وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: 41] يَقُولُ: فَلَنْ تُطِيقَ أَنْ تُدْرِكَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ فِي جَنَّتِكَ بَعْدَ غَوْرِهِ، بِطَلَبِكَ إِيَّاهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: هِيَ الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46] قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: 46] قَالَ: هِيَ ذِكْرُ اللَّهِ، قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَالصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ وَالْجِهَادُ وَالصِّلَةُ، وَجَمِيعُ أَعْمَالِ الْحَسَنَاتِ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، الَّتِي تَبْقَى لِأَهْلِهَا فِي الْجَنَّةِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46] قَالَ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: هِيَ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: 46] قَالَ: الْكَلَامُ الطَّيِّبُ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُنَّ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْخَيْرِ، كَالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ الَّتِي تَبْقَى لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَيْهَا يُجَازَى وَيُثَابُ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ لَمْ يُخَصِّصْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: 46] بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ فِي كِتَابِ، وَلَا بِخَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَرَدَ بِأَنَّ قَوْلَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، هُنَّ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ: هُنَّ جَمِيعُ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَلَا كُلُّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ بَاقِيَاتٌ صَالِحَاتٌ، وَغَيْرُهَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أَيْضًا بَاقِيَاتٌ صَالِحَاتٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: 47] عَنِ الْأَرْضِ، فَنَبُسُّهَا بَسًّا، وَنَجْعَلُهَا هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ظَاهِرَةً، وَظُهُورِهَا لِرَأْي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَسْتُرُهَا مِنْ جَبَلٍ وَلَا شَجَرٍ هُوَ بُرُوزُهَا.
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ جِمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، ح، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] قَالَ: لَا خَمَرَ فِيهَا وَلَا غَيَابَةَ وَلَا بِنَاءَ، وَلَا حَجَرَ فِيهَا حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] لَيْسَ عَلَيْهَا بِنَاءٌ وَلَا شَجَرٌ وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً أَهْلُهَا الَّذِينَ كَانُوا فِي بَطْنِهَا، فَصَارُوا عَلَى ظَهْرِهَا.
وَقَوْلُهُ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: 47] يَقُولُ: جَمَعْنَاهُمْ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 47] يَقُولُ: فَلَمْ نَتْرُكْ، وَلَمْ نُبْقِ مِنْهُمْ تَحْتَ الْأَرْضِ أَحَدًا، يُقَالُ مِنْهُ: مَا غَادَرْتُ مِنَ الْقَوْمِ أَحَدًا، وَمَا أَغْدَرْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَمِنْ أَغْدَرْتُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
هَلْ لَكِ وَالْعَارِضُ مِنْكِ عَائِضُ ... فِي هَجْمَةٍ يَغْدِرُ مِنْهَا الْقَابِضُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: 48] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَعُرِضَ الْخَلْقُ عَلَى رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ صَفًّا.
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: 48] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: يُقَالُ لَهُمْ إِذْ عُرِضُوا عَلَى اللَّهِ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا أَيُّهَا النَّاسُ أَحْيَاءً كَهَيْئَتِكُمْ حِينَ خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَحُذِفَ يُقَالُ مِنَ الْكَلَامِ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَنَّهُ
مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 48] وَهَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ بِهِ الْجَمِيعُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُصُوصُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ الْقِيَامَةَ خَلْقٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْبَعْثِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ يَوْمَئِذٍ لِمَنْ وَرَدَهَا مِنْ أَهْلِ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ فِي
الدُّنْيَا، وَأَهْلِ الْيَقِينِ فِيهَا بِقِيَامِ السَّاعَةِ، بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَالْحَشْرَ إِلَى الْقِيَامَةِ مَوْعِدًا، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُكَذِّبًا بِالْبَعْثِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَوَضَعَ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ كِتَابَ أَعْمَالِ عِبَادِهِ فِي أَيْدِيهِمْ، فَأَخَذَ وَاحِدٌ بِيَمِينِهِ
وَأَخَذَ وَاحِدٌ بِشِمَالِهِ ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: 49] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مُشْفِقِينَ، يَقُولُ: خَائِفِينَ وَجِلِينَ مِمَّا فِيهِ
مَكْتُوبٌ مِنْ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا أَنْ يُؤَاخَذُوا بِهَا ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا قَرَءُوا كِتَابَهُمْ، وَرَأَوْا مَا قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ صغائرِ ذُنُوبِهِمْ وَكَبَائِرِهَا، نَادَوْا بِالْوَيْلِ حِينَ أَيْقَنُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَضَجُّوا مِمَّا قَدْ عَرَفُوا مِنْ أَفْعَالِهِمُ الْخَبِيثَةُ الَّتِي قَدْ أَحْصَاهَا كِتَابَهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُنْكِرُوا صِحَّتَهَا، كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] اشْتَكَى الْقَوْمُ كَمَا تَسْمَعُونَ الْإِحْصَاءَ، وَلَمْ يَشْتَكِ أَحَدٌ ظُلْمًا «فَإِيَّاكُمْ وَالْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهَا تَجْتَمِعُ عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى تُهْلِكَهُ» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضْرِبُ لَهَا مَثَلًا، يَقُولُ كَمَثَلِ قَوْمٍ انْطَلِقُوا يَسِيرُونَ حَتَّى نَزَلُوا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَانْطَلَقَ كُلُّ رَجُلٍ يَحْتَطِبُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا كَثِيرًا وَأَجَّجُوا نَارًا، فَإِنَّ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ يَجْتَمِعُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يُهْلِكَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ عَنَى بِالصَّغِيرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الضَّحِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الزيَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: 49] قَالَ: الضَّحِكُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي حَمَّادَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] قَالَ: الصَّغِيرَةُ: الضَّحِكُ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: 49] مَا شَأْنُ هَذَا الْكِتَابِ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: 49] يَقُولُ: لَا يَبْقَى صَغِيرَةً مِنْ ذُنُوبِنَا وَأَعْمَالِنَا وَلَا كَبِيرَةً مِنْهَا ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] يَقُولُ: إِلَّا حَفِظَهَا.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ [الكهف: 49] فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلٍ ﴿حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49] فِي كِتَابِهِمْ ذَلِكَ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا، فَجُوزُوا بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا، وَالْحَسَنَةِ مَا اللَّهُ جَازِيهِمْ بِهَا ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49] يَقُولُ: وَلَا يُجَازِي رَبُّكَ أَحَدًا يَا مُحَمَّدُ بِغَيْرِ مَا هُوَ أَهْلُهُ، لَا يُجَازِي بِالْإِحْسَانِ إِلَّا أَهْلُ الْإِحْسَانِ، وَلَا بِالسَّيِّئَةِ إِلَّا أَهْلُ السَّيِّئَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُذَكِّرًا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حَسَدَ إِبْلِيسَ أَبَاهُمْ وَمُعَلِّمُهُمْ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ كِبْرِهِ وَاسْتِكْبَارِهِ
عَلَيْهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَأَنَّهُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ لَهُمْ عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ لِأَبِيهِمْ: ﴿وَ﴾ [الحجر: 50] اذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ ﴿إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34] الَّذِي يُطِيعُهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ وَيَتَّبِعُونَ أَمْرَهُ،
وَيُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ اسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّهِ، وَحَسَدًا لِآدَمَ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، فَنُسِبَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قِيلَ مِنَ الْجِنِّ، لِأَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَجَنُّوا عَنْ أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ اسْمُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ عَزَازِيلَ، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّى جِنًّا
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ
يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ.
قَالَ: وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ.
قَالَ: وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ غَيْرِ هَذَا الْحَيِّ.
قَالَ: وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني شَيْبَانُ، قَالَ: ثنا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ يُدَبِّرَ أَمْرَ سَمَاءِ الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمَهُمْ قَبِيلَةً.
وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ الْأَرْضِ، وَكَانَ فِيمَا قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا وَعَظَمَةً عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَمَا كَانَ عِنْدَ السُّجُودِ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ اسْتَخْرَجَ اللَّهُ كِبْرَهُ عِنْدَ السُّجُودِ، فَلَعَنَهُ وَأَخَّرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] إِنَّمَا سُمِّيَ بِالْجِنَانِ أَنَّهُ كَانَ خَازِنًا عَلَيْهَا، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَكِّيُّ،
وَمَدَنِيُّ، وَكُوفِيُّ، وَبَصْرِيُّ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ سِبْطٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةٌ، وَكَانَ اسْمُ قَبِيلَتِهِ الْجِنَّ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَشَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةٌ مِنَ الْجِنِّ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَعَصَى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا، لَعَنَهُ اللَّهُ مَمْسُوخًا قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَةُ الرَّجُلِ فِي كِبْرٍ فَلَا تَرْجُهْ، وَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَتُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَارْجُهْ، وَكَانَتْ خَطِيئَةُ آدَمَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَخَطِيئَةُ إِبْلِيسَ فِي كِبْرٍ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَبِيلٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ، وَكَانَ عَلَى خِزَانَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا
قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: جَنَّ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: أَلْجَأَهُ اللَّهُ إِلَى نَسَبِهِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: كَانَ مِنْ قَبِيلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ، وَإِنَّهُ لَأَصْلُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصْلُ الْإِنْسِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ: كَانَ إِبْلِيسُ عَلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَعَلَى الْأَرْضِ وَخَازِنَ الْجِنَانِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَسُلْطَانُ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِمَّا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ شَرَفًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَاسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذَلِكَ الْكِبْرَ مِنْهُ حِينَ أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَذَلِكَ قَوْلِهِ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَعْنِي: مَا أَسَرَّ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ
وَقَوْلُهُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] لِأَنَّهُ كَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَكِّيُّ، وَمَدَنِيُّ، وَبَصْرِيُّ، وَكُوفِيُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ اسْمُ قَبِيلَةِ إِبْلِيسَ الْجِنَّ، وَهُمْ سِبْطٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] فَنَسَبَهُ
إِلَى قَبِيلَتِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: مِنَ الْجَنَّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجِنَانِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْيَحْمَدِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثني سَوَّارُ بْنُ الْجَعْدِ الْيَحْمِدِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ