تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 374-385

﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7] يَعْنِي أَهْلَ الْعَهْدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

صفحات 374-385
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ [التوبة: 16] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِيجَةً﴾ [التوبة: 16] قَالَ: أَبِي أَنْ يَدَعَهُمْ دُونَ التَّمْحِيصِ، وَقَرَأَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾ [التوبة: 16] الْجَنَّةَ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهِدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] وَقَرَأَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 214] الْآيَاتُ كُلُّهَا، أَخْبَرَهُمْ أَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ حَتَّى يُمَحِّصَهُمْ وَيَخْتَبِرَهُمْ، وَقَرَأَ ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2] لَا يُخْتَبَرُونَ

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهُمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3] أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُمَحِّصَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿وَلِيجَةً﴾ [التوبة: 16] قَالَ: هُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ، أَوْ قَالَ أَحَدَهُمَا " وَقِيلَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [التوبة: 16] وَلَمْ يَقُلْ: أَحَسِبْتُمْ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الْمُعْتَرَضِ فِي وَسَطِ الْكَلَامِ، فَأُدْخِلَتْ فِيهِ أَمْ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ الْمُبْتَدَأَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ نَظَائِرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يَنْبَغِي لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ وَهُمْ شَاهِدُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ.
يَقُولُ: إِنَّ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا تُعْمَرُ لِعُبَادَةِ

اللَّهِ فِيهَا لَا لِلْكُفْرِ بِهِ، فَمَنْ كَانَ بِاللَّهِ كَافِرًا فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُرَ مَسَاجِدَ اللَّهِ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، فَإِنَّهَا

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: " ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17] يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوهَا " وَأَمَّا ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17] فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ يُسْأَلُ: مَا

أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: نَصْرَانِيُّ، وَالْيَهُودِيُّ، فَيَقُولُ: يَهُودِيُّ، وَالصَّابِئُ، فَيَقُولُ: صَابِئٌ، وَالْمُشْرِكُ يَقُولُ إِذَا سَأَلْتَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: مُشْرِكٌ، لَمْ يَكُنْ لَيَقُولَهُ أَحَدٌ إِلَّا الْعَرَبَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو الْعَنْقَزِيُّ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 17] قَالَ: يَقُولُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْمُرُوهَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: 17] قَالَ: النَّصْرَانِيُّ يُقَالُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: نَصْرَانِيُّ، وَالْيَهُودِيُّ يُقَالُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: يَهُودِيُّ، وَالصَّابِئُ يُقَالُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: صَابِئٌ "

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: 17] يَقُولُ: بَطَلَتْ وَذَهَبَتْ أُجُورُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ، بَلْ كَانَتْ لِلشَّيْطَانِ.
﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17] يَقُولُ: مَاكِثُونَ فِيهَا أَبَدًا، لَا أَحْيَاءً وَلَا أَمْوَاتًا وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 17] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ

الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 114] عَلَى الْجَمْعِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: (مَسْجِدَ اللَّهِ) . عَلَى التَّوْحِيدِ، بِمَعْنَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 114] عَلَى الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ مَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَذْهَبُ بِالْوَاحِدِ إِلَى الْجَمْعِ وَبِالْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِمْ: عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْلَاقٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ الْمُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ الْمُخْلِصُ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يَقُولُ: الَّذِي

يُصَدِّقُ بِبَعْثِ اللَّهِ الْمَوْتَى أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ بِحُدُودِهَا، وَأَدَّى الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِلَى مَنْ أَوْجَبَهَا اللَّهُ لَهُ.
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18] يَقُولُ: وَلَمْ يَرْهَبْ عُقُوبَةَ شَيْءٍ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ سِوَى اللَّهِ.
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ يَقُولُ: فَخَلِيقٌ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ أَنْ يَكُونُوا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ قَدْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] يَقُولُ مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ.
وَآمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، يَقُولُ: أَقَرَّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 177] يَعْنِي الصَّلَوَاتَ الْخَمْسَ.
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18] يَقُولُ: ثُمَّ لَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ، قَالَ: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾ [التوبة: 18] يَقُولُ: إِنَّ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، كَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] يَقُولُ: إِنَّ

رَبَّكَ سَيَبْعَثُكَ مَقَامًا مَحْمُودًا.
وَهِيَ الشَّفَاعَةُ، وَكُلُّ عَسَى فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ "

ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ قُرَيْشٍ: إِنَّا أَهْلُ الْحَرَمِ، وَسَقَاةُ الْحَاجِّ، وَعَمَّارُ هَذَا الْبَيْتِ، وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنَّا، فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] . أَيْ إِنَّ عِمَارَتَكُمْ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ: أَيْ مَنْ عَمَرَهَا بِحَقِّهَا.
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18] فَأُولَئِكَ عُمَّارُهَا.
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ حَقٌّ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] وَهَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِقَوْمٍ افْتَخَرُوا بِالسِّقَايَةِ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ، فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْفَخْرَ

فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ لَا فِي الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ مِنَ السِّدَانَةِ وَالسِّقَايَةِ.
وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ وَتَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ

مِنْهُمْ: مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: بَلْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ آخَرُ: بَلِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، قَالَ: فَفَعَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 19] قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَنَسْقِي الْحَاجَّ، وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّرْكِ، وَلَا أَقْبَلُ مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: عُمَارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وَقِيَامٌ عَلَى السِّقَايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وَجَاهَدَ، وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِالْحَرَمِ وَيَسْتَكْبِرُونَ بِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَعُمَّارُهُ.

فَذَكَرَ اللَّهُ اسْتِكْبَارَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67] يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحَرَمِ، وَقَالَ: بِهِ سَامِرًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمُرُونَ وَيَهْجُرُونَ الْقُرْآنَ وَالنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَخَيَّرَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالْجِهَادَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِمْرَانَ الْمُشْرِكِينَ الْبَيْتَ وَقِيَامِهِمْ عَلَى السِّقَايَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ الشِّرْكِ بِهِ أَنْ كَانُوا يَعْمُرُونَ بَيْتَهُ وَيَخْدِمُونَهُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] يَعْنِي: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِمَارَةِ، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ ظَالِمِينَ بِشِرْكِهِمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمُ الْعِمَارَةُ شَيْئًا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، " أَنَّ رَجُلًا قَالَ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أُعْمِرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ.
فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلْنَا عَلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 19] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 19] "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ وَشَيْبَةَ، تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَا أُرَانِي إِلَّا تَارِكَ سِقَايَتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتِكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا "

قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،.
قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ، تَكَلَّمَا فِي ذَلِكَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي صَخْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: " افْتَخَرَ طَلْحَةُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا صَاحِبُ الْبَيْتِ، مَعِي مُفْتَاحُهُ، لَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِيهِ، وَقَالَ عَبَّاسٌ: أَنَا صَاحِبُ السِّقَايَةِ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، وَلَوْ أَشَاءُ بِتُّ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ عَلِيُّ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ النَّاسِ، وَأَنَا صَاحِبُ الْجِهَادِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 19] الْآيَةَ كُلَّهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] قَالَ الْعَبَّاسُ: مَا أُرَانِي إِلَّا تَارِكَ سِقَايَتِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيمُوا عَلَى سِقَايَتِكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا خَيْرًا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ

السُّدِّيِّ: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 19] قَالَ: افْتَخَرَ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا أَفْضَلُكُمْ، أَنَا أَسْقِي حُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ، وَقَالَ شَيْبَةُ: أَنَا أَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا هَاجَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُجَاهِدُ مَعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 20] إِلَى: ﴿نُعَيْمٍ مُقِيمٍ﴾ [التوبة: 21] "

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] الْآيَةَ، أَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهُمْ بِالشِّرْكِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَعْمُرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَنَفُكُّ الْعَانِيَ، وَنَحْجِبُ الْبَيْتَ، وَنَسْقِي الْحَاجَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: 19] الْآيَةَ " فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: أَجَعَلْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ سِقَايَةَ الْحَاجِّ، وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يَسْتَوُونَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ، وَلَا تَعْتَدِلُ أَحْوَالُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَنَازِلُهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ بِغَيْرِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ عَمَلًا.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19] يَقُولُ: وَاللَّهُ لَا يُوَفِّقُ لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ مَنْ كَانَ بِهِ كَافِرًا وَلِتَوْحِيدِهِ جَاحِدًا.
وَوَضَعَ الِاسْمَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 19] إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل]

لَعَمْرُكَ مَا الْفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى ... وَلَكِنَّمَا الْفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِي

فَجَعَلَ خَبَرَ الْفِتْيَانِ أَنْ وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: إِنَّمَا السَّخَاءُ حَاتِمٌ وَالشِّعْرُ زُهَيْرٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: 20] وَهَذَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ فِرَقِ الْمُفْتَخِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرَ أَحَدُهُمْ بِالسِّقَايَةِ، وَالْآخَرُ بِالسِّدَانَةِ، وَالْآخَرُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.
يَقُولُ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ: صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَاجَرُوا دُورَ قَوْمِهِمْ، وَجَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي دِينِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَرْفَعُ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ مِنْ سُقَاةِ الْحَاجِّ وَعُمَّارِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: 20] بِالْجَنَّةِ النَّاجُونَ مِنَ النَّارِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُبَشِّرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَحِمَهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَبِرِضْوَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، بِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَأَدَائِهِمْ

مَا كَلَّفَهُمْ.
﴿وَجَنَّاتٍ﴾ [آل عمران: 136] يَقُولُ: وَبَسَاتِينَ لَهُمْ فِيهَا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ لَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ، ثَابِتٌ دَائِمٌ أَبَدًا لَهُمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ

بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: رِضْوَانِي "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] مَاكِثِينَ فِيهَا، يَعْنِي فِي الْجَنَّاتِ.
﴿أَبَدًا﴾ [البقرة: 95] لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ وَلَا حَدَّ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: 22] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ فِي

هَذِهِ الْآيَةِ أَجْرٌ: ثَوَابٌ عَلَى طَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ النَّعِيمُ الَّذِي وَعَدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ بِطَانَةً وَأَصْدِقَاءَ تُفْشُونَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَكُمْ وَتُطْلِعُونَهُمْ

عَلَى عَوْرَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَتُؤْثِرُونَ الْمُكْثَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ.
﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: 23] يَقُولُ: إِنِ اخْتَارُوا الْكُفْرَ بِاللَّهِ عَلَى التَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 51] يَقُولُ: وَمَنْ يَتَّخِذَهُمْ مِنْكُمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْثِرُ الْمُقَامَ مَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] يَقُولُ: فَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْكُمْ هُمُ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَوَضَعُوا الْوَلَايَةَ فِي غَيْرِ

مَوْضِعَهَا وَعَصَوُا اللَّهَ فِي أَمْرِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ نَزَلَ نَهْيًا مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ أَقْرِبَائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 19] قَالَ: أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَا أَسْقِي الْحَاجَّ، وَقَالَ طَلْحَةُ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: أَنَا صَاحِبُ الْكَعْبَةِ فَلَا نُهَاجِرُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [التوبة: 23] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] بِالْفَتْحِ، فِي أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْهِجْرَةِ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ الْمُقِيمِينَ بِدَارِ الشِّرْكِ: إِنْ كَانَ الْمُقَامُ مَعَ آبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ.
وَكَانَتْ ﴿أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ [التوبة: 24] يَقُولُ: اكْتَسَبْتُمُوهَا.
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [التوبة: 24] بِفِرَاقِكُمْ بَلَدَكُمْ.
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [التوبة: 24] فَسَكَنْتُمُوهَا.
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة: 24] مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ

وَمِنْ جِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، يَعْنِي فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ.
﴿فَتَربَّصُوا﴾ [التوبة: 24] يَقُولُ: فَتَنَظَّرُوا.
﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 108] يَقُولُ: وَاللَّهُ لَا يُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَفِي مَعْصِيَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109] بِالْفَتْحِ "

جارٍ التحميل