تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 409-423

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: 226] الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ

صفحات 409-423
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمَنَعَ مَنْ كَانَ مِنَ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ مَا فُرِضَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ قَبْلُ مِنَ الْمُتْعَةِ، وَالصَّدَاقِ، وَالْوَصِيَّةِ وَإِخْرَاجِهِنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ

الْحَوْلِ وَتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتِهَا، وَمَنْعِ مَنْ كَانَ مِنَ النِّسَاءِ مَا أَلْزَمَهُنَّ اللَّهُ مِنَ التَّرَبُّصِ عِنْدَ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ عَنِ الْأَزْوَاجِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] فِيمَا قَضَى بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ قَضَايَاهِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228] وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلِمَنْ طَلَّقَ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى مُطَلِّقِهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ مَتَاعٌ، يَعْنِي بِذَلِكَ.
مَا تَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ ثِيَابٍ، وَكِسْوَةٍ، وَنَفَقَةٍ، أَوْ خَادِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَمْتَعُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مَعْنَى ذَلِكَ،

وَاخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَعْنِيَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمُطَلَّقَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنِّي بِهَا الثَّيِّيَاتِ اللَّوَاتِي قَدْ جُومِعْنَ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي الْمُتْعَةِ قَدْ بَيَّنَّهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْآيَاتِ قَبْلَهَا، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَمْرِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ فِي ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] قَالَ: الْمَرْأَةُ الثَّيِّبُ يُمَتِّعُهَا زَوْجُهَا إِذَا جَامَعَهَا بِالْمَعْرُوفِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: ذَكَرَهُ شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
وَإِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ آيِ الْمُتْعَةِ، إِذْ كَانَ مَا سِوَاهَا مِنْ آيِ الْمُتْعَةِ إِنَّمَا فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ إِذَا طُلِّقَتْ، وَفِي هَذِهِ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي الْمُتْعَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي

هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] قَالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ " فِي الْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حُبْلَى، قَالَ: تَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي مُتْعَةِ الْمَمْلُوكَةِ شَيْئًا أَذْكُرَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] وَلَهَا الْمُتْعَةُ حَتَّى تَضَعَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَلِلْأَمَةِ مِنَ الْحُرِّ مُتْعَةٌ؟ قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَالْحُرَّةُ عِنْدَ الْعَبْدِ؟ قَالَ: لَا " وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: نَعَمْ ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّا لَا نَفْعَلُ إِنْ لَمْ نُرِدْ أَنْ نُحْسِنَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] فَوَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى

الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] فَقَالَ رَجُلٌ: فَإِنْ أَحْسَنْتَ فَعَلْتَ، وَإِنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
أَنْزَلَهَا دَلِيلًا لِعِبَادِهِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ فِي سَائِرِ آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ مُتْعَةِ النِّسَاءِ خُصُوصًا مِنَ النِّسَاءِ، فَبَيَّنَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] وَفِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] مَا لَهُنَّ مِنَ الْمُتْعَةِ إِذَا طُلِّقْنَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] حُكْمُ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ.
وَبَقِيَ حُكْمُ الصَّبَايَا إِذَا طُلِّقْنَ بَعْدَ الِابْتِنَاءِ بِهِنَّ، وَحُكْمُ الْكَوَافِرِ، وَالْإِمَاءِ.
فَعَمَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] ذِكْرُ جَمِيعِهِنَّ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ لَهُنَّ الْمَتَاعَ، كَمَا أَبَانَ الْمُطَلَّقَاتِ الْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهِنَّ فِي سَائِرِ آيِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ ذِكْرَ جَمِيعِهِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى قَوْلِهِ «حَقًّا» ، وَوَجْهُ نَصْبِهِ، وَالِاخْتِلَافُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] فَفِي ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَأَمَّا الْمُتَّقُونِ، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَحُدُودِهِ، فَقَامُوا بِهَا عَلَى

مَا كَلَّفَهُمُ الْقِيَامَ بِهِ خَشْيَةً مِنْهُمْ لَهُ، وَوَجَلًا مِنْهُمْ مِنْ عِقَابِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ تَأْوِيلِ ذَلِكَ نَصًّا بِالرِّوَايَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا يَلْزَمُكُمْ لِأَزْوَاجِكُمْ وَيَلْزَمُ أَزْوَاجَكُمْ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَعَرَّفْتُكُمْ أَحْكَامِي وَالْحَقَّ الْوَاجِبَ لِبَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ لَكُمْ سَائِرَ الْأَحْكَامِ فِي آيَاتِي الَّتِي

أَنْزَلْتُهَا عَلَى نَبِيِّي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، لِتَعَقَّلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِي وَبِرَسُولِي حُدُودِي، فَتَفْهَمُوا اللَّازِمَ لَكُمْ مِنْ فَرَائِضِي، وَتَعْرِفُوا بِذَلِكَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَعَاجِلِكُمْ وَآجِلِكُمْ، فَتَعْلَمُوا بِهِ، لِيَصْلُحَ ذَاتُ بَيْنِكُمْ، وَتَنَالُوا بِهِ الْجَزِيلَ مِنْ ثَوَابِي فِي مَعَادِكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] أَلَمْ تَعْلَمْ يَا

مُحَمَّدُ وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ لَا رُؤْيَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْرِكِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَرَ وَرُؤْيَةُ الْقَلْبِ: مَا رَآهُ وَعَلِمَهُ بِهِ.
فَمَعْنَى ذَلِكَ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الْعَدَدِ بِمَعْنَى جِمَاعِ أَلْفٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ، قَالُوا: نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ فِيهَا مَوْتٌ.
حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ، فَأَحْيَاهُمْ.
فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ، فَأَحْيَاهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: " أَصَابَ نَاسًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ، فَشَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَقَالُوا: يَا لَيْتَنَا قَدْ مِتْنَا فَاسْتَرَحْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى حِزْقِيلَ: إِنَّ قَوْمَكَ صَاحُوا مِنَ الْبَلَاءِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَدُّوا لَوْ مَاتُوا فَاسْتَرَاحُوا، وَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي الْمَوْتِ أَيَظُنُّونَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَبْعَثَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ فَانْطَلِقْ إِلَى جَبَّانَةِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ قَالَ وَهْبٌ: وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ

اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] فَقُمْ فِيهِمْ فَنَادِهِمْ وَكَانَتْ عِظَامُهُمْ قَدْ تَفَرَّقَتْ، فَرَّقَتْهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ.
فَنَادَاهُمْ حِزْقِيلُ، فَقَالَ: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِيَ فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَعًا.
ثُمَّ نَادَى ثَانِيَةً حِزْقِيلُ، فَقَالَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِيَ اللَّحْمَ فَاكْتَسَتِ اللَّحْمَ، وَبَعْدَ اللَّحْمِ جَلْدًا، فَكَانَتْ أَجْسَادًا.
ثُمَّ نَادَى حِزْقِيلُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَعُودِي إِلَى أَجْسَادِكِ، فَقَامُوا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قُلْ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] يَقُولُ: عَدَدٌ كَثِيرٌ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا عَدُوَّهُمْ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَسْلَمَ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: " بَيْنَمَا عُمَرُ يُصَلِّي وَيَهُودِيَّانِ خَلْفَهُ وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ خَوَّى فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ فَلَمَّا انْفَتَلَ عُمَرُ قَالَ: رَأَيْتُ قَوْلَ

أَحَدِكُمَا لِصَاحِبِهِ أَهُوَ هُوَ فَقَالَا: إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِنَا قَرْنًا مِنْ حَدِيدٍ يُعْطَى مَا يُعْطَى حِزْقِيلُ الَّذِي أَحْيَا الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حِزْقِيلَ، وَلَا أَحْيَا الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَّا عِيسَى.
فَقَالَا: أَمَا تَجِدُ فِي كِتَابِ ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164] فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى.
قَالَا: وَأَمَّا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى فَسَنُحَدِّثُكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْوَبَاءُ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ أَمَاتَهُمُ اللَّهُ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ حَائِطًا، حَتَّى إِذَا بَلِيتَ عِظَامُهُمْ بَعَثَ اللَّهُ حِزْقِيلَ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، قَالَ: «كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ»

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانَ قَبْلَ وَاسِطٍ، وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، فَنَزَلُوا نَاحِيَةً مِنْهَا، فَهَلَكَ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ وَسَلِمَ الْآخَرُونَ، فَلَمْ يَمُتْ مِنْهُمْ كَبِيرٌ.
فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ، فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا: أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ

كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا، لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا بَقِينَا، وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ مَعَهُمْ فَوَقَعَ فِي قَابِلٍ فَهَرَبُوا، وَهُمْ بَضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، حَتَّى نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَهُوَ وَادٍ أَفْيَحُ، فَنَادَاهُمْ مَلَكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ: أَنْ مُوتُوا فَمَاتُوا، حَتَّى إِذَا هَلَكُوا وَبَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ، مَرَّ بِهِمْ نَبِيُّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ؛ فَلَمَّا رَآهُمْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيهِمْ، وَيَلْوِي شِدْقَيْهِ، وَأَصَابِعَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا حِزْقِيلُ، أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ فِيهِمْ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ؟ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ تَفَكُّرُهُ أَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقِيلَ لَهُ: نَادِ فَنَادَى: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي فَجَعَلَتْ تَطِيرُ الْعِظَامُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى كَانَتْ أَجْسَادًا مِنْ عِظَامٍ.
ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ نَادِ يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا فَاكْتَسَتْ لَحْمًا، وَدَمًا، وَثِيَابَهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا وَهِيَ عَلَيْهَا.
ثُمَّ قِيلَ لَهُ: نَادِ فَنَادَى يَا أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَقُومِي، فَقَامُوا "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، فَزَعَمَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ أُحْيُوا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ أَحْيَاءً، يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْتًى، سِحْنَةُ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَادَ كَفَنًا دَسْمًا مِثْلَ الْكَفَنِ حَتَّى مَاتُوا لِآجَالِهِمُ

الَّتِي كُتِبَتْ لَهُمْ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ حَظَرَ عَلَيْهِمْ حَظَائِرَ، وَقَدْ أَرْوَحَتْ أَجْسَادُهُمْ وَأَنْتَنُوا، فَإِنَّهَا لَتُوجَدُ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ الْيَهُودِ تِلْكَ الرِّيحُ، وَهُمْ أُلُوفٌ فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 190] الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " أَنَّ كَالِبَ بْنَ يُوقَنَا، لَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ بَعْدَ يُوشَعَ، خَلَفَ فِيهِمْ يَعْنِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حِزْقِيلَ بْنَ بُوزِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْعَجُوزِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْعَجُوزِ، أَنَّهَا سَأَلْتِ اللَّهَ الْوَلَدَ وَقَدْ كَبِرَتْ وَعَقِمَتْ، فَوَهَبَهُ اللَّهُ لَهَا، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ابْنُ الْعَجُوزِ.
وَهُوَ الَّذِي دَعَا لِلْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا بَلَغَنَا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] "

حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِرَارًا مِنْ بَعْضِ الْأَوْبَاءِ مِنَ الطَّاعُونِ، أَوْ مِنْ سُقْمٍ كَانَ يُصِيبُ النَّاسَ حَذَرًا مِنَ الْمَوْتِ، وَهُمْ أُلُوفٌ.
حَتَّى إِذَا نَزَلُوا بِصَعِيدٍ مِنَ الْبِلَادِ، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا، فَعَمَدَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً دُونَ السِّبَاعِ، ثُمَّ تَرَكُوهُمْ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَثُرُوا عَنْ أَنْ يُغَيَّبُوا.
فَمَرَّتْ بِهِمُ الْأَزْمَانُ، وَالدُّهُورُ، حَتَّى صَارُوا عِظَامًا نَخْرَةً.
فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ بْنُ بُوزِيٍّ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَتَعَجَّبَ لِأَمْرِهِمْ، وَدَخَلَهُ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ يُحْيِيَهُمُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقِيلَ لَهُ: نَادِهِمْ فَقَالَ: أَيُّهَا الْعِظَامُ الرَّمِيمُ الَّتِي قَدْ رَمَّتْ، وَبَلِيَتْ، لِيَرْجِعْ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى صَاحِبِهِ فَنَادَاهُمْ بِذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَى الْعِظَامِ تَوَاثَبُ يَأْخُذُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
ثُمَّ قِيلَ لَهُ: قُلْ أَيُّهَا: اللَّحْمُ، وَالْعَصَبُ، وَالْجَلْدُ اكْسُ الْعِظَامَ بِإِذْنِ رَبِّكَ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَالْعَصَبُ يَأْخُذُ الْعِظَامَ ثُمَّ اللَّحْمَ، وَالْجَلْدَ، وَالْأَشْعَارَ، حَتَّى اسْتَوَوْا خَلْقًا لَيْسَتْ فِيهِمُ الْأَرْوَاحُ، ثُمَّ دَعَا لَهُمْ بِالْحَيَاةِ، فَتَغْشَاهُمْ مِنَ السَّمَاءِ كُدْيَةٌ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ.
ثُمَّ أَفَاقَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ قَدْ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] وَهُمْ مُؤْتَلِفُونَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: قَرْيَةٌ كَانَتْ نَزَلَ بِهَا الطَّاعُونُ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَأَقَامَتْ طَائِفَةٌ.
فَأَلَحَّ الطَّاعُونُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي أَقَامَتْ، وَالَّتِي خَرَجَتْ لَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ.
ثُمَّ ارْتَفَعَ، ثُمَّ نَزَلَ الْعَامَ الْقَابِلَ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي خَرَجَتْ أَوَّلًا.
فَاسْتَحَرَّ الطَّاعُونُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي أَقَامَتْ.
فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّالِثُ نَزَلَ، فَخَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] لَيْسَتِ الْفُرْقَةُ أَخْرَجَتْهُمْ كَمَا يُخْرَجُ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَالِ.
قُلُوبُهُمْ مُؤْتَلِفَةٌ، إِنَّمَا خَرَجُوا فِرَارًا، فَلَمَّا كَانُوا حَيْثُ ذَهَبُوا يَبْتَغُونَ الْحَيَاةَ، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ يَبْتَغُونَ فِيهِ الْحَيَاةَ، فَمَاتُوا.
ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ وَهِيَ عِظَامٌ تَلُوحُ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ، فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ: كَانَ خُرُوجُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ،

فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] قَالَ.
خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ، فَأَمَاتَهُمْ قَبْلَ آجَالِهِمْ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيُكْمِلُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] قَالَ: وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ، فَخَرَجَ أُنَاسٌ وَبَقِيَ أُنَاسٌ.
فَهَلَكَ الَّذِينَ بَقُوا فِي الْقَرْيَةِ وَبَقِيَ الْآخَرُونَ.
ثُمَّ وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَخَرَجَ أُنَاسٌ، وَبَقِيَ أُنَاسٌ وَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرَ مِمَّنْ بَقِيَ، فَنَجَّى اللَّهُ الَّذِينَ خَرَجُوا، وَهَلَكَ الَّذِينَ بَقُوا.
فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ، وَدَوَابَّهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَكَثُرُوا بِهَا، حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ أَنْتُمْ؟ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: 243] الْآيَةَ.
مَقَتَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ مِنَ الْمَوْتِ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ عُقُوبَةً ثُمَّ بَعَثَهُمْ إِلَى بَقِيَّةِ آجَالِهِمْ لِيَسْتَوْفُوهَا، وَلَوْ كَانَتْ آجَالُ الْقَوْمِ جَاءَتْ مَا بَعَثُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: 243] الْآيَةَ.
قَالَ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا وَقَعَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ خَرَجَ أَغْنِيَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَأَقَامَ فُقَراؤُهُمْ وَسِفْلَتُهُمْ.
قَالَ: فَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ عَلَى الْمُقِيمِينَ مِنْهُمْ، وَنَجَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ، فَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا: لَوْ أَقَمْنَا كَمَا أَقَامَ هَؤُلَاءِ لَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا وَقَالَ الْمُقِيمُونَ: لَوْ ظَعَنَّا كَمَا ظَعَنَ هَؤُلَاءِ لَنَجَوْنَا كَمَا نَجَوْا فَظَعَنُوا جَمِيعًا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، أَغْنِيَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَفُقَراؤُهُمْ

جارٍ التحميل