الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] فَإِنْ وَجَدْتُمْ مِنْهُمْ وَعَرَفْتُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ
بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9] . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، «فَهَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيَسْمَعُهُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضُرُّ بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَيُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلصَّوَابِ، وَلْيَنْظُرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَ لِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ»
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9] يَعْنِي: " الَّذِي يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيُقَالُ لَهُ: تَصَدَّقْ مِنْ مَالِكَ، وَأَعْتِقْ، وَأَعْطِ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَنُهُوا أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ، يَعْنِي: أَنَّ مَنَ حَضَرَ مِنْكُمْ مَرِيضًا عِنْدَ الْمَوْتِ، فَلَا يَأْمُرْهُ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْعِتْقِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَالَهُ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ، وَيُوصِيَ فِي مَالِهِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، وَيُوصِيَ لَهُمْ بِالْخُمُسِ أَوِ الرُّبُعِ، يَقُولُ: أَلَيْسَ يَكْرَهُ أَحَدُكُمْ إِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ ضِعَافٌ - يَعْنِي صِغَارًا - أَنْ يَتْرُكَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ، فَيَكُونُوا عِيَالًا عَلَى النَّاسِ؟ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَأْمُرُوهُ بِمَا لَا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأَنْفُسِكُمْ وَلَا أَوْلَادِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] قَالَ: يَقُولُ: «مَنْ حَضَرَ مَيِّتًا فَلْيَأْمُرْهُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلْيَنْهَهُ عَنِ الْحَيْفِ وَالْجَوْرِ فِي وَصِيَّتِهِ، وَلْيَخْشَ عَلَى عِيَالِهِ مَا كَانَ خَائِفًا عَلَى عِيَالِهِ لَوْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] قَالَ: " إِذَا حَضَرْتَ وَصِيَّةَ مَيِّتٍ، فَمُرْهُ بِمَا كُنْتَ آمِرًا نَفْسَكَ بِمَا تَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، وَخَفْ فِي ذَلِكَ مَا كُنْتَ خَائِفًا عَلَى ضَعَفَتِكَ لَوْ تَرَكْتَهُمْ بَعْدَكَ، يَقُولُ: فَاتَّقِ اللَّهَ وَقُلْ قَوْلًا سَدِيدًا، إِنْ هُوَ زَاغَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] " الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَحْضُرُهُ الْقَوْمُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: أَوْصِ بِمَالِكَ كُلِّهِ وَقَدِّمْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُ عِيَالَكَ، وَلَا يَتْرُكُوهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ، يَقُولُ لِلَّذِينَ حَضَرُوا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9] فَيَقُولُ كَمَا يَخَافُ أَحَدُكُمْ عَلَى عِيَالِهِ لَوْ مَاتَ إِذْ يَتْرُكَهُمْ صِغَارًا ضِعَافًا لَا شَيْءَ لَهُمْ الضَّيْعَةَ بَعْدَهُ، فَلْيَخَفْ ذَلِكَ عَلَى عِيَالِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَيَقُولُ لَهُ الْقَوْلَ السَّدِيدَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ،
قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] الْآيَةَ، قَالَ: " قَالَ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَقُولُ لَهُ مَنْ يَحْضُرُهُ: اتَّقِ اللَّهَ، صِلْهُمْ، أَعْطِهِمْ، بِرَّهُمْ، وَلَوْ كَانُوا: هُمُ الَّذِينَ يَأْمُرَهُمْ بِالْوَصِيَّةِ لَأَحَبُّوا أَنْ يُبْقُوا لِأَوْلَادِهِمْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] قَالَ: " يَحْضُرُهُمُ الْيَتَامَى فَيَقُولُونَ: اتَّقِ اللَّهَ وَصِلْهُمْ وَأَعْطِهِمْ، فَلَوْ كَانُوا هُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُبْقُوا لِأَوْلَادِهِمْ "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] الْآيَةَ، يَقُولُ: " إِذَا حَضَرَ أَحَدُكُمْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ عِنْدَ وَصِيَّتِهِ، فَلَا يَقُلْ: أَعْتِقْ مِنْ مَالِكَ وَتَصَدَّقْ، فَيُفَرِّقَ مَالَهُ وَيَدَعَ أَهْلَهُ عَيْلًا، وَلَكِنْ مُرُوهُ فَلْيَكْتُبْ مَالَهُ مِنْ دَيْنٍ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُ مِنْ مَالِهِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ خُمْسَ مَالِهِ، وَيَدَعُ سَائِرَهُ لِوَرَثَتِهِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9] الْآيَةَ، قَالَ: " هَذَا يُفَرِّقُ الْمَالَ حِينَ يُقْسَمُ، فَيَقُولُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ: أَقْلَلْتَ زِدْ فُلَانًا " فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [النساء: 9] "
فَلْيَخْشَ أُولَئِكَ وَلْيَقُولُوا فِيهِمْ مِثْلَ مَا يُحِبُّ أَحَدُهُمْ أَنْ يُقَالَ فِي وَلَدِهِ بِالْعَدْلِ إِذَا أَكْثَرَ: أَبْقِ عَلَى وَلَدِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْمُوصِيَ وَهُوَ يُوصِي، الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا فَخَافُوا عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ مِنْ ضَعْفِهِمْ وَطُفُولَتِهِمْ، أَنْ يَنْهَوْهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِأَقْرِبَائِهِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِإِمْسَاكِ مَالِهِ وَالتَّحَفُظِ بِهِ لِوَلَدِهِ، وَهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ أَقْرِبَاءِ الْمُوصِي لَسَرَّهُمْ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ أَنَا وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَأَتَيْنَا مِقْسَمًا، فَسَأَلْنَاهُ، يَعْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] الْآيَةَ، فَقَالَ: " مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؟ فَقُلْنَا: كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ: " وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَقُولُ لَهُ مَنْ يَحْضُرُهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ، فَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَالِكَ مِنْ وَلَدِكِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُوصِي ذَا قَرَابَةٍ لَهُمْ، لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ مِقْسَمٌ: " هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ، فَلَوْ كَانَ ذَا قَرَابَةٍ لَهُمْ لَأَحَبُّوا أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: زَعَمَ حَضْرَمِيُّ، وَقَرَأَ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9] قَالَ: «قَالُوا حَقِيقٌ أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَ الْوَصِيَّةِ بِالْوَصِيَّةِ لِأَهْلِهَا، كَمَا أَنْ لَوَ كَانَتْ ذُرِّيَّةُ نَفْسِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ لَأَحَبَّ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ وَلَدَهُ لَوْ كَانُوا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ أَحَبَّ أَنْ يُحَثَّ عَلَيْهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ هُوَ، فَلْيَأْمُرْهُ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ» أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وُلَاةَ الْيَتَامَى أَنْ يَلُوهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَأَنْ يَكُونُوا لَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ وُلَاةُ وَلَدِهِ الصِّغَارِ بَعْدَهُمْ لَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لَوْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ مَاتُوا وَتَرَكُوا أَوْلَادَهُمْ يَتَامَى صِغَارًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9] يَعْنِي بِذَلِكَ: " الرَّجُلُ يَمُوتُ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ ضِعَافٌ يَخَافُ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ وَالضَّيْعَةَ، وَيَخَافُ بَعْدَهُ أَنْ لَا يُحْسِنَ إِلَيْهِ مَنْ يَلِيهِمْ، يَقُولُ: فَإِنْ وَلِيَ مِثْلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعَافًا يَتَامَى، فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَأْكُلْ أَمْوَالَهُمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا خَشْيَةَ أَنْ يَكْبَرُوا، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ، وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا "
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يَكْفِيهُمُ اللَّهُ أَمْرَ ذُرِّيَّتِهِمْ بَعْدَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ دُرَيْجِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: ثني عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ دُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيَّامَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفِينَا ابْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَابْنُ الدَّيْلَمِيِّ، وَهَانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ، قَالَ: فَجَعَلْنَا نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، قَالَ: فَضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا سَمِعْتُ، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ الدَّيْلَمِيِّ: يَا أَبَا بِشْرٍ بِوُدِّي أَنَّهُ لَا يُولَدُ لِي وَلَدٌ أَبَدًا، قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي وَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ نَسَمَةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ صُلْبِ رَجُلٍ، إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ إِنْ شَاءَ وَإِنْ أَبَى» . قَالَ: " أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ إِنْ أَنْتَ أَدْرَكْتَهُ نَجَّاكَ اللَّهُ مِنْهُ، وَإِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ مِنْ بَعْدِكَ حِفْظِهِمُ اللَّهُ فِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَتَلَا عِنْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ ": ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ لَوْ كَانُوا فَرَّقُوا أَمْوَالَهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ، أَوْ قَسَّمُوهَا وَصِيَّةً مِنْهُمْ بِهَا لِأُولِي قَرَابَتِهِمْ وَأَهْلُ الْيُتْمِ وَالْمَسْكَنَةِ، فَأَبْقَوْا أَمْوَالَهُمْ لِوَلَدِهِمْ خَشْيَةَ الْعَيْلَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُمْ مَعَ ضَعْفِهِمْ وَعَجَزِهِمْ عَنِ الْمَطَالِبِ، فَلْيَأْمُرُوا مَنْ حَضَرُوهُ، وَهُوَ يُوصِي لِذَوِي قَرَابَتِهِ وَفِي الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَفِي غَيْرِ
ذَلِكَ بِمَالِهِ بِالْعَدْلِ، وَلْيَتَّقُوا اللَّهَ، وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفُوهُ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ وَمَا اخْتَارَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ، مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَأَوْصُوا لَهُمْ، بِمَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الْآيَةَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [النساء: 9] تَأْدِيبًا مِنْهُ عِبَادَهُ فِي أَمْرِ الْوَصِيَّةِ بِمَا أَذِنَهُمْ فِيهِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ عُقَيْبَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَكَانَ أَظْهَرَ مَعَانِيهِ مَا قُلْنَا، فَإِلْحَاقُ حُكْمِهِ بِحُكْمِ مَا قَبْلَهُ أَوْلَى مَعَ اشْتِبَاهِ مَعَانِيهِمَا مِنْ صَرْفِ حُكْمِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِمَا هُوَ لَهُ غَيْرُ مُشْبِهٍ.
وَبِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي مُبْتَدَأِ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبِهِ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] قَالَ: «يَقُولُ قَوْلًا سَدِيدًا، يَذْكُرُ هَذَا الْمِسْكِينَ وَيَنْفَعُهُ، وَلَا يُجْحِفِ بِهَذَا الْيَتِيمِ وَارِثِ الْمُؤَدِّي وَلَا يَضُرُّ بِهِ، لِأَنَّهُ صَغِيرٌ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَانْظُرْ لَهُ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى وَلَدِكَ لَوْ كَانُوا صِغَارًا» وَالسَّدِيدُ مِنَ الْكَلَامِ: هُوَ الْعَدْلُ وَالصَّوَابُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] يَقُولُ: بِغَيْرِ حَقٍّ، ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا فِي الدُّنْيَا،
نَارَ جَهَنَّمَ.
﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ [النساء: 10] بِأَكْلِهِمْ ﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10] قَالَ: «إِذَا قَامَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَمِنْ أُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ يَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ثنا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: " نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِقَوْمُ لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرًا} [النساء: 10] قَالَ: قَالَ أَبِي: إِنَّ «هَذِهِ لِأَهْلِ الشِّرْكِ حِينَ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَهُمْ وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلَا، وَالصَّلَا: الِاصْطِلَاءُ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ التَّسَخُّنُ بِهَا، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
[البحر الطويل]
وَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أَهْلِهِ ... لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلَا مُتَكَنِّفُ
وَكَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ:
[البحر الرجز]
وَصَالِيَانِ لِلصَّلَا صُلِيُّ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ بَاشَرَ بِيَدِهِ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ، مِنْ حَرْبٍ أَوْ قِتَالٍ أَوْ خُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ ... وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِي
فَجَعَلَ مَا بَاشَرَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرْبِ وِإِجْرَاءِ الْقِتَالِ، بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ أَذَى النَّارِ وَحَرِّهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأْتُهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى التَّأْوِيلَ الَّذِي قُلْنَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا) بِضَمِّ الْيَاءِ، بِمَعْنَى يُحْرَقُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، يَعْنِي مَشْوِيَّةً.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْفَتْحُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الضَّمِّ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ عَلَى فَتْحِ الْيَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: 15] وَلِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 163] عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ بِهَا أَوْلَى مِنَ الضَّمِ، وَأَمَّا السَّعِيرُ: فَإِنَّهُ شِدَّةُ حَرِّ جَهَنَّمَ، وَمِنْهُ قِيلَ: اسْتَعَرَتِ الْحَرْبُ: إِذَا اشْتَدَّتْ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْعُورٌ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى سَعِيرٍ، قِيلَ: كَفٌّ خَضِيبٌ، وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مَخْضُوبَةٌ صُرِفَتْ إِلَى فَعِيلٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَسَيُصْلَوْنَ نَارًا مُسَعَّرَةً: أَيْ مَوْقُودَةً مُشْعَلَةً، شَدِيدًا حَرُّهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ قَالَ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: 12] فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا مَسْعُورَةٌ، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ أَكَلَةَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى يَصْلَونَهَا، وَهِيَ كَذَلِكَ، فَالسَّعِيرُ إِذًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صِفَةٌ لُلْجَحِيمِ عَلَى مَا وَصَفْنَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: 11] يَعْهَدُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] يَقُولُ يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ رَبُّكُمْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْكُمْ،
وَخَلَّفَ أَوْلَادًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَلِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِيرَاثُهُ أَجْمَعُ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ، سَوَاءٌ فِيهِ صِغَارُ وَلَدِهِ وَكِبَارُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ فِي أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَرُفِعَ قَوْلُهُ: ﴿مِثْلُ﴾ [البقرة: 113] ، بِالصِّفَةِ، وَهِيَ اللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: 11] وَلَمْ يُنْصَبْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: 11] لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَهْدٌ وَإِعْلَامٌ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَالْقَوْلُ لَا يَقَعُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمُخْبَرِ عَنْهَا، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَكُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْيِينًا مِنَ اللَّهِ الْوَاجِبَ مِنَ الْحُكْمِ فِي مِيرَاثِ مَنْ مَاتَ وَخَلَّفَ وَرَثَةً عَلَى مَا بَيَّنَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَقْسِمُونَ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ لِأَحَدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ مِمَّنْ كَانَ لَا يُلَاقِي الْعَدُوَّ وَلَا يُقَاتِلُ فِي الْحُرُوبِ مِنْ صِغَارِ وَلَدِهِ، وَلَا لِلنِّسَاءِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَخُصُّونَ بِذَلِكَ الْمُقَاتِلَةَ دُونَ الذُّرِّيَّةِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ مَا خَلَّفَهُ الْمَيِّتُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى وَفَرَضَ لَهُ مِيرَاثًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَالَ فِي صِغَارِ وَلَدِ الْمَيِّتِ وَكِبَارِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ: لَهُمْ مِيرَاثُ أَبِيهِمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] " كَانَ أَهْلَ
الْجَاهِلِيَّةُ لَا يُوَرِّثُونَ الْجَوَارِيَ، وَلَا الصِّغَارَ مِنَ الْغِلْمَانِ، لَا يَرِثُ الرَّجُلَ مِنْ وَلَدِهِ إِلَّا مَنْ أَطَاقَ الْقِتَالَ.
فَمَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو حَسَّانَ الشَّاعِرِ، وَتَرَكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ كَحَّةَ وَتَرَكَ خَمْسَ أَخَوَاتٍ، فَجَاءَتِ الْوَرَثَةُ يَأْخُذُونَ مَالَهُ، فَشَكَتْ أُمُّ كَحَّةَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] ثُمَّ قَالَ فِي أُمِّ كَحَّةَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثَّمَنُ﴾ [النساء: 12] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] " وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا مَا فَرَضَ لِلْوَلَدِ الذِّكْرِ وَالْأُنْثَى وَالْأَبَوْينِ كَرِهَهَا النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَقَالُوا: تُعْطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ وَالثُّمُنَ، وَتُعْطَى الِابْنَةُ النِّصْفَ، وَيُعْطَى الْغُلَامُ الصَّغِيرُ، وَلَيْسَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ يُقَاتِلُ الْقَوْمَ وَلَا يَحُوزُ الْغَنِيمَةَ اسْكُتُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسَاهُ، أَوْ نَقُولُ لَهُ فَيُغَيِّرُهُ فَقَالْ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُعْطِي الْجَارِيَةَ نِصْفَ مَا تَرَكَ أَبُوهَا، وَلَيْسَتْ تَرْكَبُ الْفَرَسَ، وَلَا تُقَاتِلُ الْقَوْمَ، وَنُعْطِي الصَّبِيَّ الْمِيرَاثَ، وَلَيْسَ يُغْنِي شَيْئًا؟ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ، وَيُعْطُونَهُ الْأَكْبَرَ
فَالْأَكْبَرَ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَالَ كَانَ لِلْوَلَدِ قَبْلِ نُزُولِهِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ الْوَصِيَّةُ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] قَالَ: «كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظَّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ مَعَ الْوَلَدِ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعَ وَالثُّمُنَ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كَانَ الْمَالُ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَنَسَحَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ "
وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَا: حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ،
قَالَ: " دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ، فَتَوَضَّأَ وَنَضَحَ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ، فَكَيْفَ بِالْمِيرَاثِ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَنِي سَلَمَةَ يَمْشِيَانِ، فَوَجَدَانِي لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] الْآيَةَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ [النساء: 11] فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكَاتُ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِ نِسَاءٍ: بَنَاتِ الْمَيِّتِ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، يَقُولُ: أَكْثَرُ فِي الْعَدَدِ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] يَقُولُ: فَلِبَنَاتِهِ الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ بَعْدَهُ مِنْ
مِيرَاثِهِ دُونَ سَائِرِ وَرَثَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ خَلَّفَ وَلَدًا ذِكْرًا مَعَهُنَّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ [النساء: 11] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي
الْبَصْرَةِ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا: فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكَاتُ نِسَاءً، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الْأَوْلَادُ نِسَاءً، وَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الْأَوْلَادَ، فَقَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11] ثُمَّ قَسَّمَ الْوَصِيَّةَ، فَقَالَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ [النساء: 11] وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَادُ وَاحِدَةً، تَرْجَمَةً مِنْهُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَوْلَادِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَمَّنْ حَكَيْنَاهُ عَنْهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، لَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ الْأَوْلَادُ، لَقِيلَ: وَإِنْ كَانُوا، لِأَنَّ الْأَوْلَادَ تَجْمَعُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُقَالُ: كَانُوا لَا «كُنَّ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَتِ الْمَتْرُوكَةُ ابْنَةً وَاحِدَةً، فَلَهَا النِّصْفُ، يَقُولُ: فَلِتِلْكَ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ مِيرَاثِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا غَيْرُهَا مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ ذُكَرٌ وَلَا
أُنْثَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَذَا فَرْضُ الْوَاحِدَةِ مِنَ النِّسَاءِ، وَمَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ، فَأَيْنَ فَرِيضَةُ الِاثْنَتَيْنِ؟ قِيلَ: فَرِيضَتُهُمْ بِالسُّنَّةِ الْمَنْقُولَةِ نَقْلَ الْوِرَاثَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الشَّكُّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: 11] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَمَا خَلَّفَ مِنْ مَالِهِ سَوَاءٌ فِيهِ الْوَالِدَةُ وَالْوَالِدُ، لَا يَزْدَادُ وَاحِدٌ