سُورَةُ الْجِنِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا تَكْذِيبَ اللَّهِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ لِلَّهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْكُفْرِ كَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّ إِبْلِيسَ صَادِقٌ فِيمَا يَدْعُو بَنِي آدَمَ إِلَيْهِ مِنْ صُنُوفِ الْكُفْرِ؛ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ أَيْقَنُوا أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: 4] فَسَمَّوْهُ سَفِيهًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ [الجن: 6] يَسْتَجِيرُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فِي أَسْفَارِهِمْ إِذَا نَزَلُوا مَنَازِلَهُمْ.
وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا، كَالَّذِي: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] قَالَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَبِيتُ أَحَدُهُمْ بِالْوَادِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ إِثْمًا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا نَزَلَ الْوَادِي فَبَاتَ بِهِ، قَالَ: أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ كَانُوا إِذَا نَزَلُوا الْوَادِي قَالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ، فَتَقُولُ الْجِنُّ: مَا نَمْلِكُ لَكُمْ وَلَا
لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُوا بِالْوَادِي قَالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي، فَيَقُولُ الْجِنِّيُّونَ: تَتَعَوَّذُونَ بِنَا وَلَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا هَبَطُوا وَادِيًا: نَعُوذُ بِعُظَمَاءِ هَذَا الْوَادِي
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا نَزَلُوا بِوَادٍ قَالُوا: نَعُوذُ بِأَعَزِّ أَهْلِ هَذَا الْمَكَانِ؛ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] أَيْ إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا يَقُولُونَ: نَعُوذُ بِأَعَزِّ أَهْلِ هَذَا الْمَكَانِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 6] قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: فُلَانٌ مِنَ الْجِنِّ رَبُّ هَذَا الْوَادِي، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ الْوَادِي يَعُوذُ بِرَبِّ الْوَادِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَالَ: فَيَزِيدُهُ بِذَلِكَ رَهَقًا، وَهُوَ الْفَرَقُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلَ بِوَادٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ قَالَ: إِنِّي أَعُوذُ بِكَبِيرِ هَذَا الْوَادِي.
فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ عَاذُوا بِاللَّهِ وَتَرَكُوهُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَزَادَ الْإِنْسُ بِالْجِنِّ بِاسْتِعَاذَتِهِمْ بِعَزِيزِهِمْ، جَرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَازْدَادُوا بِذَلِكَ إِثْمًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] فَزَادَهُمْ ذَلِكَ إِثْمًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] أَيْ إِثْمًا، وَازْدَادَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ جَرَاءَةً
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] يَقُولُ: خَطِيئَةً
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ: فَيَزْدَادُونَ عَلَيْهِمْ جَرَاءَةً
قَالَ ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ: ازْدَادُوا عَلَيْهِمْ جَرَاءَةً وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ زَادُوا بِذَلِكَ طُغْيَانًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ: زَادَ الْكُفَّارُ طُغْيَانًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ فَزَادُوهُمْ فَرَقًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ: فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ رَهَقًا، وَهُوَ الْفَرَقُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6] قَالَ: زَادَهُمُ الْجِنُّ خَوْفًا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَزَادَ الْإِنْسَ الْجِنُّ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ إِثْمًا، وَذَلِكَ زَادُوهُمْ بِهِ اسْتِحْلَالًا لِمَحَارِمِ اللَّهِ.
وَالرَّهَقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْإِثْمُ وَغَشَيَانُ الْمَحَارِمِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
[البحر البسيط]
لَا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِهَا ... هَلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ مَا لَمْ يُصِبْ رَهَقًا
يَقُولُ: مَا لَمْ يَغْشَ مَحْرَمًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرٍ مِنَ الْجِنِّ ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 7] يَعْنِي أَنَّ الرِّجَالَ مِنَ الْجِنِّ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الرِّجَالُ مِنَ
الْإِنْسِ ﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: 7] رَسُولًا إِلَى خَلْقِهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ [الجن: 7] ظَنَّ كُفَّارِ الْجِنِّ كَمَا ظَنَّ كَفَرَةُ الْإِنْسِ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: 8] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرٍ: وَأَنَّا طَلَبْنَا السَّمَاءَ وَأَرَدْنَاهَا ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾ [الجن: 8] يَقُولُ: فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا يَعْنِي حَفَظَةً ﴿وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8] وَهِيَ جَمْعُ شِهَابٍ، وَهِيَ النُّجُومُ الَّتِي كَانَتْ تُرْجَمُ بِهَا الشَّيَاطِينُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَتِ الْجِنُّ تَسْتَمِعُ، فَلَمَّا رُجِمُوا قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاءِ لِشَيْءٍ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ؛ قَالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ حَتَّى رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجًا مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْفَجْرَ، فَذَهَبُوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شَهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا﴾ [الجن: 9] مَعْشَرَ الْجِنِّ
نَقْعُدُ مِنَ السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لَنَسْمَعَ مَا يَحْدُثُ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ [الجن: 9] فِيهَا مِنَّا ﴿يَجِدْ لَهُ شَهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9] يَعْنِي: شِهَابَ نَارٍ قَدْ رُصِدَ لَهُ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: 8] إِلَى قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شَهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9] كَانَتِ الْجِنُّ تَسْمَعُ سَمْعَ السَّمَاءِ؛ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، حُرِسَتِ السَّمَاءُ، وَمُنِعُوا ذَلِكَ، فَتَفَقَّدَتِ الْجِنُّ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهَا وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَشْرَافَ الْجِنِّ كَانُوا بِنَصِيبِينَ، فَطَلَبُوا ذَلِكَ، وَضَرَبُوا لَهُ حَتَّى سَقَطُوا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُو يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ عَامِدًا إِلَى عُكَاظٍ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: 8] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شَهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9] فَلَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَى إِبْلِيسَ، فَقَالُوا: مُنِعَ مِنَّا السَّمْعَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُحْرَسْ قَطُّ إِلَّا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِعَذَابٍ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُنْزِلَهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَغْتَةً، وَإِمَّا نَبِيٍّ مُرْشِدٍ مُصْلِحٍ؛ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رُشْدًا﴾ [الجن: 10]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رُشْدًا﴾ [الجن: 10] يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ مِنَ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي﴾ [الجن: 10] أَعَذَابًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْزِلَهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ، بِمَنْعِهِ إِيَّانَا السَّمْعَ مِنَ السَّمَاءِ وَرَجْمِهِ مَنِ اسْتَمَعَ مِنَّا فِيهَا بِالشُّهُبِ ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رُشْدًا﴾ [الجن: 10] يَقُولُ: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمُ﴾ [الجن: 10] الْهُدَى بِأَنْ يَبْعَثَ مِنْهُمْ رَسُولًا مُرْشِدًا يُرْشِدُهُمْ إِلَى الْحَقِّ.
وَهَذَا التَّأْوِيلِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَبْلُ.
وَذُكِرَ عَنِ الْكَلْبِيِّ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رُشْدًا﴾ [الجن: 10] أَنْ يُطِيعُوا هَذَا الرَّسُولَ فَيُرْشِدَهُمْ أَوْ يَعْصُوهُ فَيُهْلِكَهُمْ وَإِنَّمَا قُلْنَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الجن: 10] عُقَيْبَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9] الْآيَةُ، فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ قِصَّةِ مَا وَلِيَهُ وَقَرُبَ مِنْهُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مِنْ تَمَامِ خَبَرِ مَا بَعُدَ عَنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِمْ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: 11] وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الْعَامِلُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] يَقُولُ: وَمِنَّا دُونَ الصَّالِحِينَ.
﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] يَقُولُ: وَأَنَّا كُنَّا أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةً، وَفِرَقًا شَتَّى، مِنَّا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ.
وَالطَّرَائِقُ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الرَّجُلِ وَمَذْهَبُهُ.
وَالْقِدَدُ: جَمْعُ قِدَّةٍ، وَهِيَ الضُّرُوبُ وَالْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] يَقُولُ: أَهْوَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] يَقُولُ: أَهْوَاءٌ شَتَّى، مِنَّا الْمُسْلِمُ، وَمِنَّا الْمُشْرِكُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] كَانَ الْقَوْمُ عَلَى أَهْوَاءٍ شَتَّى
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] قَالَ: أَهْوَاءٌ
حَدَّثَنِي ابْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11] قَالَ: مُسْلِمِينَ وَكَافِرِينَ