سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَبِنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[الحجرات: 1] يَقُولُ: لَا تَعْجَلُوا بِقَضَاءِ أَمْرٍ فِي حُرُوبِكُمْ أَوْ دِينِكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ لَكُمْ فِيهِ وَرَسُولُهُ، فَتَقْضُوا بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، مَحْكِيُّ عَنِ الْعَرَبِ فُلَانٌ يُقْدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ إِمَامِهِ، بِمَعْنَى يَعْجَلُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ دُونَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ بِالْبَيَانِ عَنْ مَعْنَاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] يَقُولُ: «لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] الْآيَةَ قَالَ: «نُهُوا أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قَالَ: «لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا لَوُضِعَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَكَرِهَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ، وَقَدَّمَ فِيهِ "
وَقَالَ الْحَسَنُ: «أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَبَحُوا قَبْلَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قَالَ: " إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا، لَوْ أُنْزِلَ فِي كَذَا " وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ قَوْمٌ نَحَرُوا قَبْلَ أَنْ
يُصَلِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] «يَعْنِي بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ، وَكَانَ مِنْ أُمُورِهِمْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْضَى إِلَّا بِأَمْرِهِ مَا كَانَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قَالَ: «لَا تَقْطَعُوا الْأَمْرَ دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ»
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قَالَ: «لَا تَقْضُوا أَمْرًا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ» وَبِضَمِّ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: 1] قَرَأَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِخِلَافِهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ قَدَّمْتُ فِي كَذَا، وَتَقَدَّمْتُ فِي كَذَا، فَعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ لَوْ كَانَ قِيلَ: (لَا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التَّاءِ كَانَ جَائِزًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] يَقُولُ: وَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فِي
قَوْلِكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ بِهِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ، وَرَاقِبُوهُ، إِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِمَا تَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا تُرِيدُونَ بِقَوْلِكُمْ إِذَا قُلْتُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ضَمَائِرِ صُدُورِكُمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأُمُورِ غَيْرِكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ تَتَجَهَّمُوهُ بِالْكَلَامِ،
وَتُغْلِظُونَ لَهُ فِي الْخِطَابِ ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] يَقُولُ: وَلَا تُنَادُوهُ كَمَا يُنَادِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] قَالَ «لَا تُنَادُوهُ نِدَاءً، وَلَكِنْ قَوْلًا لَيِّنًا يَا رَسُولَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] «كَانُوا يَجْهَرُونَ لَهُ بِالْكَلَامِ، وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: «كَانُوا يَرْفَعُونَ وَيَجْهَرُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوُعِظُوا، وَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] الْآيَةَ، هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] «نَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يُنَادُوهُ كَمَا يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُشَرِّفُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ، وَيَدْعُوهُ إِذَا دَعَوْهُ بِاسْمِ النُّبُوَّةِ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو ثَابِتِ بْنِ ثَابِتٍ قَيْسُ بْنُ الشَّمَّاسِ قَالَ: ثَنِي عَمِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ شَمَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: 2] قَالَ: قَعَدَ ثَابِتٌ فِي الطَّرِيقِ يَبْكِي قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟ قَالَ: لَهَذِهِ الْآيَةُ، أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِيَّ، وَأَنَا صَيِّتٌ رَفِيعُ الصَّوْتِ قَالَ: فَمَضَى عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَغَلَبَهُ الْبُكَاءُ قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ جَمِيلَةَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ بَيْتَ فَرَسِي، فَشُدِّي عَلَيَّ الضَّبَّةَ بِمِسْمَارٍ،
فَضَرَبَتْهُ بِمِسْمَارٍ حَتَّى إِذَا خَرَجَ عَطَفَهُ وَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَتَوَفَّانِي اللَّهُ، أَوْ يَرْضَى عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَالَ: وَأَتَى عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُهُ لِي» فَجَاءَ عَاصِمٌ إِلَى الْمَكَانِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَهُ فِي بَيْتِ الْفَرَسِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوكَ، فَقَالَ: اكْسِرِ الضَّبَّةَ قَالَ: فَخَرَجَا فَأَتَيَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا ثَابِتُ؟» فَقَالَ: أَنَا صَيِّتٌ، وَأَتَخَوَّفُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيَّ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: 2] فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» فَقَالَ: رَضِيتُ بِبُشْرَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا أَرْفَعُ صَوْتِي أَبَدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3] الْآيَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْزُونٌ، فَقَالَ: «يَا ثَابِتُ مَا الَّذِي أَرَى بِكَ؟» فَقَالَ: آيَةٌ قَرَأْتُهَا اللَّيْلَةَ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ حَبِطَ عَمَلِي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] وَكَانَ فِي أُذُنِهِ صَمَمٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ رَفَعْتُ صَوْتِي، وَجَهَرْتُ لَكَ بِالْقَوْلِ، وَأَنْ أَكُونَ قَدْ حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا لَا أَشْعُرُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «امْشِ عَلَى الْأَرْضِ نَشِيطًا فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] الْآيَةَ قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: فَأَنَا كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ، فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَلَئِنْ شِئْتَ لَأَعْلَمَنَّ لَكَ عِلْمَهُ، فَقَالَ: «نَعَمْ» ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَفَقَّدَكَ، وَسَأَلَ عَنْكَ، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] الْآيَةَ وَأَنَا كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَجْهَرُ لَهُ بِالْقَوْلِ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ انْهَزَمَ النَّاسُ، فَقَالَ: «أُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَمَا يَعْبُدُونَ، وَأُفٍّ لِهَؤُلَاءِ وَمَا يَصْنَعُونَ» ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ خَلُّوا لِي بِشَيْءٍ لَعَلي أَصْلَى بِحَرِّهَا سَاعَةً قَالَ: وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى ثُلْمَةٍ، فَقَتَلَ وَقُتِلَ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] قَالَ: يَا نَبِيِّ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، نَهَانَا اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَإِنِّي امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَنَهَى اللَّهُ الْمَرْءَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، فَأَجِدُنِي أُحِبُّ أَنْ أُحْمَدَ؛ وَنَهَى اللَّهُ عَنِ الْخُيَلَاءِ وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الْجَمَالَ؛ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ثَابِتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ: ثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَمِيلٍ الْجُمَحِيُّ قَالَ: ثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " قَدِمَ وَفْدٌ أَرَاهُ قَالَ: تَمِيمٌ، عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى قَوْمِهِ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ قَالَ: وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 3] قَالَ: فَمَا حَدَّثَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: 2] يَقُولُ: أَنْ لَا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ فَتَذْهَبَ بَاطِلَةً لَا ثَوَابَ لَكُمْ عَلَيْهَا، وَلَا جَزَاءَ بِرَفْعِكُمْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ نَبِيِّكُمْ، وَجَهْرِكُمْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَاهُ: لَا تَحْبَطُ أَعْمَالُكُمْ قَالَ: وَفِيهِ الْجَزْمُ وَالرَّفْعُ إِذَا وَضَعَتْ «لَا» مَكَانَ «أَنْ» قَالَ: وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَزْمِ، وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَالَ: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ: أَيْ مَخَافَةَ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَقَدْ يُقَالُ: أَسْنِدِ الْحَائِطَ أَنْ يَمِيلَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55] يَقُولُ: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَدْرُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكُفُّونَ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْغَضِّ: الْكَفُّ فِي لِينٍ وَمِنْهُ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَهُوَ كَفُّهُ عَنِ النَّظَرِ، كَمَا قَالَ
جَرِيرٌ: فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلَا كَعْبًا بَلَغَتْ وَلَا كِلَابًا
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، هُمُ الَّذِينَ اخْتَبَرَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِامْتِحَانِهِ إِيَّاهَا، فَاصْطَفَاهَا وَأَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى، يَعْنِي لِاتِّقَائِهِ بِأَدَاءِ طَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، كَمَا يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ بِالنَّارِ، فَيَخْلُصُ
جَيِّدُهَا، وَيَبْطُلُ خَبَثُهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات: 3] قَالَ: «أَخْلَصَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات: 3] قَالَ: «أَخْلَصَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فِيمَا أَحَبَّ»
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] يَقُولُ: لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَفْوٌ عَنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ، وَصَفْحٌ مِنْهُ عَنْهَا لَهُمْ ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] يَقُولُ: وَثَوَابٌ جَزِيلٌ، وَهُوَ الْجَنَّةُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ وَرَاءِ حُجْرَاتِكَ، وَالْحُجْرَاتُ: جَمْعُ حُجْرَةٍ،
وَالثَّلَاثُ: حُجْرٌ، ثُمَّ تُجْمَعُ الْحُجَرُ فَيُقَالُ: حُجُرَاتٌ وَحُجْرَاتٌ، وَقَدْ تَجْمَعُ بَعْضُ الْعَرَبِ الْحُجَرَ: حُجَرَاتٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جَمْعٍ كَانَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ عَلَى فُعَلَ يَجْمَعُونَهُ عَلَى فَعَلَاتٍ بِفَتْحِ ثَانِيهِ، وَالرَّفْعُ أَفْصَحُ وَأَجْوَدُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَمَا كَانَ عَبَّادٌ كَفِيئَا لِدَارِمٍ ... بَلَى وَلِأَبْيَاتٍ بِهَا الْحُجُرَاتُ يَقُولُ: بَلَى وَلِبَنِي هَاشِمٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: 63] يَقُولُ: أَكْثَرُهُمْ جُهَّالٌ بِدِينِ اللَّهِ، وَاللَّازِمُ لَهُمْ مِنْ حَقِّكَ وَتَعْظِيمِكَ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءُوا يُنَادُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاءِ حُجْرَاتِهِ: يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إِلَيْنَا
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَا: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4] قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ: «ذَاكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «ذَاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ دَاودَ الطُّفَاوِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُسْلِمٍ الْبَجَلِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: جَاءَ
أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا نَعِشْ فِي جَنَاحِهِ؛ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا إِلَى حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4] قَالَ: فَأَخَذَ نَبِيُّ اللَّهِ بِأُذُنِي فَمَدَّهَا، فَجَعَلَ يَقُولُ: «قَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ، قَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يَا زَيْدُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ قَالَ: ثَنَا وهَيْبٌ قَالَ: ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: ثَنِي الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وَإِنَّ شَتْمِي شَيْنٌ؛ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «وَيْلَكَ ذَلِكَ اللَّهُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4] الْآيَةَ