تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 52-68

﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَفْضَلُ

صفحات 52-68
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] : «أَنَا اللَّهُ، أَفْضَلُ»

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: ثنا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] «أَنَا اللَّهُ أَفْضَلُ» وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ هِجَاءُ حُرُوفِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْمُصَوِّرُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قَالَ: «هِيَ هِجَاءُ الْمُصَوِّرِ» وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَقْسَمَ رَبُّنَا بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] «قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿المص﴾ [الأعراف: 1] قَالَ: «اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ حُرُوفُ هِجَاءٍ مُقَطَّعَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مِنْ حِسَابِ الْجُمَّلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ حُرُوفٌ تَحْوِي مَعَانِيَ كَثِيرَةً دَلَّ بِهَا اللَّهُ خَلْقَهُ عَلَى مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ حُرُوفُ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ فِيهِ، وَتَعْلِيلَ كُلِّ فَرِيقٍ قَالَ فِيهِ قَوْلًا وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَأَدِلَّتِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْقُرْآنُ يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ.
وَرَفَعَ (الْكِتَابَ) بِتَأْوِيلِ: هَذَا كِتَابٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا يَضِقْ صَدْرُكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْإِنْذَارِ بِهِ مَنْ أَرْسَلْتُكَ لِإِنْذَارِهِ بِهِ، وَإِبْلَاغِهِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاهُ، وَلَا تَشُكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي، وَاصْبِرْ بِالْمُضِيِّ لِأَمْرِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ طَاعَتِهِ فِيمَا

كَلَّفَكَ وَحَمَّلَكَ مِنْ عِبْءِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ، كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ.
وَالْحَرَجُ: هُوَ الضِّيقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَأَدِلَّتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] ، قَالَ: «لَا تَكُنُ فِي شَكٍّ مِنْهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] قَالَ: « شَكٌّ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] : «شَكٌّ مِنْهُ» حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] ، قَالَ: " أَمَّا الْحَرَجُ: فَشَكٌّ "

حَدَّثَنَا الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 2] قَالَ: «شَكٌّ مِنَ الْقُرْآنِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّأْوِيلِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ هُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي الْحَرَجِ، لِأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ بِهِ وَقِلَّةِ الِاتِّسَاعِ لِتَوْجِيهِهِ وِجْهَتَهُ الَّتِي هِيَ وِجْهَتُهُ الصَّحِيحَةُ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْعِبَارَةَ عَنْهُ بِمَعْنَى الضِّيقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2]

يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتُنْذِرَ بِهِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِإِنْذَارِهِ، ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2] : وَهُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، وَمَعْنَاهُ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: ﴿وَذِكْرَى﴾ [الأعراف: 2] نَصْبًا بِمَعْنَى: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَتُذَكِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: هَذَا كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أَنْ تُنْذِرَ بِهِ وَتُذَكِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ قَوْلًا غَيْرَ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهُ.
وَإِذَا وُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذِكْرًى﴾ [الأعراف: 2] مِنَ الْإِعْرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا النَّصْبُ بِالرَّدِّ عَلَى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَالْآخَرُ الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى الْكِتَابِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَذِكْرًى لِلْمُؤْمِنِينَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ: اتَّبِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ

بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ [البقرة: 168] شَيْئًا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ [النساء: 117] يَعْنِي: شَيْئًا غَيْرَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ رَبُّكُمْ، يَقُولُ: لَا تَتَّبِعُوا أَمْرَ أَوْلِيَائِكُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَكُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُمْ يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَهْدُونَكُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قُلْتَ: مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلِ اتَّبِعُوا، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَوْجُودًا ذِكْرُ الْقَوْلِ؟ قِيلَ: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا صَرِيحًا، فَإِنَّ فِي الْكَلَامِ دَلَالَةً عَلَيْهِ، وَذَلِكَ

قَوْلُهُ: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: 2] ، فَفِي قَوْلِهِ: (لِتُنْذِرَ بِهِ) الْأَمْرُ بِالْإِنْذَارِ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ الْإِنْذَارَ قَوْلٌ.
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنْذِرِ الْقَوْمَ وَقُلْ لَهُمِ: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا﴾ [البقرة: 166] خِطَابٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْنَاهُ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ، اتَّبِعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.
وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] ، إِذِ ابْتَدَأَ خِطَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَعَلَ الْفِعْلَ لِلْجَمِيعِ، إِذْ كَانَ أَمْرُ اللَّهِ نَبِيَّهُ بِأَمْرٍ أَمْرًا مِنْهُ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يُفْرَدُ بِالْخِطَابِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُوَ وَجَمَاعَةُ أَتْبَاعِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ وَقَبِيلَتِهِ: أَمَا تَتَّقُونَ اللَّهَ؟ أَمَا تَسْتَحْيَوْنَ مِنَ اللَّهِ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا غَيْرَ مَدْفُوعٍ، فَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوْلَى بِمَعْنَى الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ الَّذِي وَصَفْنَا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3] يَقُولُ: قَلِيلًا مَا تَتَّعِظُونَ وَتَعْتَبِرُونَ، فَتُرَاجِعُونَ الْحَقَّ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَذِّرْ هَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ غَيْرِي وَالْعَادِلِينَ بِيَ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ سَخَطِي، لَا أُحِلَّ بِهِمْ عُقُوبَتِي فَأُهْلِكُهُمْ كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَكَثِيرًا مَا أَهْلَكْتُ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ قُرًى عَصَوْنِي وَكَذَّبُوا رُسُلِي وَعَبَدُوا غَيْرِي.
﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف: 4] يَقُولُ: فَجَاءَتْهُمْ عُقُوبَتُنَا وَنِقْمَتُنَا لَيْلًا قَبْلَ أَنْ يُصْبِحُوا، أَوْ جَاءَتْهُمْ قَائِلِينَ، يَعْنِي نَهَارًا فِي وَقْتِ الْقَائِلَةِ.
وَقِيلَ: (وَكَمْ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ كَثْرَةِ مَا قَدْ أَصَابَ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ مِنَ الْمَثُلَاثِ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ وَخِلَافِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: [البحر الكامل] كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يَا جَرِيرُ وَخَالَةٍ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ قُرًى، فَمَا فِي خَبَرِهِ عَنْ إِهْلَاكِهِ الْقُرَى مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى إِهْلَاكِهِ أَهْلَهَا؟ قِيلَ: إِنَّ الْقُرَى لَا تُسَمَّى قُرًى، وَلَا الْقَرْيَةُ قَرْيَةً، إِلَّا وَفِيهَا مَسَاكِنُ لِأَهْلِهَا وَسُكَّانٌ مِنْهُمْ، فَفِي إِهْلَاكِهَا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلِهَا.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْقَرْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَهْلُهَا.
وَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ لِمُوَافَقَتِهِ ظَاهِرَ التَّنْزِيلِ الْمَتْلُوِّ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ

قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] ، وَهَلْ هَلَكَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا بِمَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ وَحُلُولِ نِقْمَتِهِ وَسَخَطِهِ بِهَا؟ فَكَيْفَ قِيلَ (أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا) وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ بَأْسِ اللَّهِ إِيَّاهَا بَعْدَ هَلَاكِهَا، فَمَا وَجْهُ مَجِيءِ ذَلِكَ قَوْمًا قَدْ هَلَكُوا وَبَادُوا وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَا يَنْزِلُ بِهِمْ وَلَا بِمَسَاكِنِهِمْ؟ قِيلَ: إِنَّ لِذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَاضِحٌ مَنْهَجُهُ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا بِخُذْلَانِنَا إِيَّاهَا عَنِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلْنَا إِلَيْهَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَاخْتِيَارِهَا اتِّبَاعَ أَمْرِ أَوْلِيَائِهَا الْمُغْوِيهَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهَا، فَجَاءَهَا بَأْسُنَا إِذْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بَيَاتًا، أَوْ هُمْ قَائِلُونَ.
فَيَكُونُ إِهْلَاكُ اللَّهِ إِيَّاهَا: خِذْلَانُهُ لَهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وَيَكُونُ مَجِيءُ بَأْسِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ جَزَاءً لِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ.
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِهْلَاكُ هُوَ الْبَأْسُ بِعَيْنِهِ.
فَيَكُونُ فِي ذِكْرِ الْإِهْلَاكِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذِكْرِ مَجِيءِ الْبَأْسِ، وَفِي ذِكْرِ مَجِيءِ الْبَأْسِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذِكْرِ الْإِهْلَاكِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ سَوَاءً عِنْدَ الْعَرَبِ بُدِئَ بِالْإِهْلَاكِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْبَأْسِ، أَوْ بُدِئَ بِالْبَأْسِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْإِهْلَاكِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: زُرْتَنِي فَأَكْرَمْتَنِي، إِذْ كَانَتِ الزِّيَارَةُ هِيَ الْكَرَامَةُ، فَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ قَدَّمَ الزِّيَارَةَ وَأَخَّرَ الْكَرَامَةَ، أَوْ قَدَّمَ الْكَرَامَةَ وَأَخَّرَ الزِّيَارَةَ، فَقَالَ: أَكْرَمْتَنِي فَزُرْتَنِي.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ فِيَ الْكَلَامِ مَحْذُوفًا، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ صَحِيحًا، وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، فَكَانَ مَجِيءُ بَأْسِنَا إِيَّاهَا قَبْلَ إِهْلَاكِنَا.

وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلَالَةَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَلَا مِنْ خَبَرٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَإِذَا خَلَا الْقَوْلُ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا كَانَ بَيِّنًا فَسَادُهُ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ أَيْضًا: مَعْنَى الْفَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى الْوَاوِ، وَقَالَ: تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا.
وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، إِذْ كَانَ لِلْفَاءِ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْحُكْمِ مَا لَيْسَ لِلْوَاوِ فِي الْكَلَامِ، فَصَرْفُهَا إِلَى الْأَغْلَبِ مِنْ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهَا إِلَى غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ قِيلَ: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ شَأْنِ (أَوْ) فِي الْكَلَامِ اجْتِلَابُ الشَّكِّ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي خَبَرِ اللَّهِ شَكٌّ؟ قِيلَ: إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ خِلَافُ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَ بَعْضَهَا بَأْسَنَا بَيَاتًا، وَبَعْضَهَا وَهُمْ قَائِلُونَ.
وَلَوْ جَعَلَ مَكَانَ (أَوْ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاوَ لَكَانَ الْكَلَامُ كَالْمُحَالِ، وَلَصَارَ الْأَغْلَبُ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ الْقَرْيَةَ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ جَاءَهَا بَأْسُهُ بَيَاتًا، وَفِي وَقْتِ الْقَائِلَةِ، وَذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الْبَأْسِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ قَدْ هَلَكَ وَأَفْنَى مَنْ قَدْ فَنِيَ، وَذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ خُلْفٌ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْكَلَامِ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ، إِذْ لَمْ يَفْصِلِ الْقُرَى الَّتِي جَاءَهَا الْبَأْسُ بَيَاتًا مِنَ الْقُرَى الَّتِي جَاءَهَا ذَلِكَ قَائِلَةً، وَلَوْ فُصِلَتْ لَمْ يُخْبَرْ عَنْهَا إِلَّا بِالْوَاوِ.
وَقِيلَ: (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) خَبَرًا عَنِ الْقَرْيَةِ أَنَّ الْبَأْسَ أَتَاهَا، وَأَجْرَى الْكَلَامَ

عَلَى مَا ابْتُدِئَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَلَوْ قِيلَ: فَجَاءَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا لَكَانَ صَحِيحًا فَصِيحًا رَدًّا لِلْكَلَامِ إِلَى مَعْنَاهُ، إِذْ كَانَ الْبَأْسُ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ سُكَّانُ الْقَرْيَةِ دُونَ بُنْيَانِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَالَ بُنْيَانَهَا وَمَسَاكِنَهَا مِنَ الْبَأْسِ بِالْخَرَابِ نَحْوٌ مِنَ الَّذِي نَالَ سُكَّانَهَا.
وَقَدْ رَجَعَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] إِلَى خُصُوصِ الْخَبَرِ عَنْ سُكَّانِهَا دُونَ مَسَاكِنِهَا لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَأْسِ كَانَ السُّكَّانَ وَإِنْ كَانَ فِي هَلَاكِهِمْ هَلَاكُ مَسَاكِنِهِمْ وَخَرَابُهَا.
وَلَوْ قِيلَ: (أَوْ هِيَ قَائِلَةٌ) كَانَ صَحِيحًا إِذْ كَانَ السَّامِعُونَ قَدْ فَهِمُوا الْمُرَادَ مِنَ الْكَلَامِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] خَبَرًا عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي أَتَاهُمْ فِيهِ بَأْسُ اللَّهِ مِنَ النَّهَارِ؟ قِيلَ: بَلَى.
فَإِنْ قَالَ: أَوَ لَيْسَ الْمَوَاقِيتُ فِي مِثْلِ هَذَا تَكُونُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْوَاوِ الدَّالِّ عَلَى الْوَقْتِ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَحْذِفُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ اسْتِثْقَالًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيْ عَطْفٍ، إِذْ كَانَ (أَوْ) عِنْدَهُمْ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ، وَكَذَلِكَ الْوَاوُ، فَيَقُولُونَ: لَقِيتَنِي مُمْلِقًا أَوْ أَنَا مُسَافِرٌ، بِمَعْنَى: أَوْ أَنَا مُسَافِرٌ، فَيَحْذِفُونَ الْوَاوَ وَهُمْ مُرِيدُوهَا فِي الْكَلَامِ لِمَا وَصَفْتُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمْ يَكُنْ دَعْوَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا

وَسَطْوَتُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، إِلَّا اعْتِرَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ مُسِيئِينَ وَبِرَبِّهِمْ آثِمِينَ وَلِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مُخَالِفِينَ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ [الأعراف: 5] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: دُعَاءَهُمْ.
وَلِلدَّعْوَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الدُّعَاءُ، وَالْآخَرُ الِادِّعَاءُ لِلْحَقِّ.
وَمِنَ الدَّعْوَى الَّتِي مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: 15] ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ... بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الْبَأْسَ وَالْبَأْسَاءَ: الشِّدَّةُ، بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْضُهُمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرَّادِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: 5] الْآيَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 5] ، وَكَيْفَ أَمْكَنَتْهُمُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَقَدْ جَاءَهُمْ بَأْسُ اللَّهِ بِالْهَلَاكِ، أَقَالُوا ذَلِكَ قَبْلَ الْهَلَاكِ؟ فَإِنْ كَانُوا قَالُوهُ قَبْلَ الْهَلَاكِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَبْلَ مَجِيءِ الْبَأْسِ، وَاللَّهُ يُخْبِرُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ حِينَ جَاءَهُمْ لَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ قَالُوهُ بَعْدَمَا جَاءَهُمْ فَتِلْكَ حَالَةٌ قَدْ هَلَكُوا فِيهَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ وَصْفُهُمْ بِقِيلِ ذَلِكَ إِذَا عَايَنُوا بَأْسَ اللَّهِ وَحَقِيقَةَ مَا كَانَتِ الرُّسُلُ تَعِدُهُمْ مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ؟ قِيلَ: لَيْسَ كُلُّ الْأُمَمِ كَانَ هَلَاكُهَا فِي لَحْظَةٍ، لَيْسَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ مَهَلٌ، بَلْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ غَرِقَ بِالطُّوفَانِ، فَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِ ظُهُورِ السَّبَبِ الَّذِي عَلِمُوا أَنَّهُمْ بِهِ هَالِكُونَ وَبَيْنَ آخِرِهِ الَّذِي عَمَّ جَمِيعَهُمْ هَلَاكُهُ الْمُدَّةُ الَّتِي لَا خَفَاءَ بِهَا عَلَى ذِي عَقْلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ مُتِّعَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ ظُهُورِ عَلَامَةِ الْهَلَاكِ لِأَعْيُنِهِمْ أَيَّامًا ثَلَاثَةً، كَقَوْمِ صَالِحٍ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَحِينَئِذٍ لَمَّا عَايَنُوا أَوَائِلَ بَأْسِ اللَّهِ الَّذِي كَانَتْ رُسُلُ اللَّهِ تَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ وَأَيْقَنُوا حَقِيقَةَ نُزُولِ سَطْوَةِ اللَّهِ بِهِمْ، دَعَوْا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 14] ، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ [غافر: 85] مَعَ مَجِيءِ وَعِيدِ اللَّهِ وَحُلُولِ نِقْمَتِهِ بِسَاحَتِهِمْ، فَحَذَّرَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِطْوَتِهِ وَعِقَابِهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ، مَا حَلَّ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، إِذْ عَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَنَسْأَلَنَّ الْأُمَمُ الَّذِينَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمْ رُسُلِي مَاذَا عَمِلَتْ فِيمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِي مِنْ أَمْرِي وَنَهْيِي، هَلْ عَمِلُوا بِمَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ وَأَطَاعُوا أَمْرِي، أَمْ عَصَوْنِي

فَخَالَفُوا ذَلِكَ؟ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6] يَقُولُ: وَلَنَسْأَلَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلْتُهُمْ إِلَى الْأُمَمِ، هَلْ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَاتِي وَأَدَّتْ إِلَيْهِمْ مَا أَمَرْتُهُمْ بِأَدَائِهِ إِلَيْهِ، أَمْ قَصَّرُوا فِي ذَلِكَ فَفَرَّطُوا وَلَمْ يُبَلِّغُوهُمْ؟ وَكَذَلِكَ كَانَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ يَتَأَوَّلُونَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6] قَالَ: «يَسْأَلُ اللَّهُ النَّاسَ عَمَّا أَجَابُوا الْمُرْسَلِينَ، وَيَسْأَلُ الْمُرْسَلِينَ عَمَّا بَلَّغُوا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 6] إِلَى قَوْلِهِ

: ﴿غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: 7] قَالَ: «يُوضَعُ الْكِتَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6] : «يَقُولُ فَلَنَسْأَلَنَّ الْأُمَمَ مَا عَمِلُوا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَنَسْأَلَنَّ الرُّسُلَ هَلْ بَلَّغُوا مَا أُرْسِلُوا بِهِ»

حَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 6] : «الْأُمَمُ، وَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ عَمَّا ائْتَمَنَّاهُمْ عَلَيْهِ، هَلْ بَلَّغُوا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَنَقُصَنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَنُخْبِرَنَّ الرُّسُلَ وَمَنْ أَرْسَلْتُهُمْ إِلَيْهِ بِيَقِينِ عِلْمٍ بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا فِيمَا كُنْتُ أَمَرْتُهُمْ بِهِ، وَمَا كُنْتُ نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ، وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ عَنْهُمْ وَعَنْ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:

وَكَيْفَ يَسْأَلُ الرُّسُلَ وَالْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ يُخْبِرُ أَنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فِي ذَلِكَ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَيْسَ بِمَسْأَلَةِ اسْتِرْشَادٍ وَلَا مَسْأَلَةِ تَعَرُّفٍ مِنْهُمْ مَا هُوَ بِهِ غَيْرُ عَالِمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيرٍ مَعْنَاهَا الْخَبَرُ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ فَأَسَأْتَ؟ وَأَلَمْ أَصِلْكَ فَقَطَعْتَ؟ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ اللَّهِ الْمُرْسَلَ

إِلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلِي بِالْبَيِّنَاتِ؟ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكُمُ النُّذُرَ فَتُنْذِرَكُمْ عَذَابِي وَعِقَابِي فِي هَذَا الْيَوْمِ مَنْ كَفَرَ بِي وَعَبَدَ غَيْرِي؟ كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ قَائِلٌ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 61] . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي ظَاهِرُهُ ظَاهِرُ مَسْأَلَةٍ، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ وَالْقَصَصُ وَهُوَ بَعْدُ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيرٌ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّسُلِ الَّذِي هُوَ قَصَصٌ وَخَبَرٌ، فَإِنَّ الْأُمَمَ الْمُشْرِكَةَ لَمَّا سُئِلَتْ فِي الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهَا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 71] ؟ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَالُوا: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَقِيلَ لِلرُّسُلِ: هَلْ بَلَّغْتُمْ مَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ؟ أَوْ قِيلَ لَهُمْ: أَلَمْ تُبَلِّغُوا إِلَى هَؤُلَاءِ مَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ؟ كَمَا جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأُمَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ مَسْأَلَةٌ لِلرُّسُلِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِشْهَادِ لَهُمْ عَلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأُمَمِ وَلِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَصَصِ وَالْخَبَرِ.
فَأَمَّا الَّذِي هُوَ عَنِ اللَّهِ مَنْفِيُّ مِنْ مَسْأَلَتِهِ خَلْقَهُ، فَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ اسْتِرْشَادٍ وَاسْتِثْبَاتٍ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ السَّائِلُ عَنْهَا وَيَعْلَمُهُ الْمَسْئُولُ، لِيَعْلَمَ السَّائِلُ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ.
فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِهِ، لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا وَفِي حَالِ كَوْنِهَا وَبَعْدَ كَوْنِهَا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَفَاهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] ، يَعْنِي: لَا يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عِلْمَ مُسْتَثْبِتٍ، لِيَعْلَمَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ مَنْ سَأَلَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَبِكُلِّ شَيْءٍ غَيْرِهِ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الْخَبَرِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: 7] أَنَّهُ يَنْطِقُ لَهُمْ كِتَابُ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ.
هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ، غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَقُولُ لَهُ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا وَفَعَلْتَ كَذَا؟ حَتَّى يُذَكِّرَهُ مَا فَعَلَ فِي الدُّنْيَا ". وَالتَّسْلِيمُ لِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنَ التَّسْلِيمِ لِغَيْرِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8] " الْوَزْنُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَزَنْتُ كَذَا وَكَذَا، أَزِنُهُ وَزْنًا وَزِنَةً، مِثْلُ: وَعَدْتُهُ أَعِدُهُ وَعْدًا وَعِدَةً، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالْحَقِّ، وَالْحَقُّ بِهِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَالْوَزْنُ يَوْمَ نَسْأَلُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ

وَالْمُرْسَلِينَ، الْحَقُّ.
وَيَعْنِي بِالْحَقِّ: الْعَدْلَ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: " الْوَزْنُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْقَضَاءُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الأعراف: 8] : «الْقَضَاءُ» وَكَانَ يَقُولُ أَيْضًا: مَعْنَى الْحَقِّ هَهُنَا: الْعَدْلُ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8] قَالَ «الْعَدْلُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8] : وَزْنُ الْأَعْمَالِ

جارٍ التحميل