تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 589-600

سُورَةُ السَّجْدَةِ

صفحات 589-600
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا ثَلَاثُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ﴾ [السجدة: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا شَكَّ فِيهِ ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 61] يَقُولُ: مَنْ رَبِّ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ: " ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: 2] لَا شَكَّ فِيهِ ". وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِشَعْرٍ وَلَا سَجْعِ كَاهِنٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَخَرَّصَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا كَذَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بَكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5] ، وَقَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: 4]

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ: اخْتَلَقَ هَذَا الْكِتَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَتَكَذَّبَهُ؛ وَ «أَمْ» هَذِهِ تَقْرِيرٌ، وَقَدْ بَيَّنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا اعْتَرَضَتْ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي أَضْعَافِ كَلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ أَنْ يَسْتَفْهِمَ بِـ: أَمْ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ

مَعْنَى ذَلِكَ: وَيَقُولُونَ.
وَقَالَ: أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، بِمَعْنَى: بَلْ، فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ: مَا هُوَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ، مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا بَأْسَ اللَّهِ وَسَطْوَتَهُ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: 46] يَقُولُ: لَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَرْسَلَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ قَوْمُهُ مِنْ قُرَيْشٍ، نَذِيرٌ يُنْذِرُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ قَبْلَكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: 31] يَقُولُ: لِيَتَبَيَّنُوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَيَعْرِفُوهُ وَيُؤْمِنُوا بِهِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3] قَالَ: كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً، لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِنْ خَلْقٍ ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54] ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَعْدَ خَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا.
كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ.
يَقُولُ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَهٌ إِلَّا مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ، وَخَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ الْعَجِيبَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ "

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: 4] يَقُولُ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ دُونَهُ وَلِيٌّ يَلِي أَمْرَكُمْ وَيَنْصُرُكُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا، وَلَا شَفِيعَ يَشْفَعُ لَكُمْ عِنْدَهُ إِنْ هُوَ عَاقَبَكُمْ عَلَى مَعْصِيَتِكُمْ إِيَّاهُ، يَقُولُ: فَإِيَّاهُ فَاتَّخِذُوا وَلِيًّا، وَبِهِ وَبِطَاعَتِهِ فَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ إِذَا أَرَادَ

مَنْعَكُمْ مِمَّنْ أَرَادَكُمْ بِسُوءٍ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ عَمَّا أَرَادَ بِكُمْ هُوَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَفَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَتَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ دُونَهُ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعٌ، فَتُفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَتَخْلَعُوا مَا دُونَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ أَمْرِ خَلْقِهِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَقَدْرُ ذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مِثْلُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] يَعْنِي بِذَلِكَ نُزُولَ الْأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ، لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ [السجدة: 5] إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] يَقُولُ: مِقْدَارُ مَسِيرِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِكُمْ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ نُزُولُهُ، وَخَمْسُ مِائَةٍ صُعُودُهُ، فَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، " ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ هَذِهِ، وَهُوَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ "

قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا "

حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي الْحَارِثِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ [السجدة: 5] إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ هَذِهِ، مَسِيرَةُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ "

وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «تَنْحَدِرُ الْأُمُورُ وَتَصْعَدُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، مِقْدَارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ، خَمْسُ مِائَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ، وَخَمْسُ مِائَةٍ حَتَّى يَعْرُجَ» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِنَّ الْخَلْقَ، كَانَ مِقْدَارُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِكُمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: ذَلِكَ مِقْدَارُ الْمَسِيرِ، قَوْلُهُ ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] ، قَالَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أَنْتُمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: السِّتَّةُ الْأَيَّامُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ "

حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] يَعْنِي هَذَا الْيَوْمَ مِنَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ بِالْمَلَائِكَةِ، تَمَّ تَعْرُجُ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ [السجدة: 5] إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: هَذَا

فِي الدُّنْيَا، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ الَّذِي دَبَّرَهُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: ذُكِرَ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ قَالَ: " يَقْضِي أَمْرَ كُلِّ شَيْءٍ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى تَمْضِيَ أَلْفُ سَنَةٍ، ثُمَّ يَقْضِي أَمْرَ كُلِّ شَيْءٍ أَلْفًا، ثُمَّ كَذَلِكَ أَبَدًا، قَالَ: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: الْيَوْمُ أَنْ يُقَالَ لِمَا يَقْضِي إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَلْفَ سَنَةٍ: كُنْ فَيَكُونُ، وَلَكِنْ سَمَّاهُ يَوْمًا، سَمَّاهُ كَمَا بَيَّنَا كُلَّ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] قَالَ: هُوَ هُوَ سَوَاءً ".

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، مِقْدَارُ الْعُرُوجِ أَلْفُ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مِقْدَارُ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ حِينَ يُعْرَجُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ عُرُوجَهُ أَلْفُ سَنَةٍ، هَذَا مِقْدَارُ ذَلِكَ الْمِعْرَاجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَ يَعْرُجُ فِيهِ ". وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ، كَانَ مِقْدَارُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي عُرُوجِ ذَلِكَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ وَنُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أَيَّامِكُمْ، خَمْسُ مِائَةٍ فِي النُّزُولِ، وَخَمْسُ مِائَةٍ فِي الصَّعُودِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ، وَأَشْبَهُهَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي يَفْعَلُ مَا وَصَفْتُ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ، يَعْنِي عَالِمَ مَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَا تُبْصِرُونَهُ مِمَّا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، وَتُخْفِيهِ النُّفُوسُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ مِمَّا هُوَ

كَائِنٌ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] يَعْنِي مَا شَاهَدَتْهُ الْأَبْصَارُ فَأَبْصَرَتْهُ وَعَايَنَتْهُ، وَمَا هُوَ مَوْجُودٌ ﴿الْعَزِيزُ﴾ [البقرة: 129] يَقُولُ:

الشَّدِيدُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، وَأَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الفاتحة: 1] بِمَنْ تَابَ مِنْ ضَلَالَتِهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) بِسُكُونِ اللَّامِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] بِفَتْحِ اللَّامِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ

مَشْهُورَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ، وَأَحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَحْكَمَهُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِشْكَابُ قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] قَالَ: أَمَا إِنَّ اسْتَ الْقِرْدِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، وَلَكِنْ أَحْكَمَ خَلْقَهَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبُو النَّضْرِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ

خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: " ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] قَالَ: أَمَا إِنَّ اسْتَ الْقِرْدِ لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَحْكَمَهَا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] قَالَ: أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88] أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: الَّذِي حَسَّنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ " ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] حَسَّنَ عَلَى نَحْوِ مَا خَلَقَ "

وَذُكِرَ عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " هُوَ مِثْلُ ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50] ، قَالَ: فَلَمْ يَجْعَلْ خَلْقَ الْبَهَائِمِ فِي خَلْقِ النَّاسِ، وَلَا خَلْقَ النَّاسِ فِي خَلْقِ الْبَهَائِمِ، وَلَكِنْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَعْلَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ

الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ أَلَهَمَ خَلْقَهُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَحْسَنَ﴾ [السجدة: 7] إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ يُحْسِنُ كَذَا، إِذَا كَانَ يَعْلَمُهُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] قَالَ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، قَالَ: الْإِنْسَانُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْفَرَسُ لِلْفَرَسِ، وَالْحِمَارُ لِلْحِمَارِ ". وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، الْخَلْقُ وَالْكُلُّ مَنْصُوبَانِ بِوُقُوعِ أَحْسَنَ عَلَيْهِمَا.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] بِفَتْحِ اللَّامِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ أَحْكَمَ وَأَتْقَنَ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ إِذْ قُرِئَ كَذَلِكَ إِلَّا أَحَدُ وَجْهَيْنِ: إِمَّا هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ مَعْنَى الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ، أَوْ مَعْنَى التَّحْسِينِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ؛ فَلَمَّا كَانَ فِي خَلْقِهِ مَا لَا يُشَكُّ فِي قُبْحِهِ وَسَمَاجَتِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ أَنَّهُ أَحْسَنَ كُلَّ مَا خَلَقَ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحْكَمَهُ وَأَتْقَنَ صَنْعَتَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ بِتَسْكِينِ اللَّامِ، فَإِنَّ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَعْلَمَ وَأَلْهَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، هُوَ أَحْسَنَهُمْ، كَمَا قَالَ ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50] لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: الَّذِي أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ

جارٍ التحميل