وَقَدِ اخْتَلَفَتِ أَلْفَاظُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ [المائدة: 111] وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الْمَعَانِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وَزَاذَانَ، قَالَا: «كَانَتِ الْأَيْدِي تَخْتَلِفُ عَلَيْهَا بِكُلِّ طَعَامٍ»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ، فِي: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 112] ، قَالَا: «رَأَوُا الْأَيْدِي تَخْتَلِفُ عَلَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّحْمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَائِدَةً.
ثُمَّ اخْتَلَفَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ نَهَاهُمْ بِهِ عَنْ مَسْأَلَةِ نَبِيِّ اللَّهِ الْآيَاتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: 114] ، قَالَ: مَثَلٌ ضُرِبَ، لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] اسْتَعْفَوْا مِنْهَا فَلَمْ تَنْزِلْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 115] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا فَلَمْ تَنْزِلْ
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: لَمْ تَنْزِلْ
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «مَائِدَةٌ عَلَيْهَا طَعَامٌ أَبَوْهَا حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ إِنْ كَفَرُوا، فَأَبَوْا أَنْ تَنْزِلَ، عَلَيْهِمْ»
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْمَائِدَةَ عَلَى الَّذِينَ سَأَلُوا عِيسَى مَسْأَلَتَهُ ذَلِكَ رَبَّهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَا بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ بَعْدِهِمْ غَيْرَ مَنِ انْفَرَدَ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْلُفُ وَعْدَهُ وَلَا يَقَعُ فِي خَبَرِهِ الْخُلْفُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا فِي كِتَابِهِ عَنْ إِجَابَةِ نَبِيِّهِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ مَا سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 115] ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 115] ، ثُمَّ لَا يُنَزِّلُهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى خَبَرٌ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُ خِلَافُ مَا يُخْبِرُ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ يَقُولَ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 115] ، ثُمَّ لَا يُنَزِّلُهَا عَلَيْهِمْ، جَازَ أَنْ يَقُولَ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] ، ثُمَّ يَكْفُرُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُعَذِّبُهُ، فَلَا يَكُونُ لِوَعْدِهِ وَلَا لِوَعِيدِهِ حَقِيقَةٌ وَلَا صِحَّةٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفَ رَبُّنَا تَعَالَى بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ، فَأَنْ يُقَالَ: كَانَ عَلَيْهَا مَأْكُولٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ سَمَكًا وَخُبْزًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ثَمَرًا مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، وَغَيْرُ نَافِعٍ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا ضَارٌّ الْجَهْلُ بِهِ، إِذَا أَقَرَّ تَالِي الْآيَةِ بِظَاهِرِ مَا احْتَمَلَهُ التَّنْزِيلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَهَذَا جَوَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْقَوْمَ فِيمَا سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ عِيسَى مَسْأَلَةَ رَبِّهِمْ مِنْ إِنْزَالِهِ مَائِدَةً عَلَيْهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْحَوَارِيُّونَ
فَمُطْعِمُكُوهَا فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ يَقُولُ: فَمَنْ يَجْحَدْ بَعْدَ إِنْزَالِهَا
عَلَيْكُمْ وَإِطْعَامُكُمُوهَا مِنْكُمْ رِسَالَتِي إِلَيْهِ، وَيُنْكِرُ نُبُوَّةَ نَبِيِّي عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُخَالِفُ طَاعَتِي فِيمَا أَمَرْتُهُ وَنَهَيْتُهُ، فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ عَالَمِي زَمَانِهِ.
فَفَعَلَ الْقَوْمُ، فَجَحَدُوا وَكَفَرُوا بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا، فَعُذِّبُوا فِيمَا بَلَغَنَا بِأَنْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ
كَالَّذِي حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 115] الْآيَةَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ حُوِّلُوا خَنَازِيرَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْقَوَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا ثَلَاثَةٌ: الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَآلُ فِرْعَوْنَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُغِيرَةِ الْقَوَّاسَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: " إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 115] بَعْدَمَا جَاءَتْهُ الْمَائِدَةُ، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذَابٍ لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ غَيْرَ أَهْلِ الْمَائِدَةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ
قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِعِيسَى حِينَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] قَالَ: لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِلَيْهِ، قَالَتِ النَّصَارَى مَا قَالَتْ، وَزَعَمُوا أَنَّ عِيسَى أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَـ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117] . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّهُ يَقُولُ لِعِيسَى ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] قَالَ: «وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ، فَرَاجَعَهُ بِمَا قَدْ رَأَيْتَ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ مَنْ كَانَ يَقُولُ فِي عِيسَى مَا يَقُولُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ بَاطِلًا»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ: ﴿قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] فَأُرْعِدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ، فَـ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116] الْآيَةَ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] ، مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ﴿وَإِذْ﴾ [البقرة: 30] بِمَعْنَى (وَإِذَا) ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: 51] بِمَعْنَى: يَفْزَعُونَ.
وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
[البحر الرجز]
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ الْعُلَا
وَالْمَعْنَى: إِذَا جَزَى.
وَكَمَا قَالَ الْأَسْوَدُ:
[البحر الطويل]
فَالْآنَ إِذْ هَازَلْتُهُنَّ فَإِنَّمَا ... يَقُلْنَ أَلَا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا
بِمَعْنَى: إِذَا هَازَلْتُهُنَّ.
وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا، وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ إِلَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] فِي الدُّنْيَا، وَأُعَذِّبُهُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ، ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ السُّدِّيِّ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لِعِيسَى حِينَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ خَبَرٌ عَمَّا مَضَى لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ (إِذْ) إِنَّمَا تُصَاحِبُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهَا الْمَاضِيَ مِنَ الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَدْخُلُهَا أَحْيَانًا فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ عَمَّا يَحْدُثُ إِذَا عَرَفَ السَّامِعُونَ مَعْنَاهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ فَاشٍ وَلَا فَصِيحٍ فِي كَلَامِهِمْ، فَتَوْجِيهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْأَشْهَرِ الْأَعْرَفِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ السَّبِيلُ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهَا إِلَى الْأَجْهَلِ الْأَنْكَرِ.
وَالْأُخْرَى: أَنَّ عِيسَى لَمْ يَشُكَّ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى عِيسَى أَنْ يَقُولَ فِي الْآخِرَةِ مُجِيبًا لِرَبِّهِ تَعَالَى: إِنْ تُعَذِّبْ مَنِ اتَّخَذَنِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِكَ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ وَجْهُ سُؤَالِ اللَّهِ عِيسَى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِأَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؟ قِيلَ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ.
أَحَدُهُمَا: تَحْذِيرُ عِيسَى عَنْ قِيلِ ذَلِكَ وَنَهْيُهُ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ مِمَّا يَعْلَمُ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ يَسْتَعْظِمُ فِعْلَ مَا قَالَ لَهُ: (أَفَعَلْتَهُ) عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وَالتَّهْدِيدِ لَهُ فِيهِ.
وَالْآخَرُ: إِعْلَامُهُ أَنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ قَدْ خَالَفُوا عَهْدَهُ وَبَدَّلُوا دِينَهُمْ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ جَامِعًا إِعْلَامَهُ حَالَهُمْ بَعْدَهُ وَتَحْذِيرَهُ لَهُ قِيلَهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ [المائدة: 116] ، أَيْ مَعْبُودَيْنِ تَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قَالَ عِيسَى: تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبِّ وَتَعْظِيمًا أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ أَوْ أَتَكَلَّمَ بِهِ، مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، يَقُولُ: لَيْسَ لِي أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ لِأَنِّي عَبْدٌ مَخْلُوقٌ، وَأُمِّي أَمَةٌ لَكَ، فَهَلْ يَكُونُ لِلْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ادِّعَاءُ رُبُوبِيَّةٍ؟ ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116] ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ عَالِمٌ أَنِّي لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ وَلَمْ آمُرْهُمْ بِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَبْرَأُ إِلَيْهِ مِمَّا قَالَتْ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ الْكَفَرَةُ مِنَ النَّصَارَى أَنْ يَكُونَ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ أَوْ أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ
أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، ثُمَّ قَالَ: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، يَقُولُ: إِنَّكَ يَا رَبِّ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ مَا أَضْمَرَتْهُ نَفْسِي مِمَّا لَمْ أَنْطِقْ بِهِ وَلَمْ أُظْهِرْهُ بِجَوَارِحِي، فَكَيْفَ بِمَا قَدْ نَطَقْتُ بِهِ وَأَظْهَرْتُهُ بِجَوَارِحِي؟ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ
قَدْ قُلْتُ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَهُ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ ضَمَائِرَ النُّفُوسِ مِمَّا لَمْ تَنْطِقْ بِهِ، فَكَيْفَ بِمَا قَدْ نَطَقَتْ بِهِ؟ وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُ أَنَا مَا أَخْفَيْتَهُ عَنِّي فَلَمْ تُطْلِعْنِي عَلَيْهِ، لِأَنِّي إِنَّمَا أَعْلَمُ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا أَعْلَمْتِنِيهِ.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يَقُولُ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا سِوَاكَ وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قَوْلِ عِيسَى يَقُولُ: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ
أَقُولَهُ لَهُمْ، وَهُوَ أَنْ قُلْتُ لَهُمُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا يَقُولُ: وَكُنْتُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَهُ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ شَاهِدًا عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يَقُولُ: فَلَمَّا قَبَضْتَنِي إِلَيْكَ، كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يَقُولُ: كُنْتَ أَنْتَ الْحَفِيظَ عَلَيْهِمْ دُونِي، لِأَنِّي إِنَّمَا شَهِدْتُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مَا عَمِلُوهُ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
وَفِي هَذَا تِبْيَانٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَرَّفَهُ أَفْعَالَ الْقَوْمِ وَمَقَالَتَهُمْ بَعْدَمَا قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَتَوَفَّاهُ بِقَوْلِهِ: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يَقُولُ: وَأَنْتَ تَشْهَدُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ، وَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا شَهِدْتُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ مَا عَايَنْتُ وَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِ الْقَوْمِ، فَإِنَّمَا أَنَا أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي عَايَنْتُ وَرَأَيْتُ وَشَهِدْتُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 117] أَمَّا الرَّقِيبُ: فَهُوَ الْحَفِيظُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 117] قَالَ: الْحَفِيظُ وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَقُولُ: كَانَ جَوَابُ عِيسَى الَّذِي أَجَابَ بِهِ رَبَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفًا مِنْهُ لَهُ فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116] ، قَالَ: اللَّهُ وَقَّفَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ طَاوُسٍ قَالَ: " احْتُجَّ عِيسَى وَاللَّهُ وَقَّفَهُ: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] الْآيَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 116] قَالَ: فَأَرْعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَهَا، فَـ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنْ تُعَذِّبْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ بِإِمَاتَتِكَ إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لَكَ، لَا يَمْتَنِعُونَ مِمَّا أَرَدْتَ بِهِمْ، وَلَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا أَمْرًا
تَنَالُهُمْ بِهِ.
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بِهِدَايَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهَا فَتَسْتُرَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ أَرَادَ الِانْتِقَامَ مِنْهُ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُ، الْحَكِيمُ فِي هِدَايَتِهِ مَنْ هَدَى مِنْ خَلْقِهِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَتَوْفِيقِهِ مَنْ وَفَّقَ مِنْهُمْ لِسَبِيلِ النَّجَاةِ مِنَ الْعِقَابِ
كَالَّذِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: 118] فَتُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] ، وَهَذَا قَوْلُ عِيسَى فِي الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانُوا طَعَّانِينَ وَلَا لَعَّانِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ، فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ: (هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) بِنَصْبِ (يَوْمَ) . وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ بِرَفْعِ (يَوْمُ) . فَمَنْ رَفَعَهُ رَفَعَهُ بِهَذَا، وَجَعَلَ (يَوْمُ) اسْمًا، وَإِنْ كَانَتْ إِضَافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمَنْعُوتِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَرَبَ يُعْمِلُونَ فِي إِعْرَابِ الْأَوْقَاتِ مِثْلَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَمَلَهُمْ فِيمَا بَعْدَهَا، إِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا رَفْعًا رَفَعُوهَا، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا يَوْمُ يَرْكَبُ الْأَمِيرُ، وَلَيْلَةُ يَصْدُرُ الْحَاجُّ، وَيَوْمُ أَخُوكَ مُنْطَلِقٌ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا نَصْبًا نَصَبُوهَا، وَكَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: هَذَا يَوْمَ خَرَجَ الْجَيْشُ وَسَارَ النَّاسُ، وَلَيْلَةَ قُتِلَ زَيْدٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا فِي الْحَالَيْنِ (إِذْ) ، وَ (إِذَا) . وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ هَذَا هَكَذَا رَفْعًا وَجَّهَ الْكَلَامَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: 119] : هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَامِ عِيسَى، وَهَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي السُّدِّيُّ بِقَوْلِهِ: هَذَا فَصْلٌ مِنْ كَلَامِ عِيسَى، أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: 116] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا النَّصْبُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِضَافَةَ (يَوْمَ) مَا لَمْ تَكُنْ إِلَى اسْمٍ تَجْعَلُهُ نَصْبًا، لِأَنَّ الْإِضَافَةِ غَيْرُ مَحْضَةٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ مَحْضَةً إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمٍ صَحِيحٍ.
وَنَظِيرُ الْيَوْمِ فِي ذَلِكَ الْحِينُ وَالزَّمَانُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْأَزْمِنَةِ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر الطويل]
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْكَلَامِ هَذَا الْأَمْرُ وَهَذَا الشَّأْنُ، ( ﴿يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ [المائدة: 119] ) ، فَيَكُونُ الْيَوْمُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا عَلَى الْوَقْتِ وَالصِّفَةِ، بِمَعْنَى: هَذَا الْأَمْرُ فِي يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ: ( ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ [المائدة: 119] ) بِنَصْبِ الْيَوْمِ عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْوَقْتِ وَالصِّفَةِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ عِيسَى حِينَ قَالَ: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] ، فَقَالَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا الْقَوْلُ النَّافِعُ أَوْ هَذَا الصِّدْقُ النَّافِعُ يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، فَالْيَوْمَ وَقْتُ الْقَوْلِ وَالصِّدْقِ النَّافِعِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَوْضِعُ (هَذَا) ؟ قِيلَ: رَفْعٌ، فَإِنْ قَالَ: فَأَيْنَ رَافِعُهُ؟ قِيلَ: مُضْمَرٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا، هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
أَمَا تَرَى السَّحَابَ كَيْفَ يَجْرِي ... هَذَا وَلَا خَيْلُكَ يَا ابْنَ بِشْرِ
يُرِيدُ: هَذَا هَذَا، وَلَا خَيْلُكَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا لِمَا بَيَّنَّا: قَالَ اللَّهُ لِعِيسَى: هَذَا الْقَوْلُ النَّافِعُ فِي يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقُهُمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: لِلصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابًا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ صِدْقِهِمُ الَّذِي صَدَقُوا اللَّهَ فِيمَا وَعَدُوهُ، فَوَفَّوْا بِهِ لِلَّهِ، فَوَفَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ ثَوَابِهِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57] يَقُولُ: بَاقِينَ فِي الْجَنَّاتِ الَّتِي أَعْطَاهُمُوهَا أَبَدًا دَائِمًا لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُمْ وَلَا يَزُولُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْخُلُودِ: الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي الْوَفَاءِ لَهُ بِمَا وَعَدُوهُ مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَرَضُوا عَنْهُ يَقُولُ: وَرَضُوا هُمْ
عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي وَفَائِهِ لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ، فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ.
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا، مَرْضِيًّا عَنْهُمْ، وَرَاضِينَ عَنْ رَبِّهِمْ، هُوَ الظُّفُرُ الْعَظِيمُ بِالطِّلْبَةِ وَإِدْرَاكِ الْحَاجَةِ الَّتِي كَانُوا يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا، وَلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِيهَا، فَنَالُوا مَا طَلَبُوا وَأَدْرَكُوا مَا أَمْلَوْا