تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 117-131

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِعَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

صفحات 117-131
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ , قَالَ: سَمِعْتُ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ , سَعِيدٍ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: كُلْ وَإِنْ أَكَلَ ثُلُثَيْهِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ شُعْبَةَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ سَعْدٍ , قَالَ: «كُلْ وَإِنْ أَكَلَ نِصْفَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثني عَبْدُ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا دَاوُدُ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَكَلَ مِنْهُ , فَإِنْ أَكَلَ ثُلُثَيْهِ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَكُلْ» . حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , بِنَحْوِهِ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثني سَالِمُ بْنُ نُوحٍ الْعَطَّارُ , عَنْ عُمَرَ يَعْنِي ابْنَ عَامِرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ سَلْمَانَ , قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ , فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ ثُلُثَيْهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ , ح وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا عَبْدَةُ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ , أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ» حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ , أَنَّ نَافِعًا , حَدَّثَهُمْ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى بِأَكْلِ الصَّيْدِ بَأْسًا , إِذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ أَكَلَ مِنْهُ " حَدَّثَنِي يُونُسُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى , فَقَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: ثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ , أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِمَا أَكَلَ الْكَلْبُ الضَّارِي»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ , عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ سَعْدٍ , قَالَ: قُلْتُ: لَنَا كِلَابٌ ضَوَارٍ يَأْكُلْنَ وَيُبْقِينَ؟ قَالَ: «كُلْ وَإِنْ لَمْ يُبْقِ إِلَّا بَضْعَةً» حَدَثنا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ , عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ , عَنْ حُمَيْدٍ , قَالَ: سَأَلْتُ سَعْدًا , فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 4] أَنَّ التَّعْلِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْجَوَارِحِ , إِنَّمَا هُوَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ جَارِحَهُ الِاسْتِشْلَاءَ إِذَا أُشْلِيَ عَلَى الصَّيْدِ , وَطَلَبَهُ إِيَّاهُ إِذَا أُغْرِيَ , أَوْ إِمْسَاكَهُ عَلَيْهِ إِذَا أَخَذَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا , وَأَلَّا يَفِرَّ مِنْهُ إِذَا أَرَادَهُ , وَأَنْ يُجِيبَهُ إِذَا دَعَاهُ , فَذَلِكَ هُوَ تَعْلِيمُ جَمِيعِ الْجَوَارِحِ طَيْرِهَا وَبَهَائِمِهَا.
وَإِنْ أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ جَارِحَةُ صَائِدٍ , فَجَارِحُهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُعَلَّمٍ.
فَإِنْ أَدْرَكَ صَاحِبُهُ حَيًّا فَذَكَّاهُ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ , وَإِنْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا لَمْ يَحِلَّ

لَهُ , لِأَنَّهُ مِمَّا أَكَلَهُ السَّبُعُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: 3] وَلَمْ يُدْرَكْ ذَكَاتُهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا

حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ , أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّيْدِ , فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهُ عَلَيْهِ , فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ وَقَدْ قَتَلَ وَأَكَلَ مِنْهُ , فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا , فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , وَأَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ , قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ , قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ؟ فَقَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا , فَكُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَإِنْ قَتَلْنَ , إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ , فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ , فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا حَبَسَهُ عَلَى نَفْسِهِ»

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا: حَدَّثَكَ بِهِ , عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ , قَالَ:

ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ , عَنْ أَبِي إِيَاسَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ , فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ» قِيلَ: هَذَا خَبَرٌ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ سَعِيدًا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ سَلْمَانَ , وَالثِّقَاتُ مِنْ أَهْلِ الْآثَارِ يَقِفُونَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَلْمَانَ وَيَرْوُونَهُ عَنْهُ مِنْ قِبَلِهِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ إِذَا تَتَابَعُوا عَلَى نَقْلِ شَيْءٍ بِصِفَةٍ فَخَالَفَهُمْ وَاحِدٌ مُنْفَرِدٌ لَيْسَ لَهُ حِفْظُهُمْ , كَانَتِ الْجَمَاعَةُ الْأَثْبَاتُ أَحَقَّ بِصِحَّةِ مَا نَقَلُوا مِنَ الْفَرْدِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ حِفْظُهُمْ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الْكَلْبِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ فَغَيْرُ مُعَلَّمٍ , فَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ جَارِحَةٍ فِي أَنَّ مَا أَكَلَ مِنْهَا مِنَ الصَّيْدِ فَغَيْرُ مُعَلَّمٍ , لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ صَيْدِهِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] فَكُلُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّا أَمْسَكَتْ عَلَيْكُمْ جَوَارِحُكُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْعُمُومِ كَمَا عَمَّمَهُ اللَّهُ حَلَالٌ أَكْلُ كُلِّ مَا أَمْسَكَتْ عَلَيْنَا الْكِلَابُ وَالْجَوَارِحُ

الْمُعَلَّمَةُ مِنَ الصَّيْدِ الْحَلَالِ أَكْلُهُ , أَكَلَ مِنْهُ الْجَارِحُ وَالْكِلَابُ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ

مِنْهُ , أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ فَذُكِّيَ أَوْ لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ حَتَّى قَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ , بِجَرْحِهَا إِيَّاهُ أَوْ بِغَيْرِ جَرْحٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الَّذِينَ قَالُوا: تَعْلِيمُ الْجَوَارِحِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ صَيْدُهَا أَنْ تُعَلَّمَ الِاسْتِشْلَاءَ عَلَى الصَّيْدِ وَطَلَبَهُ إِذَا أُشْلِيَتْ عَلَيْهِ وَأَخْذَهُ , وَتَرْكَ الْهَرَبِ مِنْ صَاحِبِهَا دُونَ تَرْكِ الْأَكْلِ مِنْ صَيْدِهَا إِذَا صَادَتْهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدِهَا الْوَارِدَةِ آنِفًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ , قَالُوا: وَمَعْنَاهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ مِنَ الصَّيْدِ جَمِيعِهِ دُونَ بَعْضِهِ.
قَالُوا: فَإِنْ أَكَلَتِ الْجَوَارِحُ مِنْهُ بَعْضًا وَأَمْسَكَتْ بَعْضًا , فَالَّذِي أَمْسَكَتْ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَكْلُهُ وَقَدْ أَكَلَتْ بَعْضَهُ لِأَنَّهَا إِنَّمَا أَمْسَكَتْ مَا أَمْسَكَتْ مِنْ ذَلِكَ الصَّيْدِ بَعْدَ الَّذِي أَكَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِهَا لَا عَلَيْنَا , وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَبَاحَ لَنَا كُلَّ مَا أَمْسَكَتْهُ جَوَارِحَنَا الْمُعَلَّمَةُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] دُونَ مَا أَمْسَكَتْهُ عَلَى أَنْفُسِهَا , وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَعْلِيمُ الْجَوَارِحِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ صَيْدُهَا , أَنْ تَسْتَشْلِيَ لِلصَّيْدِ إِذَا أُشْلِيَتْ فَتَطْلُبَهُ وَتَأْخُذَهُ , فَتُمْسِكَهُ عَلَى صَاحِبِهَا فَلَا تَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا , وَلَا تَفِرَّ مِنْ صَاحِبِهَا؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ , وَنَذْكُرُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً آخَرِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] يَقُولُ: " كُلُوا

مِمَّا قَتَلْنَ.
قَالَ عَلِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنْ قَتَلَ وَأَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ , وَإِنْ أَمْسَكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَذَكِّهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: «إِنْ أَكَلَ الْمُعَلَّمُ مِنَ الْكِلَابِ مِنْ صَيْدِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ فَيُدْرِكَ ذَكَاتَهُ , فَلَا يَأْكُلْ مِنْ صَيْدِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] إِذَا صَادَ الْكَلْبُ فَأَمْسَكَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ , فَهُوَ حِلٌّ , فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ , فَيُقَالَ: إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ , فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا , إِنَّهُ لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 4] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ أَوْ طَيْرَكَ أَوْ سَهْمَكَ , فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ , فَأَخَذَ أَوْ قَتَلَ , فَكُلْ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ تُرْسِلَهُ فَأَمْسَكَ أَوْ قَتَلَ فَهُوَ حَلَالٌ , فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْهُ , فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَدِيٍّ , قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] قَالَ: " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّ أَرْضِي أَرْضُ صَيْدٍ؟ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ , وَإِنْ قَتَلَ , فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» وَقَدْ بَيَّنَّا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَبْلُ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ وَتَكْرَارِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا صَيْدَ جَوَارِحِنَا الْحَلَالِ , وَمَنْ إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ مُبَعِّضَةً لِمَا دَخَلَتْ فِيهِ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ فِي مَعْنَى دُخُولِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ , فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ حِينَ دَخَلَتْ مِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِغَيْرِ مَعْنًى , كَمَا تُدْخِلُهُ الْعَرَبُ فِي قَوْلِهُمْ: كَانَ مِنْ مَطَرٍ , وَكَانَ مِنْ حَدِيثٍ.
قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] قَالَ: " وَهُوَ فِيمَا فُسِّرَ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ جِبَالًا فِيهَا بَرَدٌ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] أَيْ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَدٍ , بِجَعْلِ الْجِبَالِ مِنْ بَرَدٍ فِي السَّمَاءِ , وَبِجَعْلِ الْإِنْزَالِ مِنْهَا.
وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَمْ تَدْخُلْ مِنْ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَلَا يَصْلُحُ إِلَّا بِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى التَّبْعِيضِ.
وَكَانَ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ , وَكَانَ مِنْ حَدِيثٍ: هَلْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ مَطَرَ عِنْدَكُمْ , وَهَلْ مِنْ حَدِيثٍ حُدِّثَ عِنْدَكُمْ.
ويَقُولُ: مَعْنَى ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتُكُمْ﴾ [البقرة: 271] أَيْ وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتُكُمْ مَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ , وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] فَيُجِيزُ حَذْفَ مِنْ مَنْ ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: 43] وَلَا يُجِيزُ حَذْفَهَا مِنَ الْجِبَالِ , وَيَتَأَوَّلُ مَعْنَى ذَلِكَ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ أَمْثَالَ جِبَالِ بَرَدٍ , ثُمَّ أُدْخِلَتْ مِنْ فِي الْبَرَدِ , لِأَنَّ الْبَرَدَ مُفَسَّرٌ عِنْدَهُ عَنِ الْأَمْثَالِ: أَعْنِي: أَمْثَالَ الْجِبَالِ , وَقَدْ أُقِيمَتِ الْجِبَالُ مَقَامَ الْأَمْثَالِ وَالْجِبَالِ وَهِيَ جِبَالُ بَرَدٍ , فَلَا يُجِيزُ حَذْفَ مِنْ مِنَ الْجِبَالِ , لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ فِي السَّمَاءِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْهُ الْبَرْدُ أَمْثَالُ جِبَالِ بَرَدٍ , وَأَجَازَ حَذْفَ مِنْ مِنَ الْبَرَدِ , لِأَنَّ الْبَرَدَ مُفَسَّرٌ عَنِ الْأَمْثَالِ , كَمَا تَقُولُ: عِنْدِي رَطْلَانِ زَيْتًا , وَعِنْدِي رَطْلَانِ مِنْ زَيْتٍ ,

وَلَيْسَ عِنْدَكَ الرَّطْلُ وَإِنَّمَا عِنْدَكَ الْمِقْدَارُ , فَمِنْ تَدْخُلُ فِي الْمُفَسَّرُ وَتَخْرُجُ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: مِنَ السَّمَاءِ , مِنْ أَمْثَالِ جِبَالٍ , وَلَيْسَ بِجِبَالٍ.
وَقَالَ: وَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ جِبَالٍ فِي السَّمَاءِ مِنْ بَرَدٍ جِبَالًا , ثُمَّ حَذَفَ الْجِبَالَ الثَّانِيَةَ وَالْجِبَالَ الْأَوَّلَ فِي السَّمَاءِ جَازَ , تَقُولُ: أَكَلْتُ مِنَ الطَّعَامِ , تُرِيدُ: أَكَلْتُ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا , ثُمَّ تَحْذِفُ الطَّعَامَ وَلَا تُسْقِطُ مِنْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ , أَنَّ مَنْ لَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ , وَقَدْ يَجُوزُ حَذْفُهَا فِي بَعْضِ الْكَلَامِ وَبِالْكَلَامِ إِلَيْهَا حَاجَةٌ لِدَلَالَةِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا , فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْكَلَامِ لِغَيْرِ مَعْنًى أَفَادَتْهُ بُدُخُولِهَا , فَذَلِكَ قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيمَا صَحَّ مِنَ الْكَلَامِ.
وَمَعْنَى دُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] لِلتَّبْعِيضِ إِذْ كَانَتِ الْجَوَارِحُ تُمْسِكُ عَلَى أَصْحَابِهَا مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ لُحُومَهُ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فَرْثَهُ وَدَمَهُ , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] جَوَارِحُكُمُ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَحْلَلْتُ لَكُمْ مِنْ لُحُومِهَا دُونَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ خَبَائِثِهِ مِنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ أُطَيِّبْهُ لَكُمْ , فَذَلِكَ مَعْنَى دُخُولِ مِنْ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271] فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ دُخُولِهَا فِيهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا دُخُولُهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ﴾ [النور: 43] فَسَنُبَيِّنُهُ إِذَا

أَتَيْنَا عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 4] عَلَى مَا أَمْسَكَتْ عَلَيْكُمْ جَوَارِحُكُمْ مِنَ الصَّيْدِ.
كَمَا:

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] يَقُولُ: " إِذَا أَرْسَلْتَ جَارِحَكَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ , وَإِنْ نَسِيتَ فَلَا حَرَجَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَهُ فَسَمِّ عَلَيْهِ حِينَ تُرْسِلُهُ عَلَى الصَّيْدِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: 4] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , فَاحْذَرُوهُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُقْدِمُوا عَلَى خِلَافِهِ , وَأَنْ تَأْكُلُوا مِنْ صَيْدِ الْجَوَارِحِ غَيْرِ الْمُعَلَّمَةِ أَوْ مِمَّا لَمْ تُمْسِكْ عَلَيْكُمْ مِنْ صَيْدِهَا وَأَمْسَكَتْهُ عَلَى أَنْفُسِهَا

, أَوْ تَطْعَمُوا مَا لَمْ يُسَمِّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ

مِمَّا صَادَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ وَعَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَمَنْ لَمْ يُوَحِّدِ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ , أَوْ ذَبَحُوهُ , فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوهُ.
ثُمَّ خَوَّفَهُمْ إِنْ هُمْ فَعَلُوا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِهِ فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَرِيعٌ حِسَابُهُ لِمَنْ حَاسَبَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ مِنْكُمْ وَشَكَرَ الشَّاكِرُ مِنْكُمْ رَبَّهُ , عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى , لِأَنَّهُ حَافِظٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ فِيكُمْ فَيُحِيطُ بِهِ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ , فَيُجَازِي الْمُطِيعَ مِنْكُمْ بِطَاعَتِهِ وَالْعَاصِي بِمَعْصِيَتِهِ , وَقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ جَزَاءَ الْفَرِيقَيْنِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانَ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 5] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 5] الْيَوْمَ أَحِلَّ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْحَلَالُ مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْمَطَاعِمِ , دُونَ الْخَبَائِثِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] وَذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ , وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمْ , فَدَانُوا بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] يَقُولُ: " حَلَالٌ لَكُمْ أَكْلُهُ دُونَ ذَبَائِحِ سَائِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ , فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ

مِنْهُمْ مِمَّنْ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَدَانَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ , فَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ ذَبَائِحُهُمْ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 5] مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ ذَبِيحَةَ كُلِّ كِتَابِيٍّ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ , أَوْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي مِلَّتِهِمْ فَدَانَ دِينَهُمْ وَحَرَّمَ مَا حَرَّمُوا وَحَلَّلَ مَا حَلَّلُوا مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ , قَالَ: ثنا خُصَيْفٌ , قَالَ: ثنا عِكْرِمَةُ , قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ , فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: 51] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] الْآيَةُ " حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَثْمَةَ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ

الْحَسَنِ , وَعِكْرِمَةَ: أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِذَبَائِحِ نَصَارَى بَنَي تَغْلِبَ وَبِتَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ , وَيَتْلُوَانِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ الْحَسَنِ , وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِذَبَائِحِ نَصَارَى بَنَي تَغْلِبَ , وَقَرَأَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] "

حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ , وَابْنُ الْمُثَنَّى , قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ: ثني ابْنُ شِهَابٍ عَنْ ذَبِيحَةِ نَصَارَى الْعَرَبِ , قَالَ: «تُؤْكَلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ فِي الدِّينِ أَهْلُ كِتَابٍ , وَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ»

جارٍ التحميل