تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 5-15

سُورَةُ الْمَائِدَةِ

صفحات 5-15
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا عِشْرُونَ وَمِائَةٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: 1] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا﴾ [المائدة: 1] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ

, وَسَلَّمُوا لَهُ الْأُلُوهِيَّةَ , وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُبُوَّتِهِ وَفِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] يَعْنِي: أَوْفُوا بِالْعُهُودِ الَّتِي عَاهَدْتُمُوهَا رَبَّكُمْ وَالْعُقُودِ الَّتِي عَاقَدْتُمُوهَا إِيَّاهُ , وَأَوْجَبْتُمْ بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ حُقُوقًا وَأَلْزَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَا لِلَّهِ فُرُوضًا , فَأَتِمُّوهَا بِالْوَفَاءِ وَالْكَمَالِ وَالتَّمَامِ مِنْكُمْ لِلَّهِ بِمَا أَلْزَمَكُمْ بِهَا , وَلِمَنْ عَاقَدْتُمُوهُ مِنْكُمْ بِمَا أَوْجَبْتُمُوهُ لَهُ بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ , وَلَا تَنْكُثُوهَا فَتَنْقُضُوهَا بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ , بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعُقُودِ: الْعُهُودُ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَاقَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى النُّصْرَةِ

وَالْمُؤَازَرَةِ وَالْمُظَاهَرَةِ عَلَى مِنْ حَاوَلَ ظُلْمَهُ أَوْ بَغَاهُ سُوءًا , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْحَلِفِ الَّذِي كَانُوا يَتَعَاقَدُونَهُ بَيْنَهُمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْعُقُودِ الْعُهُودُ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] يَعْنِي: بِالْعُهُودِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْعُهُودُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُحَدِّثُهُمْ , فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «هِيَ الْعُهُودُ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْعُهُودُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قَالَ: «هِيَ الْعُهُودُ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] بِالْعُهُودِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «بِالْعُهُودِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «هِيَ الْعُهُودُ»

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ , يَقُولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «بِالْعُهُودِ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْعُقُودُ: جَمْعُ عَقْدٍ , وَأَصْلُ الْعَقْدِ: عَقْدُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ , وَهُوَ وَصْلُهُ بِهِ , كَمَا تَعْقِدُ الْحَبْلَ بِالْحَبَلِ: إِذَا وُصِلَ بِهِ شَدًّا , يُقَالَ مِنْهُ: عَقَدَ فُلَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ عَقْدًا فَهُوَ يَعْقِدُهُ , وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: [البحر البسيط]

قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا الْعَنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وَذَلِكَ إِذَا وَاثَقَهُ عَلَى أَمْرٍ , وَعَاهَدَهُ عَلَيْهِ عَهْدًا بِالْوَفَاءِ لَهُ بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ , مِنْ أَمَانٍ وَذِمَّةٍ , أَوْ نُصْرَةٍ , أَوْ نِكَاحٍ , أَوْ بَيْعٍ , أَوْ شَرِكَةٍ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ " ذِكْرُ مَنْ قَالَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ قَالَهُ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] أَيْ بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «أَوْفُوا بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ , وَلَا تُحْدِثُوا عَقْدًا فِي الْإِسْلَامِ» . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ , فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَلَّكَ تَسْأَلُ عَنْ حِلْفِ لَخْمٍ وَتَيْمِ اللَّهِ؟» فَقَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ.

قَالَ: «لَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: " عُقُودُ الْجَاهِلِيَّةِ: الْحِلْفُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْحِلْفُ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] يَعْنِي: مَا أُحِلَّ , وَمَا حُرِّمَ , وَمَا فُرِضَ , وَمَا حُدَّ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ , فَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا؛ ثُمَّ شَدَّدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 25] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] مَا عَقَدَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مِمَّا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ "

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَيَعْقِدُهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ , عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ , قَالَ: الْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الْإِيمَانِ , وَعُقْدَةُ النِّكَاحِ , وَعُقْدَةُ الْعَهْدِ , وَعُقْدَةُ الْبَيْعِ , وَعُقْدَةُ الْحَلِفِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ.
عنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ , عنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَوْ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ , نَحْوَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: " عَقْدُ الْعَهْدِ وَعَقْدُ الْيَمِينِ , وَعَقْدُ الْحَلِفِ , وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ , وَعَقْدُ النِّكَاحِ.
قَالَ: هَذِهِ الْعُقُودُ خَمْسٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عُتْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْحِمْصِيُّ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , قَالَ: ثنا أَبِي فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: " الْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ النِّكَاحِ , وَعَقْدُ الشَّرِكَةِ , وَعَقْدُ الْيَمِينِ , وَعُقْدَةُ الْعَهْدِ , وَعُقْدَةُ الْحِلْفِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِالْوَفَاءِ بِمَا أَخَذَ

بِهِ مِيثَاقَهُمْ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْعُهُودُ الَّتِي أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا جَاءَهُمْ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني اللَّيْثُ , قَالَ: ثني يُونُسُ , قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قَرَأْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَانَ , فَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ , فِيهِ: هَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فَكَتَبَ الْآيَاتِ مِنْهَا , حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199] وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , وَأَنَّ مَعْنَاهُ: أَوْفُوا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْكُمْ وَعَقَدَهَا , فِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ , وَأَلْزَمَكُمْ فَرْضَهُ , وَبَيَّنَ لَكُمْ حُدُودَهُ " وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ الْبَيَانَ عَمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِهِ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] أَمْرٌ مِنْهُ عِبَادَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ

فَرَائِضِهِ وَعُقُودِهِ عُقَيْبَ ذَلِكَ , وَنَهْي مِنْهُ لَهُمْ عَنْ نَقْضِ مَا عَقَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ , مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] أَمْرٌ مِنْهُ بِالْوَفَاءِ بِكُلِّ عَقْدٍ أَذِنَ فِيهِ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تَقُومَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِ شَيْءٍ مِنْهُ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهُ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِبَعْضِ الْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْفُوا﴾ [المائدة: 1] فَإِنَّ لِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَوْفُوا , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَوْفَيْتُ لِفُلَانٍ بِعَهْدِهِ أُوفِي لَهُ بِهِ؛ وَالْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِمْ: وَفَّيْتُ لَهُ بِعَهْدِهِ أَفِي.
وَالِإِيفَاءُ بِالْعَهْدِ: إِتْمَامُهُ عَلَى مَا عُقِدَ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِهِ الْجَائِزَةِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَحَلَّهَا لَنَا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى , عَنْ عَوْفٍ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ:

بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْأَنْعَامُ كُلُّهَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا ابْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْأَنْعَامُ كُلُّهَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: «الْأَنْعَامُ كُلُّهَا»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] هِيَ الْأَنْعَامُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] أَجِنَّةُ الْأَنْعَامِ الَّتِي تُوجَدُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا إِذَا نُحِرَتْ أَوْ ذُبِحَتْ مَيْتَةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ , عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] قَالَ: " مَا فِي بُطُونِهَا.
قَالَ: قُلْتُ: إِنْ خَرَجَ مَيِّتًا آكُلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا , عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ , وَزَادَ فِيهِ , قَالَ: نَعَمْ , هُوَ بِمَنْزِلَةِ رِئَتِهَا وَكَبِدِهَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: الْجَنِينُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوهُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ مِسْعَرٍ , وَسُفْيَانَ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَقَرَةً , نُحِرَتْ , فَوُجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ , فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَنَبِ الْجَنِينِ , فَقَالَ: هَذَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَكُمْ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: هُوَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , وَمُؤَمَّلٌ , قَالَا: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ قَابُوسَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: ذَبَحْنَا بَقَرَةً , فَإِذَا فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ , فَسَأَلْنا ابْنَ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: هَذِهِ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] الْأَنْعَامَ كُلَّهَا , أَجِنَّتَهَا وَسِخَالَهَا وَكِبَارَهَا , لِأَنَّ

الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ تَسْمِيَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ بَهِيمَةً وَبَهَائِمَ , وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ , فَذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ وَظَاهِرِهِ حَتَّى تَأْتِيَ حُجَّةٌ بِخُصُوصِهِ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
وَأَمَّا النَّعَمُ فَإِنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ: اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فَفَصَلَ جِنْسَ النَّعَمِ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ.
وَأَمَّا بَهَائِمُهَا فَإِنَّهَا أَوْلَادُهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَلْزَمُ الْكِبَارَ مِنْهَا اسْمُ بَهِيمَةٍ كَمَا يَلْزَمُ الصِّغَارَ , لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ , نَظِيرُ قَوْلِهِ: وَلَدُ الْأَنْعَامِ؛ فَلَمَّا كَانَ لَا يَسْقُطُ مَعْنَى الْوِلَادَةِ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ , فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ اسْمُ الْبَهِيمَةِ بَعْدَ الْكِبَرِ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: وَحْشِيُّهَا كَالظِّبَاءِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَالْحُمُرِ "

جارٍ التحميل