وَقَوْلُهُ: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55] يَقُولُ: انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ بِعَاجِلِ الْعَذَابِ الَّذِي عَجَّلْنَاهُ لَهُمْ، فَأَغْرَقْنَاهُمْ جَمِيعًا فِي الْبَحْرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ (فَجَعَلْنَاهُمْ سُلُفًا) بِضَمِّ السِّينِ وَاللَّامِ، تَوْجِيهًا ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى جَمْعِ سَلِيفٍ مِنَ
النَّاسِ، وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَبَ تَقُولُ: مَضَى سَلِيفٌ مِنَ النَّاسِ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: 56] بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ الْجَمَاعَةُ وَالْوَاحِدُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلْقَوْمِ: أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ، وَقَدْ يُجْمَعُ فَيُقَالُ: هُمْ أَسْلَافٌ؛ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا» وَكَانَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «فَجَعَلْنَاهُمْ سُلَفًا» بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ تَوْجِيهًا مِنْهُ ذَلِكَ إِلَى جَمْعِ سُلْفَةٍ مِنَ النَّاسِ، مِثْلَ أُمَّةٍ مِنْهُمْ وَقِطْعَةٍ وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْجَوْدَاءُ، وَالْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَأَحَقُّ اللُّغَاتِ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ لغاتِ الْعَرَبِ أَفْصَحُهَا وَأَشْهَرُهَا فِيهِمْ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: فَجَعَلْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْرَقْنَاهُمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ مُقَدَّمَةً يَتَقَدَّمُونَ إِلَى النَّارِ، كُفَّارَ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكُفَّارُ قَوْمِكَ لَهُمْ بِالْأَثَرِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخَرِينَ﴾ [الزخرف: 56] قَالَ: «قَوْمُ فِرْعَوْنَ كُفَّارُهُمْ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: 56] «فِي النَّارِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ [الزخرف: 56] قَالَ: «سَلَفًا إِلَى النَّارِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56] يَقُولُ: وَعِبْرَةً وَعِظَةً يَتَّعِظُ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَيَنْتَهُوا عَنِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿ وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56] قَالَ: «عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56] «أَيْ عِظَةً لِلْآخِرِينَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56] «أَيْ عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾ [الزخرف: 56] قَالَ: «عِبْرَةً»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَّا شَبَّهَ اللَّهُ عِيسَى فِي إِحْدَاثِهِ وَإِنْشَائِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ بِآدَمَ، فَمَثَّلَهُ بِهِ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، إِذَا قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ ذَلِكَ يَضِجُّونَ وَيَقُولُونَ: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ مِنَّا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ إِلَهًا نَعْبُدُهُ، كَمَا عَبَدَتِ النَّصَارَى
الْمَسِيحَ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ» ؛ قَالَ: " قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَعْبُدَهُ كَمَا عَبَدَ قَوْمُ عِيسَى عِيسَى "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جَزَعَتْ قُرَيْشٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا ذَكَرْتَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقَالُوا: مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ إِلَّا أَنْ نَصْنَعَ بِهِ كَمَا صَنَعْتِ النَّصَارَى بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: 58] "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى فِي الْقُرْآنِ قَالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: يَا مُحَمَّدُ مَا أَرَدْتَ إِلَى ذِكْرِ عِيسَى؟ قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] قِيلُ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ نُزُولِهَا: قَدْ رَضِينَا بِأَنْ تَكُونَ آلِهَتُنَا مَعَ عِيسَى وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ مِمَّا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] وَقَالُوا: أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، ثَنَي أَبِي قَالَ، ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: يَعْنِي قُرَيْشًا لَمَّا قِيلَ لَهُمْ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: فَمَا ابْنُ مَرْيَمَ؟ قَالَ: «ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَبًّا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (يَصُدُّونَ) بضَمِّ الصَّادِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] بِكَسْرِ الصَّادِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي فَرْقِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِضَمِّ الصَّادِ، وَإِذَا قُرِئَ بِكَسْرِهَا، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلَ يَشُدُّ وَيَشِدُّ، وَيَنُمُّ وَيَنِمُّ مِنَ النَّمِيمَةِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: مَنْ كَسَرَ الصَّادَ فَمَجَازُهَا يَضِجُّونَ، وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَجَازُهَا يَعْدِلُونَ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَسَرَهَا: فَإِنَّهُ أَرَادَ يَضِجُّونَ، وَمَنْ ضَمَّهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ الصُّدُودَ عَنِ الْحَقِّ
وَحُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: ثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، " أَنَّ عَاصِمًا، تَرَكَ (يَصُدُّونَ) مِنْ قِرَاءَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَرَأَ: ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] "
قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَقِيَ ابْنَ أَخِي عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَقَالَ: " إِنَّ عَمَّكَ لَعَرَبِيُّ، فَمَا لَهُ يَلْحَنُ فِي قَوْلِهِ: «إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ» ، وَإِنَّمَا هِيَ ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قَرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَمْ نَجِدْ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا مَعْنَاهُ، لَقَدْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي تَأْوِيلِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ مَوْجُودًا وُجُودَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفَ الْمَعْنَى لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ تَأْوِيلَهُ: يَضِجُّونَ وَيَجْزَعُونَ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
ذِكْرُ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] يَقُولُ: «يَضِجُّونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ الضَّبِّيِّ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] ، وَكَانَ يُفَسِّرُهَا يَقُولُ: «يَضِجُّونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ» حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] «أَيْ يَجْزَعُونَ وَيَضِجُّونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] أَيْ " يَضِجُّونَ، وَقَرَأَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿يَصِدُّونَ﴾ [النساء: 61] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57] قَالَ: «يَضِجُّونَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ مُشْرِكُو قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ: آلِهَتُنَا الَّتِي نَعْبُدُهَا خَيْرٌ؟
أَمْ مُحَمَّدٌ فَنَعْبُدُ مُحَمَّدًا؟ وَنَتْرُكُ آلِهَتَنَا؟ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا»
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، «أَنَّ فِيَ حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا «يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ عِيسَى؟
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] قَالَ: «خَاصَمُوهُ» ، فَقَالُوا: يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي النَّارِ، فَنَحْنُ نَرْضَى أَنْ تَكُونَ آلِهَتُنَا مَعَ عِيسَى وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ قَدْ عُبِدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَةَ عِيسَى»
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: 58] قَالَ: «عَبَدَ هَؤُلَاءِ عِيسَى، وَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] إِلَى ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: 60] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا مَثَّلُوا لَكَ هَذَا الْمَثَلَ يَا مُحَمَّدُ وَلَا قَالُوا لَكَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا جَدَلًا وَخُصُومَةً يُخَاصِمُونَكَ بِهِ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَا بِقَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ
هَؤُلَاءِ
الْمُشْرِكِينَ فِي مُحَاجِّتِهِمْ إِيَّاكَ بِمَا يُحَاجُّونَكَ بِهِ طَلَبُ الْحَقِّ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58] يَلْتَمِسُونَ الْخُصُومَةَ بِالْبَاطِلِ وَذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا يَعْلَى قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» وَقَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: 58] الْآيَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: ثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى كَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» ، ثُمَّ تَلَا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا عِيسَى إِلَّا عَبْدٌ مِنِ عِبَادِنَا، أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ وَالْإِيمَانِ، وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ: وَجَعَلْنَاهُ آيَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِنَاهُ إِلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ إِلَيْنَا، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى مِنْ أَنَّهُ
ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ