الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 157]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] هَؤُلَاءِ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ وَنَعَتَهُمْ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي لَهُمْ صَلَوَاتٌ يَعْنِي مَغْفِرَةً.
وَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ:
غُفْرَانُهُ لِعِبَادِهِ، كَالَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» يَعْنِي اغْفِرْ لَهُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّلَاةَ وَمَا أَصْلَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] يَعْنِي وَلَهُمْ مَعَ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي بِهَا صَفْحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ وَتَغَمَّدَهَا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَأْفَةٌ , ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَعَ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُعْطِيهِمْ عَلَى اصْطِبَارِهِمْ عَلَى مِحَنِهِ تَسْلِيمًا مِنْهُمْ لِقَضَائِهِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الْمُصِيبُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْقَائِلُونَ مَا يَرْضَى عَنْهُمْ
وَالْفَاعِلُونَ مَا اسْتَوْجَبُوا بِهِ مِنَ اللَّهِ الْجَزِيلَ مِنَ الثَّوَابِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاهْتِدَاءِ فِيمَا مَضَى فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ بِالصَّوَابِ.
وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157] " قَالَ: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَرَجَعَ وَاسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ، وَتَحْقِيقُ سَبِيلِ الْهُدَى.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] يَقُولُ «الصَّلَوَاتُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى الَّذِينَ صَبَرُوا، وَاسْتَرْجَعُوا»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ الْعُصْفُرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ " مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مَا أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] وَلَوْ أُعْطِيَهَا أَحَدٌ لَأُعْطِيَهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 84]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَّوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُُ عَلِيمُُ﴾ [البقرة: 158] " وَالصَّفَا: جَمْعُ صَفَاةٍ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الْمَلْسَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ: [البحر الوافر] أَبَى لِي ذُو الْقُوَى وَالطَّوْلِ أَلَّا ... يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي
وَقَدْ قَالُوا إِنَّ الصَّفَا وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ يُثَنَّى صَفَوَانِ، وَيُجْمَعُ أَصْفَاءُ، وَصُفِيًّا، وَصِفِيًّا؛ وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ
وَقَالُوا: هُوَ نَظِيرُ عَصًا وَعُصِيٍّ وَرَحَا وَرُحِيٍّ وَأَرْحَاءٍ.
وَأَمَّا الْمَرْوَةُ فَإِنَّهَا الْحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ يُجْمَعُ قَلِيلُهَا مَرْوَاتٍ، وَكَثِيرُهَا الْمَرْوُ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرٌ.
قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:
[البحر الرمل]
وَتَرَى بِالْأَرْضِ خُفًّا زَائِلًا ... فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَحْ
يَعْنِي بِالْمَرْوِ: الصَّخْرَ الصِّغَارَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ:
[البحر الكامل]
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا الْمُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
وَيُقَالُ «الْمُشَقَّرُ» . وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ} [البقرة: 158] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْجَبَلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي حَرَمِهِ دُونَ سَائِرِ الصَّفَا وَالْمَرْوِ؛ وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، لِيَعْلَمَ عِبَادُهُ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَصْفَاءِ وَالْمَرْوِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ مَعَالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ مُعَلِّمًا وَمُشْعِرًا يَعْبُدُونَهُ عِنْدَهَا، إِمَّا بِالدُّعَاءِ، وَإِمَّا بِالذِّكْرِ وَإِمَّا بِأَدَاءِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ عِنْدَهَا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: [البحر الطويل] نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ ... شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي الشَّعَائِرِ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] قَالَ: مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ فَكَأَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَرَى أَنَّ الشَّعَائِرَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِشْعَارِ اللَّهِ عِبَادَهُ أَمْرَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ وَمَا عَلَيْهِمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا، فَمَعْنَاهُ إِعْلَامُهُمْ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ مِنَ الْمَفْهُومِ بَعِيدٌ.
وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158] عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ الَّتِي سَنَّهَا لَهُمْ، وَأَمَرَ بِهَا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ.
فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ بِهِ وَسَنَّهُ لِمَنْ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَمَرَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ