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْبَرَنِي
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ بِنَحْوِ هَذَا، يَعْنِي بِنَحْوِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ، قَالُوا: وَمَنْ أَبُو رِغَالٍ؟ قَالَ: «وَأَبُو ثَقِيفٍ، كَانَ فِي الْحَرَمِ لَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَهُ، مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ فَدُفِنَ هَاهُنَا وَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ» قَالَ: فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ يَبْحَثُونَ عَنْهُ حَتَّى اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الْغُصْنَ وَقَالَ الْحَسَنُ: «كَانَ لِلنَّاقَةِ يَوْمٌ وَلَهُمْ يَوْمٌ، فَأَضَرَّ بِهِمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ الَّذِي أَصَابَهُمْ» . ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وَادِي النَّفْرِ» . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: 73] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلَا تَمَسُّوا نَاقَةَ اللَّهِ بِعَقْرٍ وَلَا نَحْرٍ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 73] ، يَعْنِي: مُوجِعٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ وَاعِظًا لَهُمْ: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ [البقرة: 63] أَيُّهَا الْقَوْمُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ،
﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ [الأعراف: 69] ، يَقُولُ تَخْلُفُونَ عَادًا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
هَلَاكِهَا.
وَخُلَفَاءُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وَإِنَّمَا جَمْعُ خَلِيفَةٍ خُلَفَاءُ وَفُعَلَاءُ إِنَّمَا هِيَ جَمْعُ فَعِيلٍ، كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ، وَالْعُلَمَاءُ جَمْعُ عَلِيمٍ، وَالْحُلَمَاءُ جَمْعُ حَلِيمٍ، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْخَلِيفَةِ إِلَى الرَّجُلِ، فَكَأَنَّ وَاحِدَهُمْ خَلِيفٌ، ثُمَّ جُمِعَ خُلَفَاءُ.
فَأَمَّا لَوْ جَمَعْتَ الْخَلِيفَةَ عَلَى أَنَّهَا نَظِيرَةُ كَرِيمَةٍ وَحَلِيلَةٍ وَرَغِيبَةٍ قِيلَ خَلَائِفُ، كَمَا يُقَالُ: كَرَائِمُ وَحَلَائِلُ وَرَغَائِبُ، إِذْ كَانَتْ مِنْ صِفَاتِ الْإِنَاثِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتِ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، لِأَنَّهَا جُمِعَتْ مَرَّةً عَلَى لَفْظِهَا، وَمَرَّةً عَلَى مَعْنَاهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 74] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَأَنْزَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا مَسَاكِنَ وَأَزْوَاجًا.
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيوتًا﴾ [الأعراف: 74] ، ذُكِرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْقُبُونَ الصَّخْرَ مَسَاكِنَ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيوتًا﴾ [الأعراف: 74] : «كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي الْجِبَالِ الْبُيُوتَ» وَقَوْلُهُ: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 69] يَقُولُ: فَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 74] . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60] ، يَقُولُ: «لَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدَهِ وَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى
عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 76] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 75] ، قَالَ
الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ عَنِ اتِّبَاعِ صَالِحٍ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِهِ، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: 75] يَعْنِي: لِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مِنْ تُبَّاعِ صَالِحٍ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْهُمْ، دُونَ ذَوِي شَرَفِهِمْ وَأَهْلِ السُّؤْدَدِ مِنْهُمْ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا وَإِلَيْكُمْ؟ قَالَ الَّذِينَ آمَنُوا بِصَالِحٍ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُمْ: إِنَّا بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ صَالِحًا مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى مُؤْمِنُونَ يَقُولُ: مُصَدِّقُونَ مُقِرُّونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ دَعَانَا صَالِحٌ إِلَيْهِ.
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ صَالِحٍ: ﴿إِنَّا﴾ [البقرة: 14] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: 76] يَقُولُ: صَدَّقْتُمْ بِهِ مِنْ نُبُوَّةِ صَالِحٍ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: 45] ، يَقُولُ: جَاحِدُونَ مُنْكِرُونَ، لَا نُصَدِّقُ بِهِ وَلَا نُقِرُّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَعَقَرَتْ ثَمُودُ النَّاقَةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ آيَةً
. ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: 77] ، يَقُولُ: تَكَبَّرُوا وَتَجَبَّرُوا عَنِ اتِّبَاعِ اللَّهِ، وَاسْتَعْلَوْا عَنِ الْحَقِّ
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَعَتَوْا﴾ [الأعراف: 77] عُلُوًّا عَنِ الْحَقِّ، لَا يُبَصَّرُونَهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ: «عُلُوًّا فِي الْبَاطِلِ»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: 77] ، قَالَ: «عَتَوْا فِي الْبَاطِلِ وَتَرَكُوا الْحَقَّ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ قَالَ: «عُلُوًّا فِي الْبَاطِلِ» وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَبَّارٌ عَاتٍ: إِذَا كَانَ عَالِيًا فِي تَجَبُّرِهِ.
﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: 77] ، يَقُولُ: قَالُوا: جِئْنَا يَا صَالِحُ بِمَا تَعِدُنَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ، اسْتِعْجَالًا مِنْهُمْ لِلْعَذَابِ.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 77] ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ رَسُولًا إِلَيْنَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ.
فَعُجِّلَ ذَلِكَ لَهُمْ كَمَا اسْتَعْجَلُوهُ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 78]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَخَذَتِ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ مِنْ ثَمُودَ الرَّجْفَةُ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ، وَالرَّجْفَةُ: الْفَعْلَةُ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَجَفَ بِفُلَانٍ كَذَا يَرْجُفُ رَجْفًا، وَذَلِكَ إِذَا حَرَّكَهُ وَزَعْزَعَهُ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
[البحر البسيط]
إِمَّا تَرَيْنِي حَنَانِي الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍ ... كَالنَّسْرِ أَرْجُفُ وَالْإِنْسَانُ مَهْدُودُ
وَإِنَّمَا عَنَى بِالرَّجْفَةِ هَهُنَا: الصَّيْحَةَ الَّتِي زَعْزَعَتْهُمْ وَحَرَّكَتْهُمْ لِلْهَلَاكِ، لِأَنَّ ثَمُودَ هَلَكَتْ بِالصَّيْحَةِ فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 78] ، قَالَ: «الصَّيْحَةُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 78] : «وَهِيَ الصَّيْحَةُ»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 78] ، قَالَ: «الصَّيْحَةُ» وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 78] يَقُولُ: فَأَصْبَحَ الَّذِينَ أَهْلَكَ اللَّهُ مِنْ ثَمُودَ فِي دَارِهِمْ، يَعْنِي فِي أَرْضِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيهَا وَبَلْدَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الدَّارَ وَلَمْ يَجْمَعْهَا فَيَقُولُ (فِي دُورِهِمْ) . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الدُّورَ، وَلَكِنْ وَجَّهَ بِالْوَاحِدَةِ إِلَى الْجَمْعِ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ، وَقَوْلُهُ: ﴿جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 78] يَعْنِي: سُقُوطًا صَرْعَى لَا يَتَحَرَّكُونَ لِأَنَّهُمْ لَا أَرْوَاحَ فِيهِمْ قَدْ هَلَكُوا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْبَارِكِ عَلَى الرُّكْبَةِ: جَاثِمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [البحر الوافر] عَرَفْتُ الْمُنْتَأَى وَعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا الْقِدْرِ كَالْحِدَإِ الْجُثُومِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 78] قَالَ: «مَيِّتِينَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَدْبَرَ صَالِحٌ عَنْهُمْ حِينَ اسْتَعْجَلُوهُ الْعَذَابَ وَعَقَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ خَارِجًا عَنْ أَرْضِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْحَى إِلَيْهِ: إِنِّي مُهْلِكُهُمْ بَعْدَ
ثَلَاثَةٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ تُهْلَكْ أُمَّةٌ وَنَبِيُّهَا بَيْنَ أَظْهُرِهَا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ خُرُوجِ صَالِحٍ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ الَّذِينَ عَتَوْا عَلَى رَبِّهِمْ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ إِحْلَالَ عُقُوبَتِهِ بِهِمْ، فَقَالَ: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ صَالِحٌ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ ثَمُودَ: لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي، وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَمَرَنِي بِأَدَائِهِ إِلَيْكُمْ رَبِّي مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ فِي أَدَائِي رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فِي تَحْذِيرِكُمْ بَأْسَهُ بِإِقَامَتِكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ وَعِبَادَتِكُمُ الْأَوْثَانَ.
﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79] لَكُمْ فِي اللَّهِ، النَّاهِينَ لَكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِكُمُ، الصَّادِّينَ لَكُمْ عَنْ شَهَوَاتِ أَنْفُسِكُمْ