الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282] كَانَ أَحَدُهُمْ يَجِيءُ إِلَى الْكَاتِبِ فَيَقُولُ: اكْتُبْ لِي، فَيَقُولُ: إِنِّي مَشْغُولٌ أَوْ لِي حَاجَةٌ، فَانْطَلِقْ إِلَى غَيْرِي، فَيَلْزَمُهُ وَيَقُولُ: إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ أَنْ تَكْتُبَ لِي، فَلَا يَدَعُهُ وَيُضَارُّهُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ، وَيَأْتِي الرَّجُلُ فَيَقُولُ: انْطَلِقْ مَعِي، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى غَيْرِي فَإِنِّي مَشْغُولٌ أَوْ لِي حَاجَةٌ، فَيَلْزَمُهُ وَيَقُولُ: قَدْ أُمِرْتَ أَنْ تَتْبَعَنِي، فَيُضَارَّهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: " إِنَّ لِي حَاجَةً فَدَعْنِي، فَيَقُولُ: اكْتُبْ لِي "، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] «كَذَلِكَ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ، بِمَعْنَى: وَلَا يُضَارُّهُمَا مَنِ اسْتَكْتَبَ هَذَا أَوِ اسْتَشْهَدَ هَذَا بِأَنْ يَأْبَى عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ لَهُ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَيَأْبَى عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يُجِيبَ إِلَى الشَّهَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ فَارِغٍ، عَلَى مَا قَالَهُ قَائِلُو ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ مُبْتَدَئِهَا إِلَى انْقِضَائِهَا عَلَى وَجْهِ افْعَلُوا أَوْ لَا تَفْعَلُوا، إِنَّمَا هُوَ
خِطَابٌ لِأَهْلِ الْحُقُوقِ وَالْمَكْتُوبِ بَيْنَهُمُ الْكِتَابُ وَالْمَشْهُودِ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ بِالَّذِي تَدَايَنُوهُ بَيْنَهُمْ مِنَ الدُّيُونِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ فِيهَا لِغَيْرِهِمْ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْغَائِبِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ [البقرة: 282] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُونَ فِيهَا مَخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] أَشْبَهُ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا عَلَى الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ، وَمَعَ ذَلِكَ إِنَّ الْكَاتِبَ وَالشَّهِيدَ لَوْ كَانَا هُمَا الْمَنْهِيَّيْنِ عَنِ الضِّرَارِ لَقِيلَ: وَإِنْ يَفْعَلَا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِهِمَا، لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ، وَإِنَّمَا غَيْرُ مَخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ [البقرة: 282] بَلِ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾ [البقرة: 282] نَهْيٌ لِلْغَائِبِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ، فَتَوْجِيهُ الْكَلَامِ إِلَى مَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا فِي سِيَاقِ الْآيَةِ، أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى مَا كَانَ مُنْعَدِلًا عَنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَإِنْ تُضَارُّوا الْكَاتِبَ أَوِ الشَّاهِدَ وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، يَعْنِي: إِثْمٌ بِكُمْ وَمَعْصِيَةٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: «إِنْ تَفْعَلُوا غَيْرَ الَّذِي آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] " الْفُسُوقُ: الْمَعْصِيَةُ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] " الْفُسُوقُ: الْعِصْيَانُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنْ يُضَارَّ كَاتِبٌ فَيَكْتُبُ غَيْرَ الَّذِي أَمْلَى الْمُمْلِي، وَيُضَارَّ شَهِيدٌ فَيُحَوِّلُ شَهَادَتَهُ وَيُغَيِّرُهَا، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، يَعْنِي فَإِنَّهُ كَذِبٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: 282] " الْفُسُوقُ: الْكَذِبُ، قَالَ: هَذَا فُسُوقٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ الْكَاتِبُ فَحَوَّلَ كِتَابَهُ فَكَذَبَ، وَكَذَبَ الشَّاهِدُ فَحَوَّلَ شَهَادَتَهُ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ كَذِبٌ " وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا يُضَارَّهُمَا الْمُسْتَكْتِبُ وَالْمُسْتَشْهِدُ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 282] إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارُ مَنْ يُضَارُّهُمَا بِحُكْمِهِ فِيهِمَا، وَأَنَّ مَنْ يُضَارُّهُمَا فَقَدْ
عَصَى رَبَّهُ وَأَثِمَ بِهِ، وَرَكِبَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ فِي ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 189] وَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ أَنْ تُضَارُّوهُمْ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282] وَيُبَيِّنُ لَكُمُ الْوَاجِبَ لَكُمْ
وَعَلَيْكُمْ، فَاعْمَلُوا بِهِ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282] يَعْنِي مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَغَيْرِهَا، يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ لِيُجَازِيَكُمْ بِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282] قَالَ: «هَذَا تَعْلِيمٌ عَلَمَّكُمُوهُ فَخُذُوا بِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ الْقُرَّاءُ فِي الْأَمْصَارِ
جَمِيعًا ﴿كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] ، بِمَعْنَى: وَلَمْ تَجِدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابَ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ، وَقَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ: «وَلَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» بِمَعْنَى: وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى
اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ سَبِيلٌ، إِمَّا بِتَعَذُّرِ الدَّوَاةِ وَالصَّحِيفَةِ، وَإِمَّا بِتَعَذُّرِ الْكَاتِبِ وَإِنْ وَجَدْتُمُ الدَّوَاةَ وَالصَّحِيفَةَ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا عِنْدَنَا هِيَ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] بِمَعْنَى: مَنْ يَكْتُبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُتَدَايِنُونَ فِي سَفَرٍ بِحَيْثُ لَا تَجِدُونَ كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ إِلَى اكْتِتَابِ كِتَابِ الدَّيْنِ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى بَيْنَكُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِاكْتِتَابِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، فَارْتَهِنُوا بِدِيُونِكُمُ الَّتِي تَدَايَنْتُمُوهَا إِلَى الْأَجَلِ الْمُسَمَّى رُهُونًا تَقْبِضُونَهَا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ كَذَلِكَ لِيَكُونَ ثِقَةً لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ) «فَمَنْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ فَبَايَعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا فَرُخِّصَ لَهُ فِي الرِّهَانِ الْمَقْبُوضَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إِنْ وَجَدَ كَاتِبًا أَنْ يَرْتَهِنَ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] يَقُولُ: " كَاتِبًا يَكْتُبُ لَكُمْ، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ إِلَى أَجَلٍ، فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكْتَبَ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي الْمَقَامِ، فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ تَبَايَعُوا إِلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَجِدُوا كَاتِبًا، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ»
ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» يَعْنِي بِالْكِتَابِ: الْكَاتِبَ وَالصَّحِيفَةَ وَالدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» ، قَالَ: «رُبَّمَا وَجَدَ الرَّجُلُ الصَّحِيفَةَ وَلَمْ يَجِدْ كَاتِبًا»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، كَانَ يَقْرَؤُهَا: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» وَيَقُولُ: «رُبَّمَا وُجِدَ الْكَاتِبُ وَلَمْ تُوجَدِ الصَّحِيفَةُ أَوِ الْمِدَادُ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ: «وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» يَقُولُ: " مِدَادًا، يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِدَادًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الرُّهُونُ الْمَقْبُوضَةُ، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] قَالَ: لَا يَكُونُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، قَالَ: إِنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ كَانَ يَقْرَؤُهَا: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا كِتَابًا» قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: «تُوجَدُ الدَّوَاةُ وَلَا تُوجَدُ الصَّحِيفَةُ» وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] بِمَعْنَى جِمَاعِ رَهْنٍ، كَمَا الْكِبَاشِ جِمَاعُ كَبْشٍ، وَالْبِغَالُ جِمَاعُ بَغْلٍ، وَالنِّعَالُ جِمَاعُ نَعْلٍ، وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ: (فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ) عَلَى مَعْنَى جَمْعِ رِهَانٍ وَرُهْنٍ جَمْعَ الْجَمْعِ، وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا جَمْعَ رَهْنٍ مِثْلَ سَقْفٍ وَسُقُفٍ، وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: (فَرُهْنٌ) مُخَفَّفَةَ الْهَاءِ، عَلَى مَعْنَى جِمَاعِ رَهْنٍ، كَمَا تَجْمَعُ السَّقْفَ سُقْفًا؛ قَالُوا: وَلَا نَعْلَمُ اسْمًا عَلَى فَعْلٍ يُجْمَعُ عَلَى فُعُلٍ وَفُعْلٍ إِلَّا الرُّهُنَ وَالرُّهْنَ وَالسُّقُفَ وَالسُّقْفَ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعَ الْمَعْرُوفَ لِمَا كَانَ مِنَ اسْمٍ عَلَى فَعْلٍ، كَمَا يُقَالُ حَبْلٌ وَحِبَالٌ، وَكَعْبٌ
وَكِعَابٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ، فَأَمَّا جَمْعُ الْفِعْلِ عَلَى الْفُعْلِ أَوِ الْفُعُلِ فَشَاذٌّ قَلِيلٌ إِنَّمَا جَاءَ فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةَ، وَقِيلَ: سَقْفٌ وَسُقُفٌ وَسُقْفٌ، وَقَلْبٌ وَقُلْبٌ وَقُلُبٌ مِنْ قُلُبِ النَّخْلِ، وَجَدٌّ وَجُدٌّ، لِلْجَدِّ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْحَظِّ، وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ «فَعْلٍ» عَلَى فُعْلٍ فَثَطٌّ وَثُطٌّ، وَوَرْدٌ وَوُرْدٌ، وَخَوْدٌ وَخُودٌ، وَإِنَّمَا دَعَا الَّذِي قَرَأَ ذَلِكَ: (فَرُهْنٌ مَقْبُوضَةٌ) إِلَى قِرَاءَتِهِ فِيمَا أَظُنُّ كَذَلِكَ مَعَ شُذُوذِهِ فِي جَمْعِ فَعْلٍ، أَنَّهُ وَجَدَ الرِّهَانَ مُسْتَعْمَلَةً فِي رِهَانِ الْخَيْلِ، فَأَحَبَّ صَرْفَ ذَلِكَ عَنِ اللَّفْظِ الْمُلْتَبِسِ بِرِهَانِ الْخَيْلِ، الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ مَعْنَى الرِّهَانِ، الَّذِي هُوَ جَمْعُ رَهْنٍ، وَوَجَدَ الرُّهُنَ مَقُولًا فِي جَمْعِ رَهْنٍ، كَمَا قَالَ قَعْنَبٌ: [البحر البسيط] بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ ... وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: فَإِنْ كَانَ الْمَدِينُ أَمِينًا عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ وَالدَّيْنِ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ فِي سَفَرِهِ رَهْنًا بِدَيْنِهِ لِأَمَانَتِهِ عِنْدَهُ عَلَى مَالِهِ وَثِقَتِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ الْمَدِينُ رَبَّهُ، يَقُولُ: فَلْيَخَفِ اللَّهَ
رَبَّهُ فِي الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ أَنْ يَجْحَدَهُ، أَوْ يُلِطَّ دُونَهُ، أَوْ يُحَاوِلَ الذَّهَابَ بِهِ، فَيَتَعَرَّضَ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ مَا لَا قَبَلَ لَهُ بِهِ، وَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ الَّذِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ إِلَيْهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: هَذَا الْحُكْمَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَاسِخٌ الْأَحْكَامَ الَّتِي فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالشُّهُودِ وَالْكِتَابِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] «إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَّا الْحَضَرُ فَلَا وَهُوَ وَاجِدٌ كَاتِبًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ وَلَا يَأْمَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الضَّحَّاكُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الدَّيْنِ ائْتِمَانُ الْمَدِينِ وَهُوَ وَاجِدٌ إِلَى الْكَاتِبِ وَالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَإِنْ كَانَا فِي سَفَرٍ، فَكَمَا قَالَ لِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنَ الْأَمْرِ فِي الرَّهْنِ أَيْضًا كَذَلِكَ مِثْلُ الِائْتِمَانِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْحَقِّ الِارْتِهَانُ بِمَالِهِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ سَبِيلًا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اشْتَرَى طَعَامًا نِسَاءً، وَرَهَنَ بِهِ دِرْعًا لَهُ، فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْهَنَ بِمَا عَلَيْهِ، وَيَرْتَهِنَ بِمَالِهِ مِنْ حَقٍّ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ؛ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ حِينَ رَهَنَ مِنْ ذَكَرْنَا غَيْرَ وَاجِدٍ كَاتِبًا وَلَا شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَذَّرًا عَلَيْهِ بِمَدِينَتِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ غَيْرَ أَنَّهُمَا إِذَا تَبَايَعَا بِرَهْنٍ، فَالْوَاجِبُ
عَلَيْهِمَا إِذَا وَجَدَا سَبِيلًا إِلَى كَاتِبٍ وَشَهِيدٍ، وَكَانَ الْبَيْعُ أَوِ الدَّيْنُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَنْ يَكْتُبَا ذَلِكَ وَيُشْهِدَا عَلَى الْمَالِ وَالرَّهْنِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ الْكَاتِبِ وَالْإِشْهَادِ فِي ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةُ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283] وَهَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَمَرَ الْمُسْتَدِينَ وَرَبَّ الْمَالِ بِإِشْهَادِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا، وَلَا تَكْتُمُوا أَيُّهَا الشُّهُودُ بَعْدَ مَا شَهِدْتُمْ شَهَادَتَكُمْ عِنْدَ
الْحُكَّامِ، كَمَا شَهِدْتُمْ عَلَى مَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَجِيبُوا مَنْ شَهِدْتُمْ لَهُ إِذَا دَعَاكُمْ لِإِقَامَةِ شَهَادَتِكُمْ عَلَى خَصْمِهِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي يَأْخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ الشَّاهِدَ جَلَّ ثناؤُهُ مَا عَلَيْهِ فِي كِتْمَانِ شَهَادَتِهِ وَإِبَائِهِ مِنْ أَدَائِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا عِنْدَ حَاجَةِ الْمُسْتَشْهِدِ إِلَى قِيَامِهِ بِهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، أَوْ ذِي سُلْطَانٍ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ [البقرة: 283] يَعْنِي وَمَنْ يَكْتُمْ شَهَادَتَهُ، ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] يَقُولُ: فَاجِرٌ قَلْبُهُ، مُكْتَسِبٍ بِكِتْمَانِهِ إِيَّاهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] «فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ شَهَادَةً هِيَ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ وَالْوَالِدَيْنِ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَقَدْ رَكِبَ إِثْمًا عَظِيمًا»
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] يَقُولُ: «فَاجِرٌ قَلْبُهُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72] ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] " وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ حَيْثُمَا اسْتُشْهِدَ وَيُخْبِرَ بِهَا حَيْثُ اسْتُخْبِرَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِذَا كَانَتْ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَسَأَلَكَ عَنْهَا، فَأَخْبِرْهُ بِهَا، وَلَا تَقُلْ: أُخْبِرُ بِهَا عِنْدَ الْأَمِيرِ، أَخْبِرْهُ بِهَا لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ أَوْ يَرْعَوِي وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِمَا تَعْمَلُونَ فِي شَهَادَتِكُمْ مِنْ إِقَامَتِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا أَوْ كِتْمَانِكُمْ إِيَّاهَا عِنْدَ حَاجَةِ مَنِ اسْتَشْهَدَكُمْ إِلَيْهَا، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَرَائِرِ أَعْمَالِكُمْ وَعَلَانِيَتِهَا، ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283] يُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ لِيَجْزِيَكُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمْ، إِمَّا خَيْرًا، وَإِمَّا شَرًّا عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لِلَّهِ مُلْكُ كُلِّ مَا
فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَإِلَيْهِ تَدْبِيرُ جَمِيعِهِ، وَبِيَدِهِ صَرْفُهُ وَتَقْلِيبُهُ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مُدَبِّرُهُ وَمَالِكُهُ وَمُصَرِّفُهُ، وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ كِتْمَانَ الشُّهُودِ الشَّهَادَةَ، يَقُولُ: لَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ أَيُّهَا الشُّهُودُ، وَمَنْ يَكْتُمْهَا يَفْجُرْ قَلْبُهُ، وَلَنْ يَخْفَى عَلَيَّ كِتْمَانُهُ، وَذَلِكَ لِأَنِّي بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَبِيَدِي صَرْفُ كُلِّ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلْكُهُ، أَعْلَمُهُ خَفِيَّ ذَلِكَ وَجَلِيَّهُ، فَاتَّقُوا عِقَابِي إِيَّاكُمْ عَلَى كِتْمَانِكُمُ الشَّهَادَةَ.
وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَنْ كَتَمَهَا وَتَخْوِيفًا مِنْهُ لَهُ بِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ وَبِمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنِ انْطَوَى كُشْحًا عَلَى مَعْصِيَةٍ فَأَضْمَرَهَا، أَوْ أَظْهَرَ مُوبِقَةً فَأَبْدَاهَا مِنْ نَفْسِهِ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284] يَقُولُ: وَإِنْ تُظْهِرُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى حَقِّ رَبِّ الْمَالِ الْجُحُودَ وَالْإِنْكَارَ، أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فَتُضْمِرُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سَيِّئِ أَعْمَالِكُمْ، ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] يَعْنِي بِذَلِكَ: يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ أَعْمَالِهِ، فَيُجَازِي مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيئِينَ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وَغَافِرٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيئِينَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الشُّهُودَ فِي كِتْمَانِهِمُ الشَّهَادَةَ، وَأَنَّهُ لَاحِقٌ بِهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ مِمَّنْ أَضْمَرَ مَعْصِيَةً أَوْ أَبْدَاهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو زَائِدَةَ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو نُفَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] يَقُولُ: «يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284] قَالَ: «فِي الشَّهَادَةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: سُئِلَ دَاوُدُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 284] فَحَدَّثَنَا عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «هِيَ الشَّهَادَةُ إِذَا كَتَمْتَهَا»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: 284] قَالَ: «فِي الشَّهَادَةِ»