الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] فَإِنْ وَجَدْتُمْ مِنْهُمْ وَعَرَفْتُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] «وَالْقَرِيبُ قَبْلَ الْمَوْتِ مَا دَامَ فِي صِحَّتِهِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] قَالَ: «فِي الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ يَتَوبُونَ مِنْ قَبْلِ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] «وَالْقَرِيبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي تَوْبَةٍ حَتَّى يُعَايِنَ الْمَلَائِكَةَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: " الْقَرِيبُ: مَا لَمْ تَنْزِلْ بِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَنْزِلْ بِهِ الْمَوْتُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] «لَهُ التَّوْبَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُعَايِنَ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَإِذَا تَابَ حِينَ يَنْظُرُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فَلَيْسَ لَهُ ذَاكَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْلِ الْمَوْتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] قَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] قَالَ: «الدُّنْيَا كُلُّهَا قَرِيبٌ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] «قَبْلَ الْمَوْتِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا لُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعُهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَثَمَّ أَبُو قِلَابَةَ، فَحَدَّثَ أَبُو قِلَابَةَ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظِرَةَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعُهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظِرَةَ، فَأَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ قَالَ: وَعِزَّتِي لَا أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ "
حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا رَأَى آدَمَ أَجْوَفَ، قَالَ وَعِزَّتِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَعِزَّتِي لَا أَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ؛ فَذَكَرَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُهُ ثُمَّ يَتُوبُونَ قَبْلَ مَمَاتِهِمْ فِي الْحَالِ الَّتِي يَفْهَمُونَ فِيهَا أَمْرَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَنَهْيَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يُغْلَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَقَبْلَ حَالِ اشْتِغَالِهِمْ بِكَرْبِ الْحَشْرَجَةِ وَغَمِّ الْغَرْغَرَةِ، فَلَا يَعْرِفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ، وَلَا يَعْقِلُوا التَّوْبَةَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ تَوْبَةً إِلَّا مِمَّنْ نَدِمَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ، وَعَزَمَ فِيهِ عَلَى تَرْكِ الْمُعَاوَدَةِ، وَهُوَ يَعْقِلُ النَّدَمَ، وَيَخْتَارُ تَرْكَ الْمُعَاوَدَةِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِكَرْبِ الْمَوْتِ مَشْغُولًا، وَبِغَمِّ الْحَشْرَجَةِ مَغْمُورًا، فَلَا إِخَالُهُ إِلَّا عَنِ النَّدَمِ عَلَى ذُنُوبِهِ مَغْلُوبًا، وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مَا لَمْ يُغَرْغِرِ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَعْقِلُ عَقْلَ الصَّحِيحِ، وَيَفْهَمُ فَهْمَ الْعَاقِلِ الْأَرِيبِ، فَأَحْدَثَ إِنَابَةً مِنْ ذُنُوبِهِ، وَرَجْعَةً مِنْ شُرُودِهِ عَنْ رَبِّهِ إِلَى طَاعَتِهِ كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ إِجْرَامِهِمْ مِنْ قَرِيبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ [البقرة: 81] فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 17] دُونَ مَنْ لَمْ يَتُبْ، حَتَّى غُلِبَ
عَلَى عَقْلِهِ وَغَمَرَتْهُ حَشْرَجَةُ مَيْتَتِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ لَا يَفْقَهُ مَا يَقُولُ: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] خِدَاعًا لِرَبِّهِ وَنِفَاقًا فِي دِينِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 17] يَرْزُقُهُمْ إِنَابَةً إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَتَقَبَّلُ مِنْهُمْ أَوْبَتَهُمْ إِلَيْهِ، وَتَوْبَتَهُمُ الَّتِي أَحْدَثُوهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ عَلِيمًا بِالنَّاسِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ بَعْدَ إِدْبَارِهِمْ عَنْهُ، الْمُقْبِلِينَ إِلَيْهِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ، حَكِيمٌ فِي تَوْبَتِهِ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَلَا يَدْخُلُ أَفْعَالَهُ خَلَلٌ، وَلَا يَخْلِطُهُ خَطَأٌ وَلَا زَلَلٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ مِنْ أَهْلِ الْإِصْرَارِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، حَتَّى إِذَا
حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، يَقُولُ: إِذَا حَشْرَجَ أَحَدُهُمْ بِنَفْسِهِ، وَعَايَنَ مَلَائِكَةَ رَبِّهِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ لِقَبْضِ رُوحِهِ قَالَ: وَقَدْ غُلِبَ عَلَى نَفْسِهِ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَهْمِهِ بِشُغْلِهِ بِكَرْبِ حَشْرَجَتِهِ وَغَرْغَرَتِهِ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، يَقُولُ فَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَوْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ فِي غَيْرِ حَالِ تَوْبَةٍ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَعْلَى بْنِ نُعْمَانٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ مَا لَمْ يُسَقْ» ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] ثُمَّ قَالَ: «وَهَلِ الْحُضُورُ إِلَّا السَّوْقُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] قَالَ: «إِذَا تَبَيَّنَ الْمَوْتَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ تَوْبَةً»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] «فَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ تَوْبَةٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَيْمُونٍ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، قَالَ: ثنا رَجُلٌ مِنَّا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ تِيبَ عَلَيْهِ» ، حَتَّى ذَكَرَ شَهْرًا، حَتَّى ذَكَرَ سَاعَةً، حَتَّى ذَكَرَ فَوَاقًا، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: «التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ مَا لَمْ يُؤْخَذْ بَكَظْمِهِ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ أَهْلُ النِّفَاقِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17] قَالَ: «نَزَلَتِ الْأُولَى فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَنَزَلَتِ الْوسْطَى فِي الْمُنَافِقِينَ» يَعْنِي: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18] «وَالْأُخْرَى فِي الْكُفَّارِ» يَعْنِي: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: بَلَغَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18] قَالَ: «هُمُ الْمُسْلِمُونِ» أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18]
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا نُسِخَتْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18] «فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ» : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] «فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَغْفِرَةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ، وَأَرْجَأَ أَهْلَ التَّوْحِيدِ إِلَى مَشِيئَتِهِ، فَلَمْ يُؤَيِّسْهُمْ مِنَ الْمَغْفِرَةِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ مَا ذَكَرَهُ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُفَّارٌ، فَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ أَهْلُ النِّفَاقِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18] مَعْنًى مَفْهُومٌ، لِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا هُمْ وَالَّذِينَ قَبْلَهُمْ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ أَنَّ جَمِيعَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَا وَجْهَ لِتَفْرِيقِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ بَطَلَ أَنْ تَكُونَ تَوْبَةُ وَاحِدٍ مَقْبُولَةً، وَفِي تَفْرِقَةِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ بَيْنَ أَسْمَائِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ بِأَنْ سَمَّى أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ كَافِرًا، وَوَصَفَ الصِّنْفَ الْآخَرَ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ سَيِّئَاتٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ كُفَّارًا مَا دَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ مَعَانِيهِمْ،
وَفِي صِحَّةِ كَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ صِحَّةُ مَا قُلْنَا، وَفَسَادُ مَا خَالَفَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَلَا التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» خَفْضٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18] وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا؛ لِأَنَّهُمْ أَبْعَدَهُمْ مِنَ التَّوْبَةِ كَوْنُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18] «أُولَئِكَ أَبْعَدُ مِنَ التَّوْبَةِ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ [النساء: 18] فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ [النساء: 18] أَفْعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ، قَالَ: وَمَعْنَاهَا: أَعْدَدْنَا وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: أَعْدَدْنَا وَأَعْتَدْنَا مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ [النساء: 18] أَعْدَدْنَا لَهُمْ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 18] يَقُولُ: مُؤْلِمًا مُوجِعًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19] يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِكَاحَ نِسَاءِ أَقَارِبِكُمْ وَآبَائِكُمْ كَرْهًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ كَانُوا يَرِثُونَهُنَّ؟ وَمَا وَجْهُ تَحْرِيمِ وِرَاثَتِهِنَّ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النِّسَاءَ مُوَرِّثَاتٌ كَمَا الرِّجَالُ مُوَرِّثُونَ؟ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى وِرَاثَتِهِنَّ إِذَا هُنَّ مُتْنَ فَتَرَكْنَ مَالًا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنَّهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا كَانَ ابْنُهُ أَوْ قَرِيبُهُ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْهَا بِنَفْسِهَا، إِنْ شَاءَ نَكَحَهَا وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا فَمَنَعَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى تَمُوتَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى عِبَادِهِ، وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ نِكَاحَ حَلَائِلِ آبَائِهِمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عَضْلِهِنَّ عَنِ النِّكَاحِ.
وَبِنَحْوِ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19] قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ»
وَحَدَّثني أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] «وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»