وَقَدِ اخْتَلَفَتِ أَلْفَاظُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ [المائدة: 111] وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الْمَعَانِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: 111] يَقُولُ: قَذَفْتُ فِي قُلُوبِهِمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَلْهَمْتُهُمْ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَإِذْ أَلْقَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ صَدِّقُوا بِي وَبِرَسُولِي عِيسَى، فَقَالُوا: آمَنَّا: أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا أَمَرْتَنَا أَنْ نُؤْمِنَ يَا رَبَّنَا.
﴿وَاشْهَدْ﴾ [المائدة: 111] عَلَيْنَا ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] ، يَقُولُ: وَاشْهَدْ عَلَيْنَا بِأَنَّنَا خَاضِعُونَ لَكَ بِالذِّلَّةِ سَامِعُونَ، مُطِيعُونَ لِأَمْرِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاذْكُرْ يَا عِيسَى أَيْضًا نِعْمَتِي عَلَيْكَ، إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي، إِذْ قَالُوا لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ:
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ فَـ (إِذْ) الثَّانِيَةُ مِنْ صِلَةِ (أَوْحَيْتُ) . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتَّاءِ، (رَبَّكَ) بِالنَّصْبِ، بِمَعْنَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ، وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْعُوَ رَبَّكَ، أَوْ هَلْ تَسْتَطِيعُ وَتَرَى أَنْ تَدْعُوهُ؟ وَقَالُوا: لَمْ يَكُنِ الْحَوَارِيُّونَ شَاكِّينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَادِرٌ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالُوا لِعِيسَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ ذَلِكَ؟
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " كَانَ الْحَوَارِيُّونَ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةً، وَلَكِنْ قَالُوا: يَا عِيسَى، هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟ "
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الثَّعْلَبِيُّ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَرَأَهَا كَذَلِكَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) ، وَقَالَ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ؟ وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ؟ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ [المائدة: 112] بِالْيَاءِ ﴿رَبُّكَ﴾ [المائدة: 112] ، بِمَعْنَى أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا رَبُّكَ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْهَضَ مَعَنَا فِي كَذَا؟ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ: أَتَنْهَضَ مَعَنَا فِيهِ؟ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ قَارِئِهِ كَذَلِكَ: هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ رَبُّكَ وَيُطِيعُكَ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا؟ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ [المائدة: 112] بِالْيَاءِ ﴿رَبُّكَ﴾ [المائدة: 112] بِرَفْعِ الرَّبِّ، بِمَعْنَى: هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ إِنْ سَأَلْتَهُ ذَلِكَ وَيُطِيعُكَ فِيهِ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ لِمَا بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {إِذْ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ} [المائدة: 112] مِنْ صِلَةِ ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾ [المائدة: 111] ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: 112] ، فَبَيِّنٌ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَرِهَ مِنْهُمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْظَمَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَمُرَاجَعَةِ الْإِيمَانِ مِنْ قِيلِهِمْ ذَلِكَ، وَالْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ مِنَ الْأَخْبَارِ.
وَقَدْ قَالَ عِيسَى لَهُمْ عِنْدَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ لَهُ اسْتِعْظَامًا مِنْهُ لِمَا قَالُوا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112] ، فَفِي اسْتِتَابَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَدُعَائِهِ لَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ قِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتِعْظَامِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَتَهُمْ، الدَّلَالَةُ الْكَافِيَةُ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى صِحَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الرَّبِّ، إِذْ كَانَ لَا مَعْنَى فِي قَوْلِهِمْ لِعِيسَى لَوْ كَانُوا قَالُوا لَهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ؟ أَنْ تُسْتَكْبَرَ هَذَا الِاسْتِكْبَارَ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ اسْتِعْظَامٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَ مَسْأَلَةَ آيَةٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا يَسْأَلُهَا الْأَنْبِيَاءَ مَنْ كَانَ بِهَا مُكَذِّبًا، لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ ثُبُوتِهَا وَصِحَّةُ أَمْرِهَا، كَمَا كَانَتْ مَسْأَلَةُ قُرَيْشٍ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحَوِّلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَيُفَجِّرَ فِجَاجَ مَكَّةَ أَنْهَارًا مَنْ سَأَلَهُ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ، وَكَمَا كَانَتْ مَسْأَلَةُ صَالِحٍ النَّاقَةَ مِنْ مُكَذِّبِي قَوْمِهِ، وَمَسْأَلَةُ شُعَيْبٍ أَنْ يُسْقِطَ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ كُفَّارِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
وَكَانَ الَّذِينَ سَأَلُوا عِيسَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَائِدَةً مِنَ
السَّمَاءِ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَتْ مَسْأَلَتُهُمْ، فَقَدْ أَحَلَّهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالتَّاءِ وَنَصْبِ الرَّبِّ مَحِلًّا أَعْظَمَ مِنَ الْمَحِلِّ الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُمْ نَزَّهُوا رَبَّهُمْ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُوا سَأَلُوا ذَلِكَ عِيسَى وَهُمْ مُوقِنُونَ بِأَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا سَأَلُوا مِنْ ذَلِكَ قَادِرٌ.
فَإِنْ كَانُوا سَأَلُوا ذَلِكَ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَسْأَلَتُهُمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ نَبِيَّهُ، إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَبَّهُ أَنْ يُغْنِيَهُ، وَإِنْ عَرَضَتْ بِهِ حَاجَةٌ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَبَّهُ أَنْ يَقْضِيَهَا، فَأَنَّى ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْآيَةِ فِي شَيْءٍ؟ بَلْ ذَلِكَ سُؤَالُ ذِي حَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ إِلَى رَبِّهِ، فَسَأَلَ نَبِيَّهُ مَسْأَلَةَ رَبِّهِ أَنْ يَقْضِيَهَا لَهُ.
وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْقَوْمِ يُنْبِئُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِعِيسَى، إِذْ قَالَ لَهُمُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: 113] ، فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا مِنْ قِيلِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى قَدْ صَدَقَهُمْ، وَلَا اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ، فَلَا بَيَانَ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مَرَضٌ وَشَكٌّ فِي دِينِهِمْ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا مَا سَأَلُوا مِنْ ذَلِكَ اخْتِبَارًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْأَلُوهُ فَيُعْطِيَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ؟ فَإِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ، فَفَعَلُوا ثُمَّ قَالُوا: يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ، قُلْتَ لَنَا: إِنَّ أَجْرَ الْعَامِلِ عَلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ، وَأَمَرْتَنَا أَنْ نَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأَحَدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَطْعَمَنَا حِينَ نَفْرُغَ طَعَامًا، فَ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ﴾ [المائدة: 112] عِيسَى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 113] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] ، قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطِيرُ بِمَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَحْوَاتٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112] ، قَالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إِنْ سَأَلْتَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا جَمِيعُ الطَّعَامِ إِلَّا اللَّحْمَ، فَأَكَلُوا مِنْهَا "
وَأَمَّا الْمَائِدَةُ فَإِنَّهَا الْفَاعِلَةُ، مِنْ مَادَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَمِيدُهُمْ مَيْدًا: إِذَا أَطْعَمَهُمْ وَمَارَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
[البحر الرجز]
نُهْدِي رُءُوسَ الْمُتْرَفِينَ الْأَنْدَادْ ... إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُمْتَادِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: الْمُمْتَادِ: الْمُسْتَعْطِي، فَالْمَائِدَةُ الْمُطْعِمَةُ سُمِّيَتِ (الْخِوَانِ) بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُطْعِمُ الْآكِلَ مِمَّا عَلَيْهَا.
وَالْمَائِدُ: الْمُدَارُ بِهِ فِي الْبَحْرِ، يُقَالُ: مَادَ يَمِيدُ مَيْدًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 112] ، فَإِنَّهُ يَعْنِي: قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ الْقَائِلِينَ لَهُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112] : رَاقِبُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَخَافُوا أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةٌ عَلَى قَوْلِكُمْ هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَفِي شَكِّكُمْ فِي
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِنْزَالِ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ كُفْرٌ بِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ يُنَزِّلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَلَى مَا أَتَوَعَّدَكُمْ بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112] .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ مُجِيبِي عِيسَى عَلَى قَوْلِهِ لَهُمْ: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِكُمْ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ:
إِنَّا إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ وَسَأَلْنَاكَ أَنْ تَسْأَلَ لَنَا رَبَّنَا لِنَأْكُلَ مِنَ الْمَائِدَةِ، فَنَعْلَمَ يَقِينًا قُدْرَتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا،
يَقُولُ: وَتَسْكُنَ قُلُوبُنَا وَتَسْتَقِرَّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ مَا شَاءَ وَأَرَادَ، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا، وَنَعْلَمَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْنَا فِي خَبَرِكَ أَنَّكَ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ، وَنَبِيُّ مَبْعُوثٌ وَنَكُونَ عَلَيْهَا، يَقُولُ: وَنَكُونَ عَلَى الْمَائِدَةِ، مِنَ الشَّاهِدِينَ يَقُولُ: مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حُجَّةً لِنَفْسِهِ عَلَيْنَا فِي تَوْحِيدِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا شَاءَ، وَلَكَ عَلَى صِدْقِكَ فِي نُبُوَّتِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ نَبِيِّهِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَجَابَ الْقَوْمَ إِلَى مَا سَأَلُوهُ مِنْ مَسْأَلَةِ رَبِّهِ مَائِدَةً
تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] يَقُولُ: «نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] ، قَالَ: «أَرَادُوا أَنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا﴾ [المائدة: 114] قَالَ: الَّذِينَ هُمْ أَحْيَاءُ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، ﴿وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمْ
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة: 114] قَالُوا: نُصَلِّي فِيهِ، نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: نَأْكُلُ مِنْهَا جَمِيعًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلَ مِنْهَا يَعْنِي مِنَ الْمَائِدَةِ حِينَ وُضِعَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ مِنْهَا أَوَّلُهُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عِيدًا﴾ [المائدة: 114] : عَائِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا حُجَّةً وَبُرْهَانًا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: تَكُونُ لَنَا عِيدًا، نَعْبُدُ رَبَّنَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ وَنُصَلِّي لَهُ فِيهِ، كَمَا يُعَيِّدُ النَّاسُ فِي أَعْيَادِهِمْ.
لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهُمْ فِي الْعِيدِ مَا ذَكَرْنَا دُونَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: عَائِدَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَتَوْجِيهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ مَنْ خُوطِبَ بِهِ
أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْمَجْهُولِ مِنْهُ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ السَّبِيلُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] ، فَإِنَّ الْأُولَى مِنْ تَأْوِيلِهِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُهُ لِلْأَحْيَاءِ مِنَّا الْيَوْمَ وَمَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا مِنَّا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة: 114] ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ مَعْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: 114] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَعَلَامَةً وَحُجَّةً مِنْكَ يَا رَبِّ عَلَى عِبَادِكَ فِي وَحْدَانِيَّتِكَ، وَفِي صِدْقِي عَلَى أَنِّي رَسُولٌ إِلَيْهِمْ بِمَا أَرْسَلْتَنِي بِهِ.
﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: 114] : وَأَعْطِنَا مِنْ عَطَائِكَ، فَإِنَّكَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ يُعْطِي، وَأَجْوَدُ مَنْ تَفَضَّلَ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَطَاءَهُ مَنٌّ وَلَا نَكَدٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَائِدَةِ، هَلْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا؟ وَمَا كَانَتْ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ وَكَانَتْ حُوتًا وَطَعَامًا، فَأَكَلَ الْقَوْمُ مِنْهَا، وَلَكِنَّهَا رُفِعَتْ بَعْدَمَا نَزَلَتْ بِأَحْدَاثٍ مِنْهُمْ أَحْدَثُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: «نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا»
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: «الْمَائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيهَا طَعْمُ كُلِّ طَعَامٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: "
الْمَائِدَةُ: سَمَكٌ فِيهِ مِنْ طَعْمِ كُلِّ طَعَامٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: «نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَسَمَكًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ خِوَانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وَسَمَكٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْنَمَا نَزَلُوا إِذَا شَاءُوا»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ [المائدة: 114] قَالَ: «نَزَّلَ عَلَيْهِمْ قِرَصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَأَحْوَاتٍ»
قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ مَعْقِلٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا، وَقِيلَ لَهُ: وَمَا كَانَ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْهُمْ؟ فَقَالَ: لَا شَيْءَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَثَا بَيْنَ أَضْعَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ، فَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، وَيَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ، حَتَّى أَكَلُوا جَمِيعُهُمْ وَأَفْضَلُوا
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «هُوَ الطَّعَامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112] قَالَ: «مَائِدَةً عَلَيْهَا طَعَامٌ أَبَوْهَا حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ الْمَائِدَةَ، نَزَلَتْ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا مَا شَاءُوا.
قَالَ: فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا، وَقَالَ: لَعَلَّهَا لَا تَنْزِلُ غَدًا فَرُفِعَتْ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي عَجِلٍ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَ شَأْنُ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا.
قَالَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَائِدَةً يَكُونُ عَلَيْهَا طَعَامٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ لَا يَنْفَدُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُمْ: فَإِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تُخَبِّئُوا أَوْ تَخُونُوا أَوْ تَرْفَعُوا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
قَالَ: فَمَا تَمَّ يَوْمُهُمْ حَتَّى خَبَّئُوا وَرَفَعُوا وَخَانُوا، فَعُذِّبُوا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.
وَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَعْرِفُونَ حَسَبَهُ وَنَسَبَهُ، وَأَخْبَرَكُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ أَنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَى الْعَرَبِ، وَنَهَاكُمْ أَنْ تَكْنِزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تَكْنِزُوهُمَا وَيُعَذِّبُكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: ثنا نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَائِدَةِ قَالَ: «كَانَتْ طَعَامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ حَيْثُمَا نَزَلُوا»
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: " نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ، وَعَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَأُمِرُوا أَنْ لَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا.
قَالَ: فَخَانَ الْقَوْمُ وَخَبَّئُوا وَادَّخَرُوا، فَحَوَّلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ مَائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْهَا الثَّمَرُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يُخَبِّئُوا وَلَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلَاءٌ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَكَانُوا إِذَا فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْبَأَهُمْ بِهِ عِيسَى، فَخَانَ الْقَوْمُ فِيهِ فَخَبَّئُوا وَادَّخَرُوا لِغَدٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ: «كَانَتْ إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، اخْتَلَفَتْ عَلَيْهَا الْأَيْدِي بِكُلِّ طَعَامٍ»