ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: " الْفِطْرَةَ: الدِّينَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجُ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ , أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «دِينُ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] أَيْ دِينَ اللَّهِ , فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «دِينَ اللَّهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ , عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «دِينَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: " أَمَّا خَلْقُ اللَّهِ: فَدَيْنُ اللَّهِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: " دِينَ اللَّهِ , وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] يَقُولُ: «لِدِينِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: " دِينَ اللَّهِ , وَقَرَأَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] قَالَ: «لِدِينِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «دِينَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: ثنا مُعَاذٌ , قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ , عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ , قَالَ: كَتَبَ كَثِيرٌ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ
: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] فَكَتَبَ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بِالْوَشْمِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ يُونُسَ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «الْوَشْمُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ نُوحٍ , عَنْ قَيْسٍ , عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «الْوَشْمُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ أَوْ غَيْرُهُ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] قَالَ: «الْوَشْمُ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ الرَّاسِبِيُّ , قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْحَسَنَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ قَشَرَتْ وَجْهَهَا؟ قَالَ: «مَا لَهَا لَعَنَهَا اللَّهُ , غَيَّرَتْ خَلْقَ اللَّهِ»
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِرَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ , قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ , قَالَ: دِينَ اللَّهِ , وَذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْآيَةِ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ خِصَاءِ مَا لَا يَجُوزُ خِصَاؤُهُ , وَوَشْمِ مَا نَهَى عَنْ وَشِمِهْ وَوَشْرِهِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي , وَدَخَلَ فِيهِ تَرْكُ كُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ , لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى جَمِيعِ مَعَاصِي اللَّهِ , وَيَنْهَى عَنْ جَمِيعِ طَاعَتِهِ , فَذَلِكَ مَعْنَى أَمْرِهِ نَصِيبَهُ الْمَفْرُوضَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ دِينِهِ؛
وَلَا مَعْنَى لِتَوْجِيهِ مَنْ وَجَّهَ قَوْلَهُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] إِلَى أَنَّهُ وَعْدَ الْأَمْرَ بِتَغْيِيرِ بَعْضِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ دُونَ بَعْضٍ , أَوْ بَعْضِ مَا أَمَرَ بِهِ دُونَ بَعْضٍ.
فَإِذْ كَانَ الَّذِي وَجَّهَ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى الْخِصَاءِ وَالْوَشْمِ دُونَ غَيْرِهِ , إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ عَنَى بِهِ تَغْيِيرَ الْأَجْسَامِ , فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِخْبَارًا عَنْ قِيلِ الشَّيْطَانِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] مَا يُنْبِئُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ , لِأَنَّ تَبْتِيكَ آذَانِ الْأَنْعَامِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ , الَّذِي هُوَ أَجْسَامٌ.
وَقَدْ مَضَى الْخَبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ وَعَدَ الْأَمْرَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ مِنَ الْأَجْسَامِ مُفَسَّرًا , فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ الْخَبَرِ عَنْهُ بِهِ مُجْمَلًا , إِذْ كَانَ الْفَصِيحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُتَرْجَمَ عَنِ الْمُجْمَلِ مِنَ الْكَلَامِ بِالْمُفَسَّرِ وَبِالْخَاصِ عَنِ الْعَامِ دُونَ التَّرْجَمَةِ عَنِ الْمُفَسَّرِ بِالْمُجْمَلِ , وَبِالْعَامِ عَنِ الْخَاصِّ , وَتَوْجِيهُ كِتَابِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ مِنَ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى غَيْرِهِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ السَّبِيلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَالِ نَصِيبِ الشَّيْطَانِ الْمَفْرُوضِ مِنَ الَّذِينَ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى , يَقُولُ اللَّهُ: وَمَنْ يَتَّبِعِ
الشَّيْطَانَ فَيُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ , وَخِلَافِ أَمْرِهِ , وَيُوَالِيهِ فَيَتَّخِذُهُ وَلِيًّا لِنَفْسِهِ وَنَصِيرًا دُونَ اللَّهِ ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 119] يَقُولُ: " فَقَدْ هَلَكَ هَلَاكًا , وَبَخَسَ نَفْسُهُ حَظَّهَا فَأَوْبَقَهَا بَخْسًا مُبِينًا يُبِينُ عَنْ عَطِبِهِ وَهَلَاكِهِ , لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَمْلِكُ لَهُ نَصْرًا مِنَ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ فِي خِلَافِهِ أَمْرَهُ , بَلْ يَخْذُلُهُ عِنْدَ
حَاجَتِهِ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا حَالُهُ مَعَهُ مَا دَامَ حَيًّا مُمْهَلَا بِالْعُقُوبَةِ , كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يُعِدُ الشَّيْطَانُ الْمَرِيدُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ هُمْ نَصِيبُهُ الْمَفْرُوضُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَصِيرًا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ , وَظَهِيرًا لَهُمْ عَلَيْهِ , يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُمْ , وَيُمَنِّيهِمُ الظَّفَرَ عَلَى مَنْ حَاوَلَ مَكْرُوهَهُمْ وَالْفَلَجَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120] يَقُولُ: " وَمَا يُعِدُ الشَّيْطَانُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا غُرُورًا , يَعْنِي: إِلَّا بَاطِلًا.
وَإِنَّمَا جَعَلَ عِدْتَهُ إِيَّاهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا وَعَدَهُمْ غُرُورًا , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ فِي اتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُ وَلِيًّا عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ عِدَاتِهِ الْكَاذِبَةِ وَأَمَانِيهِ الْبَاطِلَةِ , حَتَّى إِذَا حَصْحَصَ الْحَقُّ وَصَارُوا إِلَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ , قَالَ لَهُمْ عَدُوُّ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: 22] وَكَمَا قَالَ لِلْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ وَقَدْ زَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: 48] وَحَصْحَصَ الْحَقُّ , وَعَايَنَ حَدَّ الْأَمْرِ , وَنُزُولَ عَذَابِ اللَّهِ بِحِزْبِهِ ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48] فَصَارَتْ عِدَاتُهُ , عَدُوَّ اللَّهِ , إِيَّاهُمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ غُرُورًا {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ
شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: 39]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [البقرة: 5] هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: 197] يَعْنِي: مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَصِيرُونَ إِلَيْهِ جَهَنَّمُ ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: 121] يَقُولُ: " لَا يَجِدُونَ عَنْ جَهَنَّمَ إِذَا صَيَّرَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ , مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إِلَيْهِ , يُقَالَ مِنْهُ: حَاصَ فُلَانٌ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ يَحِيصُ حَيْصًا وَحُيُوصًا: إِذَا عَدَلَ عَنْهُ , وَمِنْهُ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً كُنْتُ فِيهِمْ , فَلَقِينَا الْمُشْرِكِينَ فَحِصْنَا حَيْصَةً؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَجَاضُوا جَيْضَةً , وَالْحَيْصُ وَالْجَيْضُ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 82] وَالَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنُّبُوَّةِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ , يَقُولُ: وَأَدُّوا فَرَائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: 57] يَقُولُهُ: سَوْفَ نُدْخِلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا صَارُوا إِلَى اللَّهِ جَزَاءً بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ: يَعْنِي بَسَاتِينَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57] يَقُولُ: " بَاقِينَ فِي هَذِهِ الْجَنَّاتِ الَّتِي
وَصَفَهَا أَبَدًا دَائِمًا.
وَقَوْلُهُ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: 122] يَعْنِي: عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَقًّا , يَقِينًا صَادِقًا , لَا كَعِدَةِ الشَّيْطَانِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي هِيَ غُرُورٌ مَنْ وَعَدَهَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ , وَلَكِنْ عِدَةٌ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَلَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعْدَهُ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ فِي هَذِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ الَّذِي قَصَّهُ فِي قَوْلِهِ , وَقَالَ: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ [النساء: 119] ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعِدُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا , لَا كَوَعْدِ الشَّيْطَانِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ.
فوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْوَعْدَيْنِ وَالْوَاعِدِينَ وَأَخْبَرَ بِحُكْمِ أَهْلِ كُلِّ وَعْدٍ مِنْهُمَا تَنْبِيهًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحُتُهُمْ وَخَلَاصُهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْعَطَبِ , لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَيَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ , فَيَفُوزُوا بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي جِنَانِهِ مِنْ ثَوَابِهِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122] يَقُولُ: " وَمَنْ أَصْدَقُ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: أَيْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِمَا وَعَدَكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ رَبُّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَتَكْفُرُونَ بِهِ , وَتُخَالِفُونَ أَمْرَهُ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , وَتَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ
الشَّيْطَانُ , رَجَاءً لِإِدْرَاكِ مَا يَعِدُكُمْ مِنْ عِدَاتِهِ الْكَاذِبَةِ وَأَمَانِيِّهِ الْبَاطِلَةِ , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عِدَاتَهُ غُرُورٌ لَا صِحَّةَ لَهَا وَلَا حَقِيقَةَ , وَتَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَتَتْرُكُونَ أَنْ تُطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَكُونُوا لَهُ أَوْلِيَاءَ؟ وَمَعْنَى الْقِيلِ وَالْقَوْلِ وَاحِدٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء: 123] أَهْلُ الْإِسْلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: تَفَاخَرَ النَّصَارَى وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ , فَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ , وَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ؛ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 124] "
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ مُسْلِمٍ , عَنْ مَسْرُوقٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] قَالَ: " احْتَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ , فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَهْدَى مِنْكُمْ , وَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَهْدَى مِنْكُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] قَالَ: " فَفَلَجَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 124] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ , وَأَهْلُ الْكِتَابِ افْتَخَرُوا , فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ , وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ , وَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ.
وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ , نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ , وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ , مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125] فَأَفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] قَالَ: " الْتَقَى نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , فَقَالَتِ الْيَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ , دِينُنَا قَبْلَ دِينِكُمْ , وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ , وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ , وَنَحْنُ عَلَى دِينِ
إِبْرَاهِيمَ , وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا.
وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا بَعْدَ كِتَابِكُمْ , وَنَبِيُّنَا بَعْدَ نَبِيِّكُمْ , وَقَدْ أُمِرْتُمْ أَنْ تَتَّبِعُونَا وَتَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ , فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ , نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ , وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى دِينِنَا.
فرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ , فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] ثُمَّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] تَخَاصَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ , فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا أَوَّلُ كِتَابٍ وَخَيْرُهَا , وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا دَيْنُ الْإِسْلَامِ , وَكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ , وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ , وَأُمِرْنَا أَنْ نَعْمَلَ بِكِتَابِنَا وَنُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ.
فقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ , فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] ثُمَّ خَيَّرَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ , فَفَضَّلَ أَهْلَ الْفَضْلِ , فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] إِلَى: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 89] تَحَاكَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ , فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرٌ مِنَ الْكُتُبِ , أُنْزِلَ قَبْلَ كِتَابِكُمْ , وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا الْإِسْلَامُ , كِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ , وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ , وَأُمِرْتُمْ وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ , وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا.
فقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ﴾ [النساء: 123] بِهِ وَخَيَّرَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ , وَأَبُو زُهَيْرٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَأَهْلِ الْإِنْجِيلِ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ , فَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ , وَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] , ثُمَّ خَصَّ اللَّهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 124] "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , قَالَ: "
جَلَسَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ وَأَهْلُ الزَّبُورِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ , فَتَفَاخَرُوا , فَقَالَ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ , وَهَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَفْضَلُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] "
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] قَالَ: " افْتَخَرَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ , فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ , وَنَبِيُّنَا أَكْرَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى اللَّهِ مُوسَى , كَلَّمَهُ اللَّهُ قُبُلًا , وَخَلَا بِهِ نَجِيًّا , وَدِينُنَا خَيْرُ الْأَدْيَانِ.
وَقَالَتِ النَّصَارَى: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَاتَمُ الرُّسُلِ , وَآتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ , وَلَوْ أَدْرَكَهُ مُوسَى لَاتَّبَعَهُ , وَدِينُنَا خَيْرُ الْأَدْيَانِ.
وَقَالَتِ الْمَجُوسُ وَكُفَّارُ الْعَرَبِ: دِينُنَا أَقْدَمُ الْأَدْيَانِ وَخَيْرُهَا.
وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: مُحَمَّدٌ نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ , وَسَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ , وَالْفُرْقَانُ آخِرُ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْكُتُبِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ , وَالْإِسْلَامُ خَيْرُ الْأَدْيَانِ.
فخَيَّرَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ , فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] أَهْلَ الشِّرْكِ بِهِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ