وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152] يَقُولُ: حَتَّى يَبْلُغَ وَقْتَ اشْتِدَادِهِ فِي الْعَقْلِ، وَتَدْبِيرِ مَالِهِ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي دِينِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] يَقُولُ: وَأَوْفُوا بِالْعَقْدِ
الَّذِي تُعَاقِدُونَ النَّاسَ فِي الصُّلْحِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْإِسْلَامِ، وَفِيمَا بَيْنَكُمْ أَيْضًا، وَالْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْإِجَارَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَائِلٌ نَاقَضَ الْعَهْدِ عَنْ نَقْضِهِ إِيَّاهُ، يَقُولُ: فَلَا تَنْقُضُوا الْعُهُودَ الْجَائِزَةَ بَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ مَنْ عَاهَدْتُمُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ فَتَخْفِرُوهُ، وَتَغْدِرُوا بِمَنْ أَعْطَيْتُمُوهُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَطْلُوبًا، يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: لَيَسْأَلَنَّ فُلَانٌ عَهْدَ فُلَانٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَ﴾ [الحجر: 50] قَضَى أَنْ ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [الشعراء: 181] لِلنَّاسِ ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: 35] لَهُمْ حُقُوقَهُمْ قَبْلَكُمْ، وَلَا تَبْخَسُوهُمْ ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: 35] يَقُولُ: وَقَضَى أَنْ زِنُوا أَيْضًا إِذَا وَزَنْتُمْ لَهُمْ بِالْمِيزَانِ
الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلَا دَغَلَ، وَلَا خَدِيعَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْقُسْطَاسِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْقَبَّانُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: 35] قَالَ: الْقَبَّانُ
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،: الْقُسْطَاسُ: الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْمِيزَانُ صَغُرَ أَوْ كَبُرَ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: الْقِسْطَاسُ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَالْقُسْطَاسُ بِضَمِّهَا، مِثْلُ الْقِرْطَاسِ وَالْقُرْطَاسُ، وَبِالْكَسْرِ يَقْرَأُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَبِالضَّمِّ يَقْرَأُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَقَدْ قَرَأَ بِهِ أَيْضًا بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: 59] يَقُولُ: إِيفَاؤُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ تَكِيلُونَ لَهُ الْكَيْلَ، وَوَزْنُكُمْ بِالْعَدْلِ لِمَنْ تُوفُونَ لَهُ ﴿خَيْرٌ﴾ [البقرة: 54] لَكُمْ مِنْ بَخْسِكُمْ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ، وَظُلْمُكُمُوهُمْ فِيهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] يَقُولُ: وَأَحْسَنُ مَرْدُودًا عَلَيْكُمْ وَأَوْلَى إِلَيْهِ فِيهِ فِعْلُكُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرْضَى بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَيُحْسِنُ لَكُمْ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35] أَيْ خَيْرٌ ثَوَابًا وَعَاقِبَةً وَأَخْبَرَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي، إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ: هَذَا الْمِكْيَالُ، وَهَذَا الْمِيزَانُ.
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «لَا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلَى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ، لَيْسَ بِهِ إِلَّا مَخَافَةُ اللَّهِ، إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] قَالَ: عَاقِبَةً وَثَوَابًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] فَقَالَ بَعْضُهُمْ.
مَعْنَاهُ: وَلَا تَقُلْ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] يَقُولُ: لَا تَقُلْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ لَا تَقُلْ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] قَالَ: لَا تَقُلْ رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْ، وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْ
حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْأَزْرَقِ، عَنْ أَبِي عُمَرَ الْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَلَا تَرْمِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] يَقُولُ: لَا تَرْمِ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نحيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: 36] وَلَا تَرْمِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ الْقَائِلُ يَدْخُلُ فِيهِ شَهَادَةُ الزُّورِ، وَرَمْي النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَادِّعَاءُ سَمَاعِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ، وَرُؤْيَةُ مَا لَمْ يَرَهُ.
وَأَصْلُ الْقَفْوِ: الْعَضْهُ وَالْبَهْتُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبَيْنَا» وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يُنْشِدُ فِي ذَلِكَ بَيْتًا:
[البحر الطويل]
وَمِثْلُ الدُّمَى شُمُّ الْعَرَانِينِ سَاكِنٌ ... بِهِنَّ الْحَيَاءُ لَا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا
يَعْنِي بِالتَّقَافِي: التَّقَاذُفَ.
وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿لَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: 36] لَا تَتْبَعْ مَا لَا تَعْلَمُ، وَلَا يَعْنِيكَ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، يَزْعُمُ أَنَّ أَصْلَهُ الْقِيَافَةُ، وَهِيَ اتِّبَاعُ الْأَثَرِ، وَإِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرُوا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ: «وَلَا تَقُفْ» بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ
الْفَاءِ، مِثْلُ: وَلَا تَقُلْ.
قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَفَوْتُ أَثَرَهُ، وَقُفْتُ أَثَرَهُ، فَتُقَدِّمُ أَحْيَانًا الْوَاوَ عَلَى الْفَاءِ وَتُؤَخِّرُهَا أَحْيَانًا بَعْدَهَا، كَمَا قِيلَ: قَاعُ الْجَمَلِ النَّاقَةُ: إِذَا رَكِبَهَا وَقَعَا وَعَاثَ وَعَثَى، وَأَنْشَدَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ:
[البحر الوافر]
وَلَوْ أَنِّي رَمِيتُكَ مِنْ قَرِيبٍ ... لَعَاقَكَ مِنْ دُعَاءِ الذِّئْبِ عَاقِ
يَعْنِي عَائِقٌ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَقُلْ لِلنَّاسِ وَفِيهِمْ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ، فَتَرْمِيَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَذَلِكَ هُوَ الْقَفْوُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِيهِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ الْقَفْوَ فِيهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ عَمَّا قَالَ صَاحِبُهَا، مِنْ أَنَّهُ سَمِعَ أَوْ أَبْصَرَ أَوْ عَلِمَ، تَشَهْدُ عَلَيْهِ جَوَارِحَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْحَقِّ، وَقَالَ «أُولَئِكَ» ، وَلَمْ يَقُلْ «تِلْكَ» كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... وَالْعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
وَإِنَّمَا قِيلَ: أُولَئِكَ، لِأَنَّ أُولَئِكَ وَهَؤُلَاءِ لِلْجَمْعِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَقَعُ لِلتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ، وَهَذِهِ وَتِلْكَ لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ، فَالتَّذْكِيرِ لِلْقَلِيلِ مِنْ بَابِ إِنْ كَانَ التَّذْكِيرُ فِي الْأَسْمَاءِ قَبْلَ التَّأْنِيثِ.
لَكَ التَّذْكِيرُ لِلْجَمْعِ الْأَوَّلِ، وَالتَّأْنِيثُ لِلْجَمْعِ الثَّانِي، وَهُوَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْجَمْعَ عَلَى مِثَالِ الْأَسْمَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مُخْتَالًا مُسْتَكْبِرًا ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: 37] يَقُولُ: إِنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الْأَرْضَ بِاخْتِيَالِكَ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ: [البحر الرجز] وَقَاتِمُ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْ يَعْنِي بِالْمُخْتَرَقِ: الْمُقَطِّعَ ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37] بِفَخْرِكَ
وَكِبْرِكَ، وَإِنَّمَا هَذَا نَهْي مِنَ اللَّهِ عِبَادَهُ عَنِ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَتَقَدَّمَ مِنْهُ إِلَيْهِمْ فِيهِ مُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ بِكِبْرِهِمْ وَفَخَارِهِمْ شَيْئًا يَقْصُرُ عَنْهُ غَيْرُهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37] يَعْنِي بِكِبْرِكَ وَمَرَحِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37] قَالَ: لَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ فَخْرًا وَكِبْرًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ بِكَ الْجِبَالَ، وَلَا تَخْرِقَ الْأَرْضَ بِكِبْرِكَ وَفَخْرِكَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: 37] قَالَ: لَا تَفْخَرْ وَقِيلَ: لَا تَمْشِ مَرَحًا، وَلَمْ يَقُلْ مَرَحًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْكَلَامِ: لَا تَكُنُ مَرِحًا، فَيَجْعَلُهُ مِنْ نَعْتِ الْمَاشِي، وَإِنَّمَا أُرِيدُ لَا تَمْرَحُ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، فَفَسَّرَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَمْشِ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز]
يُعْجِبُهُ السَّخُونُ وَالْعَصِيدُ ... وَالتَّمْرُ حُبًّا مَا لَهُ مَزِيدُ فَقَالَ: حُبًّا، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: يُعْجِبُهُ، مَعْنَى يُحِبُّ، فَأَخْرَجَ قَوْلَهُ: حُبًّا، مِنْ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38] فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38] عَلَى الْإِضَافَةِ بِمَعْنَى: كُلُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي عَدَدْنَا مِنْ مُبْتَدَإِ قَوْلِنَا ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] . . إِلَى
قَوْلِنَا ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37] ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: 38] يَقُولُ: سَيِّئُ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكَ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا.
وَقَالَ قَارِئُو هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: إِنَّمَا قِيلَ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: 38] بِالْإِضَافَةِ، لِأَنَّ فِيمَا عَدَدْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] أُمُورًا، هِيَ أَمْرٌ بِالْجَمِيلِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] وَقَوْلُهُ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَالُوا: فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِيهِ نَهْيًا عَنْ سَيِّئَةٍ، بَلْ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ سَيِّئَةٍ، وَأَمْرٌ بِحَسَنَاتٍ، فَلِذَلِكَ قَرَأْنَا ﴿سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: 38] وَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: «كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةً» وَقَالُوا: إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: كُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ قَوْلِنَا ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31] وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَكُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ سَيِّئَةٌ لَا حَسَنَةَ فِيهِ، فَالصَّوَابُ قِرَاءَتُهُ بِالتَّنْوِينِ.
وَمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَكْرُوهُ مُقَدَّمًا عَلَى السَّيِّئَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا سَيِّئَةً، لِأَنَّهُ إِنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: مَكْرُوهًا نَعُدُّ السَّيِّئَةَ مِنْ نَعْتِ السَّيِّئَةِ، لَزِمَهُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهَةً، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: 38] عَلَى إِضَافَةِ السَّيِّئِ إِلَى الْهَاءِ، بِمَعْنَى: كُلُّ ذَلِكَ الَّذِي عَدَدْنَا مِنْ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ [الإسراء: 38] لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أُمُورًا مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَأُمُورًا مَأْمُورًا بِهَا، وَابْتِدَاءُ الْوَصِيَّةِ وَالْعَهْدِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دُونَ قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الأنعام: 151] إِنَّمَا هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقِرَاءَتُهُ بِإِضَافَةِ السَّيِّئِ إِلَى الْهَاءِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْ قِرَاءَتِهِ سَيِّئَةً بِالتَّنْوِينِ، بِمَعْنَى السَّيِّئَةِ الْوَاحِدَةِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: كُلُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا لَكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا عَلَيْكَ كَانَ سَيِّئُهُ مَكْرُوهًا عِنْدَ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، يَكْرَهُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ وَلَا يَرْضَاهُ، فَاتَّقِ مُوَاقِعَتَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ.
«ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي بَيَّنَّا لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي أَمَرْنَاكَ بِجَمِيلِهَا، وَنَهَيْنَاكَ عَنْ قَبِيحِهَا ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39] يَقُولُ: مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَوْحَيْنَاهَا إِلَيْكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا، كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39] قَالَ: الْقُرْآنُ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحِكْمَةِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39] يَقُولُ: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِكَ، فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا تَلُومُكَ نَفْسُكَ وَعَارِفُوكَ مِنَ النَّاسِ ﴿مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: 18] يَقُولُ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا فِي النَّارِ، وَلَكِنْ أَخْلِصِ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، فَتَنْجُو مِنْ عَذَابِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39] يَقُولُ: مَطْرُودًا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39] قَالَ: مَلُومًا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، مَدْحُورًا فِي النَّارِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينَ قَالُوا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ [الإسراء: 40] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: 40] يَقُولُ: أَفَخَصَّكُمْ رَبُّكُمْ بِالذُّكُورِ مِنَ الْأَوْلَادِ ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: 40] وَأَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ، بَلْ تَئِدُونَهُنَّ، وَتَقْتُلُونَهُنَّ، فَجَعَلْتُمْ لِلَّهِ مَا لَا تَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِكُمْ ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا مِنَ الْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ مَا ذَكَرْنَا: إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَتَقُولُونَ بِقِيلِكُمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، قَوْلًا عَظِيمًا، وَتَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً مِنْكُمْ، وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: 40] قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ [الإسراء: 41] لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 41] الْعِبَرَ وَالْآيَاتِ وَالْحُجَجِ، وَضَرَبْنَا لَهُمْ فِيهِ الْأَمْثَالَ، وَحَذَّرْنَاهُمْ