وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] يَعْنِي بِالْقُصُورِ: الْبُيُوتَ الْمَبْنِيَّةَ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: " لَا يَسْتَطِيعُونَ يَصْرِفُونَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ حِينَ كُذِّبُوا، وَلَا أَنْ يَنْتَصِرُوا.
قَالَ: وَيُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَجْتَمِعُ الْخَلَائِقُ: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ؟ قَالَ: مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَنْصُرُ الْيَوْمَ مَنْ عَبَدَهُ، وَقَالَ الْعَابِدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَنْصُرُهُ الْيَوْمَ إِلَهُهُ الَّذِي يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: 26] وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيَدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: 39] " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَا بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: ثنا
الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: " هِيَ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «فَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا» فَإِنْ تَكُنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ صَحِيحَةً، صَحَّ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: 19] وَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ [الفرقان: 19] خَبَرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ حِينَئِذٍ: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: 19] فَمَا يَسْتَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَكَ صَرْفًا عَنِ الْحَقِّ الَّذِي هَدَاكَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي هُمْ فِيهِ، بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ [الفرقان: 19] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ [الفرقان: 19] وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَيَظْلِمْ نَفْسَهُ فَذَلِكَ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا، كَالَّذِي ذَكَرْنَا أَنْ نُذِيقَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: يُشْرِكْ؛ ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي
قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ [الفرقان: 19] قَالَ: هُوَ الشِّرْكُ ":
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20] وَهَذَا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾
وَجَوَابٌ لَهُمْ عَنْهُ، يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا أَنْكَرَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ: مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ، مِنْ أَكْلِكَ الطَّعَامَ , وَمَشْيِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَنْتَ لِلَّهِ رَسُولٌ؛ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّا مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ كَالَّذِي تَأْكُلُ أَنْتَ وَتَمْشِي، فَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْكَ بِمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ «مَنْ» لَيْسَتْ فِي التِّلَاوَةِ، فَكَيْفَ قُلْتَ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِلَّا مَنْ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ؟ قِيلَ: قُلْنَا فِي ذَلِكَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ﴾ [البقرة: 12] ، كِنَايَةٌ أَسْمَاءٍ لَمْ تُذْكَرْ، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَعُودَ عَلَى مَنْ كُنِّيَ عَنْهُ بِهَا، وَإِنَّمَا تُرِكَ ذِكْرُ «مَنْ» وَإِظْهَارُهُ فِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 77] عَلَيْهِ، كَمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] , مِنْ إِظْهَارِ «مَنْ» وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا مِنَّا إِلَّا مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] , وَمَعْنَاهُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ وَارِدُهَا؛ فَقَوْلُهُ: {إِنَّهُمْ
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الفرقان: 20] صِلَةٌ لِـ «مَنْ» الْمَتْرُوكِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ إِنَّهُ لَيُبَلِّغُكَ الرِّسَالَةَ، فَإِنَّهُ (لَيُبَلِّغُكَ الرِّسَالَةَ) صِلَةٌ لِـ «مَنْ» وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَامْتَحَنَّا أَيُّهَا النَّاسُ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، جَعَلْنَا هَذَا نَبِيًّا , وَخَصَصْنَاهُ بِالرِّسَالَةِ، وَهَذَا مَلِكًا , وَخَصَصْنَاهُ بِالدُّنْيَا، وَهَذَا فَقِيرًا وَحَرَمْنَاهُ الدُّنْيَا، لِنَخْتَبِرَ الْفَقِيرَ بِصَبْرِهِ عَلَى مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْغَنِيُّ، وَالْمَلِكَ بِصَبْرِهِ عَلَى مَا أُعْطِيَهُ الرَّسُولُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَكَيْفَ رَضِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَا أُعْطِيَ وَقُسِمَ لَهُ، وَطَاعَتُهُ رَبَّهُ مَعَ مَا حُرِمَ مِمَّا أُعْطِيَ غَيْرُهُ.
يَقُولُ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ أُعْطِ مُحَمَّدًا الدُّنْيَا، وَجَعَلْتُهُ يَطْلُبُ الْمَعَاشَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلِأَبْتَلِيَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَخْتَبِرَ طَاعَتَكُمْ رَبَّكُمْ , وَإِجَابَتَكُمْ رَسُولَهُ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، بِغَيْرِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا تَرْجُونَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ أَنْ يُعْطِيَكُمْ عَلَى اتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ؛ لِأَنِّي لَوْ أَعْطَيْتُهُ الدُّنْيَا، لَسَارَعَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى اتِّبَاعِهِ طَمَعًا فِي دُنْيَاهُ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْقُدُّوسِ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: 20] . الْآيَةَ، يَقُولُ هَذَا الْأَعْمَى: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلَانٍ، وَيَقُولُ هَذَا الْفَقِيرُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلَانٍ، وَيَقُولُ هَذَا السَّقِيمُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلَانٍ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20] قَالَ: " يُمْسِكُ عَنْ هَذَا , وَيُوَسِّعُ عَلَى هَذَا، فَيَقُولُ: لَمْ يُعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَى فُلَانًا، وَيُبْتَلَى بِالْوَجَعِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ: لَمْ يَجْعَلَنِي رَبِّي صَحِيحًا مِثْلَ فُلَانٍ؛ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاءِ، لِيَعْلَمَ مَنْ يَصْبِرُ مِمَّنْ يَجْزَعُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، فِيمَا يَرْوِي الطَّبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ . الْآيَةَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20] أَيْ جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ بَلَاءً، لِتَصْبِرُوا عَلَى مَا تَسْمَعُونَ مِنْهُمْ، وَتَرَوْنَ مِنْ خِلَافِهِمْ، وَتَتَّبِعُوا الْهُدَى بِغَيْرِ أَنْ أُعْطِيَهُمْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا؛ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالَفُونَ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَلِيَ الْعِبَادَ بِكُمْ , وَأَبْتَلِيَكُمْ بِهِمْ "